«ينبغي ان تقوم
المنظمات الدولية المعنية باعداد تقارير شاملة
عن ظاهرة الاتجار بالبشر من خلال لجان لتقصي
الحقائق لهذا الغرض وأن تنهض تلك التقارير على
أسس ومعايير موضوعية بعيدًا عن التسييس
والمغالطات التي غالبًا ما تميز تقارير الدول
الكبرى التي لا تخلو ذاتها من تلك المشكلة حيث
تشير المصادر الى أن ما بين 14500 و17500 شخص
تتم المتاجرة بهم سنويًا في الولايات المتحدة
ويتم نقلهم داخل امريكا سنويًاعلى سبيل المثال»
عديدة هي القضايا التي أفرزتها ظاهرة العولمة
وما ارتبط بها من ثورة اتصالات حديثة مذهلة
جعلت العالم يبدو وكأنه قرية صغيرة، ولعل من
أهم تلك القضايا قضية حقوق الإنسان التي أضحت
إحدى آليات التدخل الدولي من جانب الدول
المتقدمة في شؤون دول العالم الثالث بل انها
أصبحت شرطًا لازمًا للحصول على معونات
اقتصادية أو غيرها.
وضمن هذا السياق تجيء قضية الاتجار بالبشر
التي استحوذت على الاهتمام الدولي خلال
السنوات الأخيرة ويؤكد ذلك ما يلي:
أولاً: تأكيد تقارير منظمة العمل الدولية أن
أرباح الاتجار بالبشر قدرت بحوالي 32 مليار
دولار سنويًا، وتشير تلك التقارير الى أن 98٪
من ضحايا الاتجار بالبشر هم من النساء وأن 111
مليون طفل يعملون في مهن خطرة، وتعكس تلك
الأرقام مؤشرين في غاية الخطورة أولهما: أن
القضية تعدت نطاق حقوق الإنسان وأضحى لها بعد
اقتصادي إذ تعد تجارة رائجة للعديد من
الجماعات، وثانيهما: ان المرأة والطفل فئتان
بارزتان لهذا الانتهاك وهو ما يعني أن هناك
عوامل اقتصادية واجتماعية من شأنها دفع هاتين
الفئتين للبحث عن سبل للزرق خارج دولهما
الفقيرة.
ثانيًا: يلاحظ أن بروتوكول الأمم المتحدة في
تعريفه لتلك الجريمة قد شمل أطرافًا عديدة تعد
مسؤولة عنها حيث عرفها بأنها «تجنيد ونقل
وإيواء واستقبال أشخاص عنوة أو باستخدام أشكال
اخرى من الإكراه والاختطاف والخداع أو سوء
استخدام السلطة أو استغلال مواطن ضعف أو تلقي
أو دفع مبالغ مالية أو تقديم مزايا لتحقيق
موافقة شخص أو السيطرة عليه لغرض الاستغلال»
وبموجب هذا التعريف هناك أفراد عديدون مسؤولون
عن تلك الجريمة سواء بالتورط فيها بشكل مباشر
أو تسهيل ممارستها مقابل مبالغ مالية بما يمكن
معه القول انها أضحت أحد أشكال الجريمة
المنظمة حاليًا شأنها كشأن المخدرات وغسيل
الأموال.
ثالثًا: مما يفاقم من خطورة هذه الظاهرة
ارتباطها بشكل وثيق بالاضطرابات والحروب
الأهلية الأمر الذي يدفع بعض الفئات للبحث عن
أماكن أكثر أمنًا ومن ثم يكونون فريسة سهلة
للعصابات الإجرامية.
ومع التسليم بخطورة هذه الظاهرة وتداعياتها
على قضايا حقوق الإنسان عمومًا، فإنها أضحت
أداة من جانب الدول الكبرى للتدخل في الشؤون
الداخلية للدول بعيدًا عن الأهداف الإنسانية
التي غالبًا ما تنادي بها الدول الكبرى وفي
هذا الإطار يمكن الإشارة الى الملاحظات
التالية:
أولاً: بالرغم من أن الإدارة الأمريكية أصدرت
منذ عام 2000 وحتى العام الحالي 2008 ثمانية
تقارير حول تلك القضية ورفعت أسماء بعض الدول
الخليجية من تلك التقارير ثم أعادتها مجددًا
فإنها لم تشر الى المعايير أو الأسباب التي
بمقتضاها تم تصنيف الدول في هذه الفئة أو تلك
سوى ما يردده التقرير المذكور في عبارة عامة
فضافضة مؤداها »أن هذه الدول لم تبذل جهودًا
لمكافحة الاتجار بالبشر« ولعل هذا واضح في
التعامل مع الدول الخليجية حيث أبقى التقرير
السنوي الصادر هذا العام عن وزارة الخارجية
الأمريكية على أربع دول خليجية ضمن الدول التي
تتاجر بالبشر.
