صعد أوباما الى منصب الرئيس في الولايات
المتحدة الأمريكية بعد حملة انتخابية قادها
بمنتهى الاقتدار تحت شعار التغيير. وكان لهذه
الكلمة وقع السحر لدى ملايين الناخبين
الديمقراطيين والجمهوريين،بعد أن طفح بهم
الكيل من أخطاء وخطايا ثماني سنوات عجاف، من
حكم الجمهوريين برئاسة الرئيس السابق جورج بوش.
هذا الرئيس الذي استطاعت اختطافه جماعة «المحافظين
الجدد» الذين شكلوا جماعة إيديولوجية وسياسية
شديدة التعصب، أعلنت في منشوراتها المعلنة
ثقتها المطلقة في أحقية الولايات المتحدة
الأمريكية في أن تحكم العالم منفردة وبإرادتها
المطلقة الى الأبد.!
وتلاقت اتجاهات «المحافظين الجدد» الذين سبق
لهم في عهد الرئيس كلينتون أن رفعوا له مذكرة
مطالبين بالغزو العسكري للعراق، مع شخصية جورج
بوش الذي نجح في انتخابات مشكوك في إجراءاتها
ضد آل جور، ليصبح رئيساً للولايات المتحدة
الأمريكية بضرب من ضروب المصادفة. وهو ، يؤمن
بأفكار مستمدة من تأويلاته الشخصية للدين التي
لا تقوم على أساس. ويكفي تدليلا على ذلك
تصريحاته التي ذكر فيها أنه يستوحي قراراته
السياسية من الله سبحانه وتعالى مباشرة، كما
أنه في مقابلة شهيرة مع «جاك شيراك» الرئيس
السابق لفرنسا ذكر له أن غزو العراق تحقيق
لقصة وردت في التوراة، مما دفع شيراك بعد
عودته الى باريس، أن يلجأ لبعض المتفقهين في
الدين لكي يشرحوا له دلالة هذه القصة الدينية
لكي يعرف الرجل كيف ربطها الرئيس بوش بحربه
المدمرة في العراق!
جاء الرئيس «أوباما» إذن حاملاً راية التغيير،
لأن النخبة السياسية الأمريكية جمهورية
وديمقراطية، أحست أن «جورج بوش» أضر بسمعة
أمريكا ضرراً بالغاً بمغامراته العسكرية التي
أدخلها فيها، بعد أن رفع شعار «الحرب ضد
الإرهاب»، والتي بدأها بالغزو العسكري
لأفغانستان، ثم ثنى على ذلك بالغزو العسكري
للعراق. وقد انتقل الشعور بالسخط لدى النخبة
السياسية الأمريكية الى ملايين الأمريكيين،
بعد أن تزايدت أعداد الضحايا بين صفوف الجيش
الأمريكي، وبروز صور نعوش القتلى التي ترد
تباعاً الى واشنطن من العراق، لدرجة أن «بوش»
منع إذاعة هذه الصور. بالإضافة الى زيادة
معدلات الانتحار والهرب من الخدمة العسكرية،
بعد أن أحس الجنود أنهم زُج بهم في حرب عبثية
غامضة الأهداف، وغير محددة الوسائل.
وإذا أضفنا الى ذلك استنزاف الخزانة الأمريكية،
وتأثير ذلك على الإنفاق على البرامج
الاجتماعية، لأدركنا أن الشعور بالسخط على
الإدارة الجمهورية كان عنيفاً، مما أدى
بالجماهير الى اختيار «أوباما» الذي اكتسح
الانتخابات لأنه رفع شعار التغيير.
غير أن السؤال الرئيسي هو هل الرئيس الشاب
الجديد الذي تبنى شعارات بالغة الإيجابية،
أهمها الاحترام الحقيقي لحقوق الإنسان، وتطبيق
حكم القانون، واعتماد لغة الحوار بدلا من لغة
المدافع، قادر على إحداث التغيير أم أن هناك
عقبات كامنة في صميم بنية النظام السياسي
الأمريكي، قد تحد من طموحه ولا تسمح له
بالتغيير إلا قليلاً؟
هذا سؤال مهم لأن الإجابة الموضوعية عليه هي
التي ستحدد مدى واقعية الآمال التي علقها على
أوباما ملايين البشر سواء في الولايات المتحدة
الأمريكية أم في خارجها ممن جذبتهم القصة
الأسطورية لصعوده من اللامكان، لكي يتصدر كرسي
رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من
أصوله العرقية المختلفة التي يكشف عنها اسمه «باراك
حسين أوباما»، وظروف نشأته الصعبة التي خاضها
بإرادة من حديد، لكي يتخرج في جامعة هارفارد
العريقة، ويصبح قانونياً لامعاً ثم لكي يكون
من بعد أصغر أعضاء الكونجرس سناً.
