إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

أخطاء شائعة
مناداة الأب بالشايب والأم بالعجوز
د.شريفة بنت سالم آل سعيد


للوالدين في الإسلام مقام عظيم، يعجز الإنسان عن وصفه، وحقّهما من أعظم الحقوق على الإطلاق - بعد حق الله ورسوله - لذا فقد شرع الإسلام منهاج معاملتهما، فجعل لهما حق البر واللطف والرعاية والرحمة، وخفض الجناح، ومراعاة الشعور، وأكد هذا الحق بأن قرنه بحق الله، له ماله من الإجلال والوفاء، فقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ، وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ، لهذا فإن من أرضى والديه فقد أرضى الله تعالى، ومن أسخطهما فقد أسخطه، ومن برّهما وأحسن إليهما فقد شكر.
وخص الله تعالى حال الشيخوخة بمزيد من الحُنوِّ والترفق والإكرام والتوقير، فهي المرحلة التي يجني فيها الوالدان ثمار الكدح، ويتوجان بتاج الكفاح ويجزيان جزاء الجهاد والدأب، قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن لي أما بلغ منها الكبر إنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا. لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وتتمنى فراقها).
وبرالوالدين واحترامهما ومعرفة قدرهما أمر واجب على الأبناء، وذلك امتثالا لأمر الله عز وجل في كتابه الكريم، ومن دلالات بر الوالدين مخاطبتهما أو نداؤهما بلطف وأدب، وللأسف فإن من الأبناء في مجتمعنا من ينادي والده بقوله: (الشايب)، وينادي أمه بقوله: (العجوز)، وهذا النداء لا يجوز، إذ أنه لا ينم عن أي احترام وتقدير للوالدين، كما أن فيه إيذاء لهما، فلا ينبغي أن يخاطبهما به بل ينبغي أن ينادي أبيه بقول: (والدي أو أبي)، وينادي أمه بقول: (والدتي أو أمي)، أو ما يقابل ذلك في لهجتنا الدارجة، قال تعالى: (ولا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما)، وروى البخاري في الأدب المفرد عن أبي حازم أبا مُرة أخبره أنه ركب مع أبي هريرة رضي الله عنه إلى أرض بالعقيق، فإذا دخل أرضه صاح بأعلى صوته، عليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أماه، فتقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرا، فتقول: يابني وأنت فجزاك الله خيرا ورضي عنك كما بررتني كبيرا).
ومن البر أيضا أن لا ينادي الابن والديه بأسمائهما، ولكن في زماننا،حيث سارت المبادئ الإيمانية ومكارم الأخلاق نحو الضعف، فإن وضع الوالدين أصبح مؤسفا، حيث لا قيمة للفضائل الأخلاقية عند كثير من الأبناء ليكرموا الوالدين في سبيل الله، فنجد من الأبناء في زماننا من ينادي أمه أو أبيه بأسمائهما، يروى أن أبا هريرة رضي الله عنه أبصر رجلين فقال لأحدهما: ماهذا منك؟ فقال أبي، فقال أبوهريرة: (لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله).
وأكبر دليل على البر أن يحافظ المسلم على اسم والديه من السب والشتم بشتى صوره وأشكاله، كأن يسيئ الولد إلى أحد والديه، أو يُساء إليه فيسبه بوالديه، فيسب والديه، فيكون الولد هو سبب هذا الشتم وهكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من لعن والديه).وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قالوا: يارسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه).رواه مسلم
إن فتيات وشبان اليوم هم أمهات وآباء المجتمع في الغد، ولو أن شباب اليوم راعوا واجب التكريم والاحترام لوالديهم وتصرفوا معهم بكمال التواضع والأدب، فإنهم غدا سيكونون موضع تكريم من قبل أبنائهم وينعمون بالسعادة والهناء، وبهذا يجلبون رضاهما الذي هو من رضى الله تبارك وتعالى.
نسأل الله أن يجعلنا من البارين لوالدينا أحياء كانوا أو أمواتا، ويجعلنا من المؤدين واجباتهم نحو أولادهم كما يحب الله تعالى ويرضى.