الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

60 عاماً من الإخفاق على صعيد حقوق الإنسان
حيدر بن عبدالرضا اللواتي

«ترى منظمة العفو الدولية أن سجل حقوق الإنسان في عام 2007 لا يبعث على التفاؤل، وهي تطرح بدورها أسئلة على حكومات ومؤسسات المجتمع المدني في العالم إن كانت القيادات الجديدة سوف تنجح في إحداث أي تغيير على الخريطة العالمية بعد 60 عاما من الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، وأن تلتزم بالإعلان العالمي لتلك الحقوق».
بهذه العبارة المتشائمة تصدّر التقرير الأخير لحقوق الإنسان الصادر عن منظمة العفو الدولية لعام 2008 منذ أيام مضت، حيث تناول التقرير الكثير من الانتهاكات التي شهدتها دول العالم خلال عام 2007 والأعوام التي سبقته. ولم يستثن التقرير حتى الولايات المتحدة الأمريكية التي طالبها التقرير مرارا وتكرارا بأن تغلق معسكر الاعتقال في جوانتنامو، وكذلك مراكز الاعتقال السرية الاخرى في العالم، وضرورة أن تقاضي المعتقلين بموجب معايير المحاكمة العادلة أو تُطلق سراحهم، وضرورة عدم استخدامها التعذيب وسوء المعاملة مع السجناء، مع الأخذ بقوة على الدول الأوروبية الاخرى أيضا والتي تواطأت في «عمليات التسليم السري» للمتهمين بالإرهاب مطالبا الاتحاد الأوروبي بأن يضع معياراً واحداً لحقوق الإنسان بالنسبة لأعضائه والدول الأخرى.
أما الأمر المستجد في التقرير فتلك العبارة التي تم تكرارها في عدد من المرات والتي تقول: «ينبغي على الحكومات أن تقدم اعتذاراً لمواطنيها وتفعل شيئاً الآن بعد 60 عاما من الانتهاكات لحقوقهم عن السنوات الماضية»، مشيرا الى أن العام الحالي 2008 يصادف الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة في عام ،1948 وهو العام الذي شهد فيه أيضا اغتصاب فلسطين لتنشأ هناك دولة في العمق العربي الإسلامي ألا وهي إسرائيل التي ما زالت تستخدم مختلف الوسائل المتاحة وغير المتاحة لانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، وبدعم من القوى الكبرى المتمثلة في أمريكا والدول الغربية الاخرى التي تقدم بين الحين والآخر الوعود الكاذبة بتسوية القضية الفلسطينية، ولكن ليست وفق المواثيق والمعاهدات الدولية الواردة في القانون الدولي وإنما من خلال تسويات جديدة.
لقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 على أن الحقوق هي للجميع بغض النظر عن لونهم وجنسهم ودياناتهم وانتماءاتهم وفي كل مكان، ولكن بعد 60 عاماً من اعتماد هذا الإعلان تظل الحقيقة المحزنة قائمة بأن انتهاكات حقوق الإنسان لا تعرف الحدود. ويوثق التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية لعام 2008 استناداً الى أبحاث تضمنت شهادات من آلاف الأفراد وشملت الكثير من الزيارات أن هناك العديد من الانتهاكات شهدها العالم، شملت التعذيب وغيره من صنوف سوء المعاملة في أكثر من 81 بلداً، ومن محاكمات جائرة في 54 بلداً، وحملات قمعية ضد حرية الرأي والتعبير فيما لا يقل عن 77 بلداً آخر. كما يبيِّن التقرير كيف أن التخاذل عن توفير دور عالمي يكفل صحة البشر قد أدى الى يُتم ملايين الأطفال من جراء وفاة الآباء والأمهات بعد إصابتهم بفيروس نقص المناعة المكتسب/الإيدز في العديد من دول العالم، دون أن يكون هذا الحق وغيره من الحقوق الاخرى في مجال الصحة والتعليم وكسب العيش؛ وحق الحياة الكريمة، وحق عدم التعرض للعقوبة القاسية واللاإنسانية، وحفظ كرامة البشر متاحا لملايين البشر الاخرى خاصة في الدول الفقيرة.
لقد تحدث التقرير عن الظلم وانعدام المساواة والإفلات من العقاب والتي تشكل جميعها السمات المميزة لعالمنا اليوم، منوها الى أنه ينبغي على الحكومات أن تتحرك الآن لسد الفجوة المتسعة بين الوعد والأداء. وتقول أيرين خان المسؤولة في منظمة العفو الدولية في هذا الصدد: « إن عام 2007 اتسم بعجز الحكومات الغربية وبتذبذب مواقف القوى الناشئة أو ممانعتها في التصدي لبعض من أسوأ أزمات حقوق الإنسان في العالم التي تتراوح بين النـزاعات المستعصية وحالات انعدام المساواة بشكل متزايد مما يؤدي الى إهمال ملايين الناس»، محذرة من أن التهديد الأكبر لمستقبل حقوق الإنسان هو غياب رؤية مشتركة وقيادة جماعية. وتضيف: «ان عام 2008 يتيح فرصة غير مسبوقة أمام القادة الجدد الذين أتوا الى السلطة والدول التي برزت حديثاً على المسرح الدولي لتحديد اتجاه جديد، ورفض السياسات والممارسات قصيرة النظر التي انتُهكت في السنوات الأخيرة وجعلت العالم مكاناً أكثر