«في جو التنافس
الحاد بين أوباما وماكين، فإن مايثير قلق بعض
الخبراء الأمريكيين أن يحدث ما سموه «مفاجآة
أكتوبر»، بأن يقرر الجمهوريون تنفيذ ضربة
عسكرية ضد إيران، قبل شهر من حسم المعركة
الانتخابية، في تصور منهم أن هذا سيوجد موقفا
وطنيا في أمريكا، يصب لمصلحة ماكين، ويضع
أوباما في موقف حرج، لو أنه عارض، وأمريكا في
حالة حرب لكن مفاجأة أكتوبر تظل مجرد احتمال».
المواجهة الدائرة بين أوباما وماكين، بدأ فيها
كل منهما، وكأنه لا يقدم خريطة متكاملة
لسياسته الخارجية، إذا صار هو الرئيس المقبل،
بل غلبت على لغة كل منهما تكتيكات «الملاكم».
فكلاهما يسدد ضربات إلى نقاط ضعف الآخر ولمحها
في تصريحاته الانتخابية، بينما يحمي رأسه
بغطاء من تصريحات مضادة، يقي به نفسه من ضربات
الآخر.
لهذا شاهدنا تصريحات مليئة بالتناقض، وإعلان
مواقف ثم العدول عنها فكان السؤال التلقائي:
وهل ما نسمعه منهما هو في حقيقته برنامج
السياسة الخارجية التي سيسير عليها الساكن
المقبل للبيت الأبيض؟
والاثنان يتباريان في معركتين رئيسيتين في
السياسة الخارجية، علاوة على قضايا السياسة
الداخلية أولهما: الأمن القومي مرتبط بالأوضاع
في الشرق الأوسط، وجزء منه الموقف من ضربة
عسكرية لإيران. والثانية: هي دور أمريكا في
العالم، وحدود سيادتها على العالم، ما بين
فكرة السيادة النسبية، وعقيدة الهيمنة.
وتحتل السياسة الخارجية مركزا متميزا في
السباق بين الاثنين، بسبب ما جرى في عهد بوش،
واثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، من ربط
الأمن القومي في الداخل بأوضاع في الخارج.
وبعد أن تحولت مسألة الأمن القومي إلى قضية
داخلية، ويتصدر العراق قمة قضايا السياسة
الخارجية، ويعزز من هذا الوضع أن أمريكا تخيم
عليها بكثافة غيوم أزمة، لم تكن موجودة منذ
عشرين سنة مضت، عندما دخلت بعد انتهاء الحرب
الباردة، عصرا توقعت أن تنعم فيه بسلام ورخاء.
لهذا وجهت حملة ماكين هجماتها علي عدم خبرة
أوباما بالسياسة الخارجية، بينما ركز أوباما
على ما تضمنته تصريحات ماكين من مؤشرات، دلل
بها على أن رئاسة ماكين ستكون امتدادا لسياسة
بوش، التي جلبت على أمريكا الكوارث، وهبطت
بنسبة قبول الأمريكيين لها إلى أقل من 26٪.
أن التناقض في المواقف بدا زاعقا، وربما كان
أكثر ما تردد صداه، كلام أوباما عن إسرائيل،
فقبل أشهر وفي بداية الحملة الانتخابية، اقتحم
أوباما دائرة الجدل حول تفاصيل كان المرشحون
يحرصون على الابتعاد عنها، عندما أضاف أوباما
إلى إعلان تأييده لأمن إسرائيل، قوله إن
مساندة إسرائيل لا تعني بالضرورة تبني
السياسات المتشددة لليكود، ولا يجب أن يكون
ذلك هو معيار صداقتنا لإسرائيل.
وبعد فوزه بترشيح الحزب الديمقراطي على
منافسته هيلاري، بالغ في التودد لإسرائيل، في
خطاب أمام المؤتمر السنوي لمنظمة إيباك اللوبي
اليهودي مستخدما مفردات نفسها لغة حكومة
إسرائيل، بقوله إن القدس يجب أن تبقى العاصمة
غير المقسمة لإسرائيل.
بعدها بيومين عاد يدلي بتصريحات أخرى يتراجع
فيها عما قاله بشأن القدس.
وقال لا بد على الإسرائيليين والفلسطينيين أن
يتفاوضوا على مستقبل المدينة المقدسة، وبذلك
عاد إلى النقطة التي كانت أساس المفاوضات التي
رعاها بعد بدء عملية السلام عام ،1991 بوش
الأب، ومن بعده كلينتون، والتي تقرر أن القدس،
واللاجئين، والمياه، والحدود، يتحدد مصيرها في
مفاوضات الوضع النهائي.
وكان ماكين قد سبقه بأيام بإلقاء خطاب أمام
مؤتمر الإيباك حذر فيه من أن أوباما يهدد أمن
إسرائيل.
إن المزايدة على كسب تأييد اليهود، هو مشهد
متكرر في جميع الانتخابات الأمريكية، أملا في
حشد تأييدهم، والاستفادة من مصدرين للقوة
يملكهما اليهود الأمريكيون.
أولهما: الملايين التي يمولون بها المرشح الذي
يضمنون تسديده الفاتورة بعد فوزه، بتأييد
سياسات إسرائيل.