ثانيًا: تسييس تلك القضية من جانب الدول
الكبرى ومن ثم تأثيرها على العلاقات بين الدول
حيث تضمن التقرير إمكانية أن تتعرض الدول
المدرجة على اللائحة لعقوبات وخاصة إلغاء
المساعدات الأمريكية بموجب قانون أمريكي صدر
في عام 2000 وتم اعتماده من جانب الرئيس
الأمريكي جورج بوش، وواقع الأمر أنه يعني أن
تلك القضية تختلط فيها الأوراق بشكل متعمد من
جانب الدول الكبرى ما بين جوانبها الإنسانية
والسياسية كونها آلية للضغط.
ثالثًا: على الرغم من تأكيد التقارير الغربية
على المعاناة التي يواجهها هؤلاء الأفراد
فإنها أغفلت أن البعد الخاص بالعمال هو أمر
يرتبط بصميم السياسات الداخلية لكل دولة التي
تنظمها قوانين واضحة في هذا الشأن وبها عقود
واضحة تلزم الطرفين بالتزامات محددة ومن ثم لا
يجوز اعتبارها قضية دولية ضمن قضايا حقوق
الإنسان. وبالتالي لا بد من التفرقة بين قضية
الاتجار بالبشر وهي لا خلاف على أنها تتعارض
وكافة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وقضية
استقدام العمال ذاتها التي تنظمها قوانين
الدول المحلية في هذا الشأن.
وبعيدًا عن الاستطراد في تكييف هذه الظاهرة
تجدر الإشارة الى أنها لا تقتصر على بلد دون
الآخر وإنما هي تجارة لها مروجوها في كافة
بلدان العالم، وثمة متطلبات للتصدي لها منها
على السبيل المثال لا الحصر:
أولاً: يتعين وضع تلك القضية في نطاقها الصحيح
إذ أنها ترتبط بعصابات منظمة تستهدف تحقيق
الربح السريع وبالتالي هناك حاجة لدراسة
العوامل التي أدت الى ظهور هذه المشكلة
وتفاقمها في العديد من دول العالم لارتباطها
بقضية حقوق الإنسان.
ثانيًا: أهمية إعداد المنظمات الدولية المعنية
تقارير شاملة عن الظاهرة من خلال لجان لتقصي
الحقائق لهذا الغرض وأن تنهض تلك التقارير على
أسس ومعايير موضوعية بعيدًا عن التسييس
والمغالطات التي غالبًا ما تميز تقارير الدول
الكبرى التي لا تخلو ذاتها من تلك المشكلة حيث
تشير المصادر الى أن ما بين 14500 و17500 شخص
تتم المتاجرة بهم سنويًا في الولايات المتحدة
ويتم نقلهم داخل امريكا سنويًا، ويصدر تقرير
منفصل عن تلك القضية داخل الولايات المتحدة كل
عام.
ثالثًا: ضرورة بل حتمية تنسيق الجهود الخليجية
للرد على الاتهامات الأمريكية في هذا الشأن
انطلاقًا من خصوصية دول الخليج التي تحتوي على
أعداد هائلة من القوى العاملة الوافدة وأضحت
سمة لأزمة لها، ومن ذلك استعراض الدول
الخليجية الست مؤخرًا تجاربها بشأن قوانين
العمل أمام منظمة العمل الدولية حيث أكد
المشاركون على أنها تتطابق والمعايير الدولية
بما يدحض تقارير الخارجية الأمريكية حيث يلاحظ
أن تلك الدول أصدرت قوانين عديدة لتنظيم
استقدام القوى العاملة من ناحية ولتجريم ظاهرة
الاتجار بالبشر من ناحية ثانية.
وأخيرًا وليس آخرا ينبغي التأكيد على أن قضية
حقوق الإنسان عمومًا أصبحت ستارًا لسياسات
الدول الكبرى التي تستهدف التدخل في شؤون
الدول الصغرى والتي لا تخلو من التسييس
والمغالطات.