خطورة وانقساماً»، مطالبة الحكومات بأن تضع انموذجاً جديداً للقيادة الجماعية يستند الى المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ويحذر التقرير من أن مشاكل حقوق الإنسان ليست مآسي معزولة، لكنها أشبه بالفيروسات التي يمكن أن تنقل العدوى وتنتشر انتشار النار في الهشيم فتعرض الجميع للخطر، الأمر الذي يجب على الحكومات اليوم القيام بها بأن تبدي الدرجة ذاتها من الرؤية والشجاعة والالتزام التي حدت بالأمم المتحدة الى اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل ستين عاماً من خلال تحقيق العدل والمساواة، وألا يكون اهتمام المسؤولين في الحكومات بتحقيق مصالحهم الشخصية، والانحراف بالسلطة التي يمتلكونها لتحقيق تلك الأغراض على حساب تراجع حقوق الإنسان.
وفي الوقت الذي يقدم التقرير نقدا واقعيا ضد الدول التي تنتهك فيها حقوق الإنسان، إلا أنه لا ينكر بعض التقدم الذي أحرزته الدول في وضع معايير حقوق الإنسان، وإنشاء نظمها ومؤسساتها على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية، مشيرا الى تحسن الأوضاع في مناطق شتى من العالم استناداً الى المواثيق والمبادئ التي ينادي بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نتيجة لتوفر الحماية القانونية والدستورية لحقوق الإنسان في عدد من الدول مقارنة عما كان عليه الوضع في أي وقت مضى.
ويبدو أن الضعوط التي تمارسها المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني أدت الى القضاء على الكثير من الانتهاكات التي تمارسها بعض دول في العالم، باعتبار أن هذه المؤسسات من مسؤولياتها النظر في حقوق أعضائها والمواطنين عامة، كما هي تمثل في الوقت نفسه إحدى القنوات المهمة للدفاع عن حكوماتها أيضا إذا كانت هناك معلومات مشكوك في صحتها وردت الى منظمات دولية كمنظمة العفو الدولية، أو منظمة الشفافية الدولية، أو غيرها من المنظمات المماثلة. ووفق التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية فلم يعد هناك اليوم سوى حفنة ضئيلة من الدول التي تنكر علناً حق المجتمع الدولي في فحص سجل حقوق الإنسان الخاص بها، خاصا وأن عام 2007 تميز بقيام «مجلس حقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة بعمله على مدار عام كامل لأول مرة، إذ وافقت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أن تتخذ من هذا المجلس ساحةً للمناقشة العلنية بخصوص مدى مراعاة حقوق الإنسان في تلك الدول. ولكن على الرغم من هذا الجانب الإيجابي، إلا أن التقرير في الواقع يؤكد حدوث حالات الظلم والتفاوت والإفلات من العقاب التي ما زالت تشكل سمات مميزة لعالمنا اليوم.
ويبدو أن آمال الشعوب في عدد من الدول في العالم في تحسن نتيجة لانتهاء الحرب الباردة التي كلفت الكثير للدول والشعوب، إلا أن قيام بعض الإرهابيين في العالم بعمليات القتل والفتك أدت الى هتك أعراض الكثيرات في بعض المناطق دون وجه حق، وهذه الأمور تشكل انتهاكا خطيرا لبعض الفئات في العالم وتعزز من الصراعات العِرقية وتفتتت بعض الدول. لقد أدت الهجمات الإرهابية الى تحويل النقاش عن حقوق الإنسان من جديد الى جدل يثير الفُرقة والانقسام والهدم، بين «الغربيين» و«غير الغربيين»، ويحد من الحريات، ويُذكي مشاعر الارتياب والخوف والتمييز والتعصب، فيما بين الحكومات وبين الشعوب على حد سواء وفق رأي منظمة العفو الدولية. كما جرت قوى العولمة الاقتصادية معها الكثير من الوعود الكاذبة لبعض الشعوب وخاصة في الدول النامية والفقيرة، بالإضافة الى أنها أتت أيضا بتحديات جديدة، بالرغم من الادعاءات التي أطلقها زعماء العالم بأنهم ملتزمون باستئصال شأفة الفقر، إلا أنهم تجاهلوا في الغالب الأعم انتهاكات حقوق الإنسان التي تنتج الفقر وتزيده عمقاً. وهكذا ظل «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» مجرد وعود على الورق، في غياب رؤية مشتركة بين زعماء العالم بشأن التصدي للتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان المعاصرة ووسط عالم يزداد تعرضه للأخطار وافتقاره الى السلامة والمساواة.
ومن هنا ترى منظمة العفو الدولية أن سجل حقوق الإنسان في عام 2007 لا يبعث على التفاؤل، وهي تطرح بدورها أسئلة على حكومات ومؤسسات المجتمع المدني في العالم إن كانت القيادات الجديدة سوف تنجح في إحداث أي تغيير على الخريطة العالمية بعد 60 عاما من الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، وأن تلتزم بالإعلان العالمي لتلك الحقوق.

  رجوع