والثاني: الدور الذي يلعبه جيش من الشباب
اليهودي ومعظمه تنظم عمله الإيباك، وهؤلاء
ينتشرون في مختلف الولايات للدعاية للمرشح،
بإرسال فاكسات إلى الناخبين، وطرق أبواب
بيوتهم للدعاية للمرشح، وتعليق لافتات باسمه،
وتنظيم مواكب غنائية وموسيقية في شوارع المدن،
علاوة على النفوذ اليهودي في الصحافة، وشبكات
التلفزيون والمعاهد الأكاديمية، ومراكز
البحوث.
هذه أهم مصادر قوتهم، ورغم أن الصوت اليهودي
ضئيل حيث لا تتجاوز نسبتهم 2,5٪ من تعداد
الشعب الأمريكي، إلا أن الديمقراطيين اعتمدوا
في الماضي على أصواتهم في الولايات ذات
الأصوات المتأرجحة ما بين الجمهوريين
والديمقراطيين، مثل فلوريدا وبنسلفانيا.
لقد بدت أيضا التصريحات المتناقضة فيما يتعلق
بالعراق، فأوباما أعلن أنه سيسحب القوات
الأمريكية من العراق خلال ستة أشهر من توليه
الرئاسة، في حين رفض ماكين الانسحاب وأعتبره
كارثة، وأيد الحرب.
وقال إن أمريكا يمكن أن تكسبها عام ،2013 ونسب
إليه قوله إنه ينوي الاحتفاظ بالقوات
الأمريكية في العراق لمدة 100 سنة.
ومع ذلك خلت تصريحات الاثنين من أي ذكر
للمعاهدة الجديدة المطروحة للتوقيع بين
الحكومتين الأمريكية والعراقية، والتي تتحدث
بنودها عن احتفاظ الولايات المتحدة بقواعد
عسكرية دائمة في العراق، وتمتعها بحقوق كثيرة
قد تسلب من دولة العراق، ومنها عدم خضوع
الجندي الأمريكي، والعناصر التي يستعين بها
البنتاجون لأعمال معاونة، للقانون العراقي،
وهو ما يعني تحويل موضوع الانسحاب إلى إجراء
شكلي. والتضارب في الأقوال حدث بالنسبة
لإيران، فقد بدأ أوباما بإعلان استعداده
لمفاوضات مع إيران، قوبلت بأشد الانتقادات من
ماكين، ثم عاد يوضح أنه يريد جذبها إلى
المجتمع الدولي، بإجراء مفاوضات معها على نمط
مفاوضات التقارب مع الصين التي قام بها
كيسنجر.
ثم عاد أوباما يعلن أنه لايوجد ما يهدد
إسرائيل، أكثر من تهديد إيران لها.
بينما ماكين الذي يؤيد التشدد في معاقبة
إيران، فقد رفض التملص من تفضيله توجيه ضربة
عسكرية لإيران.
وإذا كانت أغلب الانتقادات الموجهة من ماكين
إلى أوباما، تركز على عدم خبرته بالسياسة
الخارجية، والقول أن هذا يهدد الأمن القومي
للولايات المتحدة باعتبار ان الرئيس هو القائد
الأعلى للقوات المسلحة، فإن ذلك مردود عليه،
بأنه بخلاف أكثر رؤساء أمريكا نيكسون، ثم بوش
الأب، ومن قبلهما إيزنهاور، وسعي كيندي الجاد
لاكتساب العلم بالعالم الخارجي فقد كان هناك
رؤساء استعاضوا عن نقص خبرتهم بالسياسة
الخارجية، باختيار خبراء من الوزن الثقيل
لمنصبي مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية
فترومان عمل معه أثناء رئاسته كوزيرين
للخارجية: هما جورج مارشال ودين اتسيشون،
والثاني: يعتبرونه عميد الدبلوماسية المعاصرة
في أمريكا، وجونسون عمل معه دين راسك وزيرا
للخارجية، ومكجورج نبدي مستشارا للأمن القومي،
وكارتر كان وزير خارجيته سايروس فانس،
ومستشاره بريجنسكي، وريجان كان وزير خارجيته
جورج شولتز، علاوة على استعانة ريجان بثلاثين
من خبراء السياسة الخارجية البارزين بمعهد
أمريكان انتر برايز، ومعظمهم كانوا وقتئذ شباب
»المحافظون الجدد«.
وإذا نظرنا إلي الفريق المعاون لأوباما فسنجد
أسماء مرموقة، مثل بريجنسكي، وأنتوني ليك،
وجوزيف ناي، وروبرت مولي.
وفي جو التنافس الحاد بين أوباما وماكين، فإن
ما يثير قلق بعض الخبراء الأمريكيين أن يحدث
ما سموه »مفاجآة أكتوبر«، بأن يقرر الجمهوريون
تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، قبل شهر من حسم
المعركة الانتخابية، في تصور منهم أن هذا
سيوجد موقفا وطنيا في أمريكا، يصب لمصلحة
ماكين، ويضع أوباما في موقف حرج، لو أنه عارض،
وأمريكا في حالة حرب لكن مفاجأة أكتوبر تظل
مجرد احتمال. لكنها جزء من المؤشرات على أن
المنافسة بين أوباما وماكين لن تكون سهلة ولن
تخلو من مفاجآت، ومع استمرارها في التصريحات
والتصريحات المضادة، فلا يمكن اعتبار ما قاله
هذا أو ذاك، وكأنه برنامج سياسته الخارجية،
حين يكون في الحكم.