خصلة طيبة غفل عنها الكثيرون وتناسوها بل نسوها وهي لو
انتبهوا الى ما لها من اثار عظيمة في رقيهم وتقدمهم وقوتهم
لتحققت كل آمالهم وتطلعاتهم ومنبت هذه الخصلة هو الايمان
الصادق في النفوس الذي عندما يتمكن في ملكات القلب تشتعل
انواره في خلايا الجسم فتنعكس بردا وسلاما للمحيطين به
وخيرا عميما فتنشأ من خلاله بيئة خصبة قابلة للانبات فينمو
الخير في جنباتها ومن ثم تعم السعادة جميع افرادها بل
تتعداهم وتنثر رياحينها في ارجاء الارض ليتنشق من عبيرها
كل ذي عقل مميز يحب الخير والسعادة لنفسه ومجتمعه وامته.
ان من هذه النباتات الطيبة التي لو انتبه اليها الناس
وسعوا الى تحقيقها لعاشوا في سعادة وامن وامان واطمئنان
ولم يقتصر ذلك لفئة من الفئات او لمجتمع من المجتمعات بل
للبشرية جمعا ولو ادركوا حقائقها لتدافعوا اليها ولضحى كل
واحد من اجلها ولكن الغفلة التي تخيم على القلوب والنزعات
الشيطانية هي التي تحيل دون تحقيق هذه الغايات النبيلة وما
علينا الا ان نقف مع انفسنا لنختار الطريق السليم المبلغ
الى الغايات المنشودة التي تمكننا ان نعيش حياة مطمئنة
وتلقى انفسنا ربها آمنة مطمئنة تنادى بقول الحق سبحانه
وتعالى(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي
فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي). فما هي هذه الخصلة
انها (الرفق) يقول: النبي صلى الله عليه وسلم فيها (اذا حب
الله اهل بيت أدخل عليهم الرفق) وقال (يا عائشة ارفقي فإن
الله إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم على باب الرفق) وقيل:
من يحرم الرفق يحرم الخير كله وقال:ايما وال والّي فرفق
ولان رفق به يوم القيامة وقال (ياعائشة ان من اعطي حظه من
الرفق اعطي حظه من خير الدنيا والآخرة وقال صلى الله عليه
وسلم ان الله يحب الرفق وما جعل الله الرفق في شيء إلا
زانه وما نزعه من شيء الا شانه وإذا اراد الله بقوم خيرا
ادخل عليهم الرفق) وقال صلى الله عليه وسلم (الرفق فيه
بركة وزيادة من يحرم الرفق يحرم الخير).
وقد اجاد الحكماء في وصف الرفق قال احدهم (الرفق روح
الايمان فكل عمل لا روح فيه فهو معطل) وقال آخر(ان الله
بعث الرسل بثلاثة اشياء القلب واللسان والبدن فأراد من
اللسان ذكر الله وبر الخلق واراد من القلب تعظيم امر الله
والشفقة على خلق الله واراد من البدن إقامة امر الحق
وإحتمال اذى الخلق وذلك كمال الرفق).
وقال أحد العلماء (الرفق مفتاح الرزق ومطمع الصدق) وقال
اهل الأدب (الرفق في الأمور كالمسك في العطور).
وقال وهب بن منبه الرفق ثني الحلم وفي الخير موقوفا
ومرفوعا العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله
والعمل قيّمه والرفق والده واللين اخوه والصبر امير جنوده.
هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخصلة الزكية التي ينبغي
ان يحرص عليها كل فرد منا في هذا الوجود والتي من خلالها
سنصل الى ارقى ما نتوقع الوصول اليه والى اعز مكانة في
الوجود وبها نصل الى ما وصل اليه السابقون الذين وصفهم
الله تعالى في قوله (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ
وَالأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا
أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ونحقق قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (مثل
المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).