إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

​سبل مجتمع آمن
​السلام العام​​
​ إسماعيل الفخراني

​حث الإسلام على نشر السلام مع كل من وما يعيش - أو يوجد - في الكون سواء كان مسلما أو غير مسلم، حتى الجمادات وكل ما في البيئة.. يقول د. علي جمعة مفتى الديار المصرية
لقد فهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر الإلهي وطبقه أحسن تطبيق؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: السام عليكم قال «وعليكم»، فقالت عائشة: السام عليكم، ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مهلا يا عائشة عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش»، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: «أو لم تسمعي ما قلت» رددت عليهم؛ فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في».
ويجعل من صفات عباد الرحمن أنهم يقابلون بهذا الاسم من يجهل عليهم، فيقول تعالى: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (سورة الفرقان: الآية 63) ويقول جل شأنه: (واذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) (سورة القصص: الآية 55).
وينهانا القرآن الكريم عن حرمان الأمان لمن ألقى إلينا السلام، فيقول عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة).
والمؤمن لا يتعامل بمنهج السلام مع الإنسان فقط بل يتعداه إلى التعامل به مع الأكوان؛ لأنه يعلم أنها تسبح الله تعالى وتسجد له سبحانه، مصداقا لقوله عز وجل: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حلميا غفورا) (سورة الإسراء: الآية 44)، وقوله سبحانه (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (سورة النحل: 49 الآية).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا أن الكائنات تحبنا لأننا نسبح الله تعالى كما تسبحه هي؛ فيقول - مثلا - عليه الصلاة والسلام: «أحد جبل يحبنا ونحبه» متفق عليه، ويخبر أن أبواب السماء التي يصعد منها عمل المؤمن تبكي عليه إذا مات، رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، والإيمان بهذه الغيبيات كلها يدفع الإنسان إلى التعامل مع الكائنات كلها برفق ورحمة ومودة.
هذا بالإضافة إلى أوامره الشريفة صلى الله عليه وآله وسلم بالرفق بالحيوانات ورحمتها ونهيه عن إرهاقها أو تحميلها فوق طاقتها أو تعذيبها أو المثلة بها، وفهم المسلمون هذا المعاني العميقة وأحسنوا تطبيق هذه الآداب النبوية الرفيعة؛ حتى وصلوا إلى مستوى من التعامل مع الحيوانات لم تعرف له حضارات الدنيا مثيلا في توازنه وانضباطه؛ حيث وازنوا بين الرفق والرحمة بها من جهة وبين عدم تفضيلها على الإنسان الذي جعله الله سيداً في هذا الكون وسخرها من أجله من جهة أخرى، فعملوا أوقافا لرعاية الحيوانات والرحمة بها، وتعاملوا مع المؤذي منها بسلام؛ حيث خصصوا لها محميات تجمع فيها؛ بطريقة ترحمها وتدفع ضررها في نفس الوقت، وحفاظا في الوقت ذاته على التوازن البيئي الذي قد يصاب بنوع من الاختلال عند الإسراف في قتلها، وهذا السلام البيئي مظهر من مظاهر السلام التي عاش بها المسلمون مع الأكوان.
فمن الأوقاف التي أقاموا المسلمون في هذا الصدد: وقف على مساقي الكلاب، ووقف الكلاب الضآلة: وهو وقف في عدة جهات؛ ينفق من ريعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب؛ استنفاداً لها من عذاب الجوع حتى تستريح بالموت أو الاقتناء، ووقف لإطعام الخيل العاجزة عن العمل، وكان المرج الأخضر في دمشق وقفاً على الحيوانات المسنة؛ تأكل حتى تموت دون أن يضطر أصحابها لقتلها تخلصا من نفقاتها، وكان هناك وقف على تمريض القطط والكلاب والحيوانات المريضة ورعايتها حال هرمها، ووقف على صوامع الغلال لملئها بالحب الذي يأكل منه طير السماء - كما كان الحال في تكية محمد بك أبو الدهب بجوار الأزهر الشريف المعمور بالعلم وذكر الله تعالى.
هذا هو السلام العام في المجتمع كله في ضوء القرآن والسنة.​​