الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

على مشارف العشرية الخامسة
عريب الرنتاوي

«كان لافتا أن جلالة السلطان خصص «نصف خطابه للحديث عن نصف المجتمع»، عن المرأة العمانية والحاجة لتطوير دورها وتعزيز مشاركتها وضمان تمثيلها في مختلف المؤسسات والإدارات، معلنا السابع عشر من أكتوبر من كل عام، يوما للمرأة العمانية..».
أتيح لكاتب هذه السطور، من ضمن عشرات الصحفيين والإعلاميين العرب والأجانب، أن يشهدوا جانبا من احتفالات السلطنة بعيدها الوطني التاسع والثلاثين، أو العيد التاسع والثلاثين للنهضة العمانية الحديثة، كما يحلو للعمانيين أن يصفوا هذا اليوم. وقد دشّن جلالة السلطان، الاحتفالات بافتتاح دورة الانعقاد السنوي لمجلس عمان في حصن الشموخ بولاية منح، حيث ألقى كلمة توجيهية مكثفة، اشتملت على الخطوط العامة لما يمكن وصفه بخطاب الدولة العمانية، فكان بمثابة جردة حساب سريعة مع منجزات العشريات الأربع الماضية، وبرنامج عمل مقترح لعمان والعمانيين وهم يستعدون لولوج عتبات العشرية الخامسة.
كأحد المشتغلين بشؤون الإقليم وتقلباته وسياسات مكوناته واستراتيجيات اللاعبين الدوليين حياله، جئت إلى مسقط باحثا عن فهم أعمق وأدق لمواقف السلطنة مما «يندلع» حولها ويحيط بها من أزمات، كامنة ومتفجّرة، مع أنني كغيري من المراقبين والمحللين السياسيين، لم تعد تنقصنا الدراية بما أسماه جلالة السلطان «ثوابت لا تتغير» تحكم السياسة الخارجية العمانية وتتحكم بها وتحددها، فهي باتت معروفة للجميع كما قال في خطابه الافتتاحي لمجلس عمان أمس الأول.
لم يعد خطاب السلطنة بحاجة إلى مزيد من الشروحات والتوضيحات، ومن باب أولى، فهو لم يكن بحاجة إلى تبرير وتسويق، فهو يتحدث عن نفسه بنفسه، ويبوح بمكنوناته وثوابته، ويثير الثقة والتقدير والاحترام من قبل مختلف الأطراف، بمن فيها أطراف عربية وإقليمية تكاد لا تلتقي حول قضية واحدة أو موقف واحد دون أن تفقد وسطيتها واعتدالها، ومن غير ابتعاد عن معسكر الاعتدال العربي، ومن دون تناقض مع مرجعية مجلسي التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية، تحتفظ السياسة الخارجية العمانية بتميزها واستقلاليتها، ولقد تكرست كل هذه القيم والضوابط عبر سنوات وعقود، واجتازت بنجاح أقسى التجارب والمحكات العملية، فأبقت خيوط الود ممدودة مع جمهورية مصر العربية حين غادرتها جميع البعثات الدبلوماسية العربية، وفتحت الطرق بين العراق وإيران حين اشتدت حرب المدن والصواريخ المدمرة للعلاقات التاريخية بين الأمتين، وهي اليوم تمد جسورا عابرة للمحاور والاصطفافات الإقليمية والدولية. لا يغيب العلم العماني عن اجتماع لجامعة الدول العربية، سواء عقد في القاهرة أو الرياض وبغداد، أو في دمشق والدوحة، بنصاب كامل أو من دونه، فالتشاور والتواصل مع الأشقاء، سنة ثابتة من سنن هذه السياسة، معروفة للجميع.
ولم تكن السلطنة في يوم من الأيام، إلا في الموقع المناهض لحسم الخلافات بوسائل القوة العسكرية أو تصعيد النزاعات الداخلية والعابرة للدول، فالحوار والدبلوماسية وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، جميعها متطلبات ضرورية ومسبقة، لتحقيق الأقانيم الثلاثة التي أوردها جلالة السلطان قابوس في خطابه المذكور كواحدة من مرتكزات السياسة الخارجية العمانية: الأمن ،والسلام والسعادة.
وفي رأيي، كما في رأي كثير من المراقبين الذين تابعوا الاحتفالات والافتتاح والخطاب، فإن الإشارة لهذه الأقانيم تكتسب أهمية خاصة هذه المرة، في ضوء التغيرات الدراماتيكية في البيئة الأمنية والسياسية والاستراتيجية المحيطة بعمان، حيث تندلع على مقربة من حدودها مواجهات وأزمات داخلية ، وعابرة للحدود ، كما أن الملف الإيراني بتفريعاته المختلفة، ما زال يلقي بظلاله.
وغني عن القول، أن «وسطية السياسة العمانية واعتدالها»، لا تعني للحظة واحدة، «انسحابية». من أي نوع من قضايا الحقوق والأزمات العربية، وبالأخص قضية فلسطين، كما لا تعني وقوفا على مسافة واحدة من الجميع، ولا «موازنة» بين أصحاب الحقوق ومغتصبيها، بل هي وسطية مستمدة من القانون الدولي ومبادئ حل النزعات بالطرق الدبلوماسية وعدم الاعتداء والتدخل في شؤون الآخرين واحترام سيادة الدول.
لقد سبق مهندسو السياسة الخارجية العمانية، نظراءهم الأتراك في عهد العدالة والتنمية في رفع شعار: «تصفير الخلافات مع دول الجوار»، فالسلطنة تقيم علاقات أخوية مع كل من يحيط بها من دول عربية وإسلامية، شقيقة وصديقة، وهي تحرص على تطوير في شتى المجالات، وعلى قاعدة تعظيم النفع والمصالح المشتركة.

