«جاء الموقف
الخليجي الرافض للمغالطات التي جاءت في
التقرير الأمريكي بمثابة رسالة ذات مغزى تؤكد
أنه لا ينبغي أن يكون الكيل بمكيالين هو
المعيار السائد في العلاقات العربية الخليجية
- الأمريكية لأن قيم العالم العربي وتقاليده
الأصيلة ترفض استغلال الضعفاء أو الجور عليهم
أو إرهابهم لأن الأجدى أن توجه الولايات
المتحدة سهام انتقاداتها لإسرائيل التي تضرب
بكل القوانين والأعراف الدولية عرض الحائط».
من الأهمية بمكان أن نضع تقرير الخارجية
الأمريكية حول ما تسميه الاتجار بالبشر في
مكانه الصحيح باعتباره احدى أدوات الضغط
الأمريكية كغيرها من الأدوات السياسية
والاقتصادية والعسكرية التي تحاول الولايات
المتحدة من خلالها تسييس الملفات المحلية
والإقليمية والدولية لتتوافق مع توجهاتها
ومصالحها في مختلف أنحاء العالم . وهي في هذا
الإطار تعبّر وبوضوح عن تحولات خطيرة في مجال
السياسة والعلاقات الدولية اختصرتها واشنطن في
مبدأ من ليس معي فهو ضدي وانعكس ذلك على
تصنيفها الشهير للدول الصديقة والشريرة.
وإذا كانت الأخيرة تستحق من وجهة نظر الولايات
المتحدة أن تكون أيضا دولا مارقة لمجرد أن
مصالحها باتت معرضة للخطر سواء في الشرق
الأوسط أو في جنوب شرق آسيا أو حتى في أمريكا
اللاتينية التي ينظر إليها على أنها الحديقة
الخلفية لها .. فلماذا الأصدقاء؟
ما الذي دفع بالولايات المتحدة للتحول باتجاه
دول الخليج العربية ووضع أربع منها على قائمة
تقريرها الخاص بالاتجار في البشر، ما هي
الأهداف بعيدة المدى التي يستهدفها التقرير
عندما يركز على الايدي العاملة الوافدة التي
يقدر عددهم بحوالي 13 مليون أجنبي في دول مجلس
التعاون الخليجي الست يشكلون نحو 37٪ من تعداد
السكان البالغ عددهم 35 مليونا وتحظى الايدي
العاملة الآسيوية بنسبة كبيرة من هذه الايدي
العاملة الوافدة بحسب أرقام الأمانة العامة
للمجلس .. وإلى أي مدى يمكن الربط بين هذه
الأهداف وإمكانية التلويح بورقة ملايين العمال
الأجانب كتهديد ديمغرافي وحتى سياسي.
لقد أتاحت دول الخليج العربية ومنها السلطنة
الفرصة وفتحت أبوابها أمام هذه الملايين لكسب
لقمة العيش الحلال دون تفرقة أو تمييز عرقي في
إطار احترام القيم والتقاليد والثقافة العربية
في تعاقد ملزم حقوق مقابل واجبات .. أين إذاً
ما يراه التقرير من مخالفات يجعل دولة كسلطنة
عمان ضمن دول هذا التقرير الذي يسيء كثيرا إلى
وضعها ومكانتها المرموقة في المؤسسات الدولية
والإقليمية وإلى دورها في دعم قضايا حقوق
الإنسان حيث تتسم قوانينها بأقصى احترام لحقوق
العمال وترى انه في مجال حقوق الإنسان لا يجب
عدم التركيز فقط على الحقوق السياسية والمدنية
دون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية
وأن عالمية حقوق الإنسان لا يجب أن تنتقص مما
بين الحضارات والثقافات من تنوع مشروع يجب
اعطاؤه ما يستحقه من احترام بما فيها حقوق
الايدي العاملة الوافدة .. فهناك مساواة في
التعاملات الإدارية والقانونية بالنسبة لكل
المقيمين على أرض السلطنة على اختلاف جنسياتهم
وأعراقهم ومعتقداتهم الذين يحظون برعاية
القانون في كل ما يمس حياتهم متساوين في ذلك
مع المواطن في كل الحقوق والواجبات ومتساويين
في كل ما يتعلق بحقوق الإنسان..
إن نظرة على قانون العمل العماني نجده أنه
يضمن ويرتب حقوقا للقوى العاملة الوافدة في
القطاع الخاص وبضمانات يوجبها القانون له في
كل درجات التقاضي والذي يكفل له أيضا عدم
ترحيله أو مغادرته السلطنة مجبرا وبدون الحصول
على حقوقه المادية والمعنوية كاملة، كما أن
القانون يعطي له الحق في الانتقال والعمل
بحرية داخل مختلف مؤسسات القطاع الخاص متى
كانت إقامة العامل قانونية، ثم أن هناك مساواة
بين العمال العمانيين والأجانب داخل المنشأة
الواحدة من حيث ظروف العمل وطبيعته، والواقع
أن هذه مجرد إطلالة غير متخصصة في مجال قانون
العمل الذي يمكن للقانونيين والخبراء تفصيل
الجوانب المتعلقة بالضمانات القانونية للقوى
العاملة الوافدة والتي تتفق مع المعايير
الدولية.