ما هي فرصة أوباما التاريخية في تغيير توجهات
السياسة الخارجية الأمريكية؟
فلنعترف منذ البداية أن إدراكات النخبة
السياسية الحاكمة في الولايات المتحدة
الأمريكية للمصالح القومية الأمريكية، من
شأنها أن تحد قدرة أي رئيس أمريكي جمهورياً
كان أو ديمقراطياً، من إمكانية التغيير
المطلقة مهما كانت شخصيته واتجاهاته السياسية!
بعبارة اخرى هناك «أجندة» تحدد المصالح
القومية الأمريكية التي تبلورت منذ نهاية
الحرب العالمية الثانية عام 1945، وبعد بداية
الصراع الذي نشب بعد تحقيق انتصار الحلفاء على
دول المحور (ألمانيا- وإيطاليا- واليابان) بين
الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد
السوفييتي.
وقد حددت الولايات المتحدة الأمريكية
استراتيجيتها مبكراً في هذا الصراع في ضوء
مذهب «الاحتواء» Containment الذي صاغ معالمه
الدبلوماسي الأمريكي الشهير «جورج كينان»،
ويعني ببساطة محاصرة الاتحاد السوفييتي عسكرياً
بالأحلاف وفي مقدمتها حلف «الناتو»، وسياسياً
بمحاربة امتداد الشيوعية الى مختلف دول العالم،
وثقافياً بشن حرب إيديولوجية ضد الماركسية
فيما أطلق عليها من بعد «الحرب الباردة
الثقافية»، التي قامت على أساس تفنيد دعاوى
الماركسية وتشويه التجربة الشيوعية، وتمجيد
المبادئ الرأسمالية، وتقديم صور جذابة لأسلوب
الحياة الأمريكي.
ومعنى ذلك أن محاربة الشيوعية كانت البند
الأول في بنود أجندة المصالح القومية
الأمريكية.
أما البند الثاني فهو التأييد المطلق للدولة
الإسرائيلية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
وقد ظهر التأييد السياسي الأمريكي جلياً بعد
أن أعلنت اعترافها بالدولة الإسرائيلية عام
1948 بعد دقائق من إعلان قيامها. وهناك قصة
تاريخية موثقة أن الرئيس «هاري ترومان» رئيس
الولايات المتحدة الأمريكية قد خضع في ذلك
لتأثير أحد أصدقائه اليهود المقربين الذي زاره
سراً في البيت الأبيض يشجعه للسير قدماً في
طريق التأييد الكامل لإسرائيل بعد الاعتراف
الأمربكي بها.
وقد تطور هذا التأييد السياسي لإسرائيل ليصبح
عقيدة أمريكية رسمية تتمثل في توجيهات مستديمة
لممثلي الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس
الأمن، في استخدام الفيتو لمنع استصدار مجلس
الأمن أي قرار بإدانة إسرائيل، حتى لو كانت
ارتكبت مذبحة ضد الشعب الفلسطيني المناضل، ولو
كان ذلك بمعارضة كل حلفائها الذين يميلون
أحياناً- تحت ضغوط الرأي العام العالمي- الى
مجرد الإدانة اللفظية لجرائم إسرائيل.!
وامتد التأييد السياسي الأمريكي لإسرائيل،
وتمثل في عدم معارضتها للتوسع الاستعماري
الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة،
بالإضافة الى تعويقها لأي محاولات دولية لحل
الصراع، على أساس صياغة اتفاق عادل يعطي الشعب
الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه المشروعة.
بل إن التأييد السياسي لإسرائيل وصل الى أقصى
مداه في عهد الرئيس «جونسون» الذي أعطى الضوء
الأخضر لإسرائيل لمهاجمة مصر في 5 يونيو 1967،
للخلاص من نظام الرئيس جمال عبد الناصر الذي
كان يعتبره مناهضاً للسياسة الأمريكية، ليس
ذلك فحسب، بل إمداد إسرائيل بالطائرات الكفيلة
بالحصول على نصر سريع.