تنمية عُمان أولا

من قصر «حصن الشموخ» بولاية منح، المجسد لتراث العمارة العمانية وأصالتها، خاطب جلالة السلطان قابوس عناوين الحداثة وتحدياتها:
فهو تحدث عن منجزات التنمية والنهضة والحاجة للمضي بها والبناء على ما تراكم منها عاما بعد آخر، فاتحا أبواب التطور والتقدم والرقي في مختلف مجالات الحياة العصرية وإتاحة فرص متكافئة لكل المواطنين دون تمييز أو تفرقة ، لتحقيق تطلعاتهم وطموحاتهم ورؤية الآمال التي تجيش بها صدورهم حقيقة ماثلة أمام أعينهم تثبتها وقائع حياتهم اليومية.
وجلالته شدد على الحاجة لتوزيع ثمار التنمية على الجميع أفرادا وفئات ومناطق، فالسلطنة مدركة للعواقب الاجتماعية للإصلاح والتحديث الاقتصاديين، وهي مصممة على خوض هذا المضمار بكل تريث وتؤدة، لاستيعاب الأعراض الجانبية الخطرة أحيانا للتحديث السريع وسياسة التقدم بقفزات واسعة.
وهو إذ أعلن استمرار الدولة في تحمل أعباء التنمية ووظائفها ومسؤولياتها، وجّه دعوة للمستثمرين ورجال الأعمال العمانيين والأجانب للاستثمار في السلطنة، موليا اهتماما خاصا بمشاريع البنية الاساسية والصناعة والسياحة، متعهدا بتوفير كافة التسهيلات الضرورية لذلك، فالسلطنة لن تكون «الدولة الريعية» التي يراد لها أن تركن إلى مخزونها النفطي، وهي تفتح اليوم عصر الشراكة المنتجة بين القطاعين العام والخاص، مستندة في ذلك إلى إرث حضاري ممتد، ومجتمع ركب البحر وشق الصخر وشيّد حضارة ملأت كتب التاريخ.

نصف الخطاب.. لنصف المجتمع

وكان لافتا أن جلالة السلطان خصص «نصف خطابه للحديث نصف المجتمع»، عن المرأة العمانية والحاجة لتطوير دورها وتعزيز مشاركتها وضمان تمثيلها في مختلف المؤسسات والإدارات، معلنا السابع عشر من أكتوبر من كل عام، يوما للمرأة العمانية، تتوقف فيه الدولة بإدارتها المختلفة، والمجتمع بمنظماته ومؤسساته وفاعلياته، أمام «جردة مراجعة وحساب» مع الذات، لتقييم المنجز وتحديد أوجه التقصير ورسم الخطط ووضع البرامج لتجاوز العقبات.
خطاب الانتصار للمرأة العمانية الذي انطلق بقوة من ولاية منح، ظهّر الإرادة السياسية للدولة للنهوض بطاقات أبنائها وبناتها دون تمييز، فهو خاطب العمانيين والعمانيات، المواطنين والمواطنات، أبناء وبنات عمان، في لغة «جندرية متوازنة»، خففت كثيرا من منسوب «الذكورية المتسلطة» في الخطاب السياسي العربي.
وفي ظني، كما في ظن كثيرين ممن تابعوا الخطاب، فإن كرات كثيرة قد ألقيت في ملاعب مختلف الأطراف والإدارات والفاعلين الاجتماعيين، أولا من أجل توفير بيئة تشريعية مُمَكّنة للمرأة ومُعَززة لمكانتها وحقوقها.. وثانيا: لمؤسسات التعليم والتأهيل والتدريب المهني لتمكين المرأة العمانية من الالتحاق بسوق العمل وقطاع الأعمال .. وثالثا: للصحافة واجهزة الإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية والتراثية، لمواجهة ثقافية شاملة مع «صورة نمطية» عن المرأة تقلل من قدرها، وإحلال «صورة متوازنة» بدلا عنها في منظومة العلاقات والقيم الثقافية والاجتماعية في البلاد.
وفي بلد يضع «التعمين» على رأس جدول أولوياته الاقتصادية والاجتماعية، فإن تمكين المرأة اقتصاديا واجتماعيا، هو الوسيلة الوحيدة لمجابهة احتياجات السوق ومتطلبات التنمية، التي تملي عليه هذه الأيام، استضافة وافد واحد مقابل كل عمانيين اثنين.
وتكتسب مبادرة تطوير دور المرأة وتعزيز مشاركتها قيمة إقليمية واسعة، فالمرأة العمانية التي خاضت مضمار التعليم والعمل وتمتعت بحق الترشيح والانتخاب، مرشحة اليوم لدور اقتصادي اجتماعي أوسع نطاقا، يؤهلها - ربما - للقيام بدور طليعي في كفاح المرأة العربية عموما والخليجية على وجه الخصوص، من أجل استرداد انسانيتها، واستعادة حقوقها وأدوارها، والقيام بواجبات المواطنة دون انتقاص كذلك.
ولا شك عندي أن الحركة النسوية العمانية، قد اكتسبت زخما إضافيا بعد خطاب جلالة السلطان، الذي خصص في معظمه للانتصار لقضيتها، والأرجح أننا سنشهد في قادمات الأيام، نشاطا ملحوظا لترجمة هذه المرامي السامية.

  رجوع