لذلك كان من الطبيعي أن تؤكد السلطنة رفضها
واحتجاجها على ما جاء في تقرير وزارة الخارجية
الأمريكية الأخير حول الاتجار بالبشر والذي
أورد اسم السلطنة للسنة الثانية ضمن الدول
التي قال أنها لم تبذل جهودا لمكافحة هذه
القضية الدولية.
والواقع أن هذا الرفض يستند إلى مؤشرات واقعية
يعكسها حال القوى العاملة الوافدة المقيمة في
السلطنة تتعارض وفق ما جاء في مذكرة الاحتجاج
العمانية مع معلومات مضللة ذكرها تقرير
الخارجية الأمريكية وادعاءات غير صحيحة
ومنافية لواقع الحياة الكريمة التي ينعم بها
الإنسان في السلطنة ..
كما أنها معلومات تتناقض مع شهادات ومواقف
المنظمات الإقليمية والدولية ومنها تقارير
أمريكية تتحدث بما تتمتع به السلطنة كدولة
مؤسسات وقانون.
إن تقريرا دوليا نشرته صحيفة الإيكونوميست
البريطانية نقلا عن شهادة مؤشر السلام العالمي
يتحدث صراحة عن وضع السلطنة باعتبارها الدولة
الأولى الأكثر أمنا في الشرق الأوسط وشمال
إفريقيا وتحتل المرتبة الثانية والعشرين على
مستوى العالم ليؤكد سلامة موقف السلطنة
وجهودها في مجال حقوق الإنسان الذي تواصله من
خلال العمل على إصدار تشريع يختص بجريمة
الاتجار بالبشر التي تعد مشكلة عالمية تشارك
السلطنة في إجراءات مكافحتها والتصدي لها ..
مرة أخرى تسييس العلاقات الدولية وتحويل
الخلافات في الرأي أو عدم تطابق وجهات النظر
إلى مواقف تحتاج إلى التلويح بأدوات ضغط لذلك
جاء الموقف الخليجي الرافض للمغالطات التي
جاءت في التقرير الأمريكي بمثابة رسالة ذات
مغزى تؤكد أنه لا ينبغي أن يكون الكيل
بمكيالين هو المعيار السائد في العلاقات
العربية - الخليجية الأمريكية لأن قيم العالم
العربي وتقاليده الأصيلة ترفض استغلال الضعفاء
أو الجور عليهم أو إرهابهم لأن الأجدى أن توجه
الولايات المتحدة سهام انتقاداتها لإسرائيل
التي تضرب بكل القوانين والأعراف الدولية عرض
الحائط في منع العمال الفلسطينيين من العمل في
وطنهم وتجريف أراضي الفلسطينيين والاستيلاء
عليها وهدم المنازل والمصادرة والاعتقال
والحجز الإداري ومنع التحويلات المالية
الفلسطينية إلى الحكومة الفلسطينية وسياسة
الإغلاق والقهر وكل الإجراءات التعسفية ومع
ذلك لم نسمع إدانة واحدة صدرت في تقرير ضد
إسرائيل بل على العكس تعتبرها الديمقراطية
المزدهرة في المنطقة، وفي المقابل نعيد
التأكيد على نموذج العلاقات العمانية مع مختلف
دول العالم القائم على الصداقة والتعاون
واحترام الغير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية
وهي قيم نبيلة راقية تضع في اعتبارها احترام
السلطنة لحقوق الإنسان وصونها لكرامته من خلال
سن القوانين والتشريعات العمالية التي تكفل
لأطراف العمل البيئة الملائمة كما تكفل لهم
حقوقهم بعيدا عن الاستغلال كما جاء بقانون
العمل العماني والأنظمة المنظمة لتلك الحقوق
ومنها قانون تعويض إصابات العمل والأمراض
المهنية وقوانين النقابات العمالية وقانون
الجزاء العماني الذي يمنع استعباد البشر
واسترقاقهم بحسب ما جاء في المواد الخاصة
بالجرائم المرتكبة ضد الحريات الشخصية وكلها
قوانين تتماشى مع القوانين العمالية
والإنسانية الدولية في الوقت الذي يعطي فيه
النظام الأساسي للدولة لكل أجنبي موجود على
ارض السلطنة بصفة قانونية الحماية الشخصية على
نفسه وأملاكه.