وقد تجاوزت الولايات المتحدة الأمريكية
التأييد السياسي المطلق لإسرائيل، بإعطائها
مئات الملايين من الدولارات سنوياً كمنح،
بالإضافة الى مئات الملايين من الدولارات
باعتبارها قروضاً بشروط ميسرة، كانت تتحول
عملاً – كما يقرر أحد الكتب الموثقة – الى منح،
لأنها لم تكن تسدد إطلاقاً!
معنى هذا أن التأييد السياسي الأمريكي المطلق
لإسرائيل، من ثوابت أجندة المصلحة القومية
الأمريكية. وقد أكد ذلك بوضوح نادر الرئيس
أوباما في خطابه الذي ألقاه من منبر جامعة
القاهرة، حين قرر أن العلاقات الوثيقة بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ستبقى
وتستمر، بالإضافة الى مغازلة الدولة
الإسرائيلية العنصرية بالاعتراف بالهولوكست،
وتأييد المزاعم الصهيونية التي أكدت أنه راح
ضحيتها ستة ملايين يهودي، وهو رقم كذبته
الدراسات التاريخية والديمجرافية الموثقة.
ومما لا شك فيه أن ضمان تدفق النفط العربي
أساساً بسعر معقول، هو أحد ثوابت أجندة
المصالح القومية الأمريكية. وينبغي ألا ننسى
أن الولايات المتحدة الأمريكية أقامت نهضتها
الصناعية ومبادراتها التكنولوجية العملاقة
وخصوصاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام
1945، على أساس النفط العربي الرخيص الذي لم
يكن يزيد سعر البرميل منه على بضعة دولارات في
الخمسينيات، ولم يشهد العالم ارتفاعاً في
السعر إلا بعد حرب أكتوبر 1973، حين توقف
إمداد أمريكا بالنفط السعودي. ومما يؤكد أهمية
النفط العربي أن ضمان تدفقه من العراق كان أحد
أهداف الغزو العسكري له.
ويضاف الى أجندة المصالح القومية الأمريكية
مناهضة الدول التي قد تمثل – في إدراكات
النخبة السياسية الأمريكية – تهديداً محتملاً
للأمن القومي الأمريكي. ولذلك ابتكرت إدارة
الرئيس بوش مصطلح «محور الشر» الذي يتمثل
أساساً في ثلاث دول هي العراق (بحكم امتلاكه
أسلحة دمار شامل كما زعمت المصادر الأمريكية
قبل غزوه عسكرياً)، وإيران، وكوريا الشمالية.
حذفت العراق الآن من القائمة بعد غزوها، وتبقى
بعد ذلك إيران على أساس اتهامها بالسعي لصنع
أسلحة ذرية، وكوريا الشمالية التي تمارس سياسة
استفزازية بتجارب إطلاق الصواريخ بعيدة المدى.
وتبقى أخراً وقد يكون ذلك أولاً الحفاظ على
المصالح الاقتصادية للمؤسسات والبنوك
الرأسمالية الأمريكية الكبرى، باعتبار ذلك في
قمة أولويات المصلحة القومية.
والدليل على ذلك أنه بعد انهيار هذه المؤسسات
في الأزمة المالية، لم تتورع الإدارة
الأمريكية - خلافاً لكل العقائد المقدسة
للرأسمالية في عدم تدخل الدولة - بضخ 750
مليار دولار لإنقاذ هذه المؤسسات.
والخلاصة أن هناك أجندة محددة للمصالح القومية
الأمريكية لا يستطيع أي رئيس أمريكي جمهورياً
كان أو ديمقراطياً، أن يغير فيها إلا قليلاً
وبقدر محسوب، لأن مراكز القوة الأمريكية هي
التي حددت أجندة المصالح القومية.
والسؤال الذي يستحق إجابة عليه هو ما هي هذه
المراكز التي تتحكم في صياغة وتنفيذ السياسة
الخارجية الأمريكية بالإضافة الى السياسات
الداخلية؟
بعبارة اخرى من يحكم أمريكا؟.
الإجابة ستحدد قدرة «أوباما» أو أي رئيس
أمريكي آخر، على التغير الجذري لتوجهات
السياسة الأمريكية.!