الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

نوافذ
بين الحقائق والأساطير
يكتبها : عبدالله العليان

في نهاية القرن الماضي، أصدر المفكر الأمريكي ـ الياباني فرانسيس فوكوياما رئيس دائرة التخطيط السياسي الأسبق بوزارة الخارجية الأمريكية ، كتابه المثير للجـدل (نهاية التاريخ) قال فيه ما خلاصته : إن النظام الديمقراطي الليبرالي هو أقصى ما يمكن أن يبلغه المجتمع السياسي في المستقبل ، في سائر أنحاء العالم مبرراً رأيه باعتبارات فلسفية استعار بعضها من أفكار الفيلسوف الألماني (هيجل) عن حركة التاريخ وفحوى هذه النظرية أن النظام الليبرالي خلافاً لسواه يتمتع بالقدرة على الصمود حيال تهديم العقائد والأيديولوجيات التي لا تمتلك القدرة والفاعلية على البقاء فالديمقراطيات الليبرالية انتصرت ولن ننتظر الجديد بعد الآن.. لقد انهارت الماركسية وتفكك الاتحاد السوفييتي ودخلت دول المعسكر الشيوعي في النظام الحر واقتصاديات السوق.. لذلك في رأي فوكوياما أن التاريخ قد (اغلق) فلا جديد بعد الآن. ومما قاله إن الرأسمالية قوة ديناميكية تهاجم باستمرار العلاقات الاجتماعية التقليدية، وتستبدل المزايا المتوارثة بمواصفات جديدة، تقوم على المهارة والتعليم وبدون تعليم عام وبدون درجة عالية من التغير الاجتماعي، والوظائف المفتوحة أمام القدرات، لا يستطيع أن يعمل المجتمع الرأسمالي بشكل مؤثر مثلما يعمل . بالإضافة إلى ذلك، فإن كل الديمقراطيات الحديثة تنظم العمل وتعيد توزيع الدخل، وقد قبلت أن تتحمل ـــ إلى درجة معينة ــــ المسؤولية عن الرفاهية الاجتماعية.
وشبه الجنس البشري كما لو كان قطاراً طويلاً من العربات الخشبية التي تجرها الجياد متجهاً إلى المدينة بعينها عبر طريق طويل في قلب الصحراء، بعض هذه العربات قد حددت وجهتها بدقة ووصلت إليها بأسرع وقت ممكن، والبعض الآخر تعرض لهجوم من الآباش «الهنود الحمر» فضل الطريق، والبعض الثالث أنهكته الرحلة الطويلة فقرر اختيار مكان وسط الصحراء للإقامة فيه وتنازل عن فكرة الوصول إلى المدينة بينما من ضلوا الطريق راحوا يبحثون عن طرق بديلة للوصول إلى المدينة وفي النهاية يجد الجميع أنفسهم مجبرون على استعمال الطريق نفسه ـــ ولو عبر طرق فرعية مختلفة ــــ للوصول إلى غايتهم وفعلاً تصل أغلب هذه العربات إلى المدينة في النهاية وهذه العربات عندما تصل لا تختلف عن بعضها البعض إلا في شيء واحد وهو توقيت وصولها إلى المدينة، سرعان أو بطء وصولها إلى... الديمقراطية... الليبرالية... ومن ثم نهاية رحلتها الطويلة... نهاية التاريخ .
لكن هذه النظرية حول «نهاية التاريخ» بانتصار الليبرالية الغربية لاقت انتقاداً.
ومن أبرز الكتاب الذين ناقضوا نظرية ( نهاية التاريخ) بانتصار الليبرالية الغربية المؤرخ الأمريكي جاك بارزن الذي نشر مقالاً بعنوان (مقولة الديمقراطية) نفى فيها نفياً قاطعاً وجود نظرية موحدة للديمقراطية وأكد وجود العديد من الأفكار الديمقراطية التي لا يربطها نسق فكري واحد، وذهب إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الديمقراطية الأمريكية مثلها في ذلك مثل الديمقراطية الإنجليزية لا يمكن تصديرها للخارج لأن فهم ما في الديمقراطية ليس في مقولاتها التي تقوم عليها أيا كانت ، ولكن في طريقة تطبيقها وفي المؤسسات التي تقوم على آلية التطبيق، وهذه مسألة لصيقة بالتاريخ الاجتماعي الفريد لكل مجتمع وهي الحاسمة في موضوع الممارسة الديمقراطية .
لكن الأصح أن انتصار الليبرالية الغربية كما صورها بعض الكتاب أن الصراع الذي قام بين القطبين العالميين (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقاً) أشبه ما يكون بمباراة ملاكمة بين بطلين عالميين حاول كل منهما إضعاف الآخر وهزيمته ، وانتهى طبعاً بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار نظامه.. هذا السقوط فاجأ الخصم الآخر ـــ الولايات المتحدة ــــ فسارع إلى استثمار هذا السقوط بالإعلان عن تفرده بقيادة العالم بل و(نهاية التاريخ) في الصراع الفكري والحضاري بهذا الانهيار. هذه التنبؤات والتخمينات موجودة في كل العصور لكن فوكوياما حولها إلى أطروحة علمية كأنها حقيقة، وهذا ما جعل الكثيرين يهاجموها ويعتبرونها كذبة نهاية القرن العشرين!.

  رجوع