الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
ذهبنا بعيدا
يكتبها : أحمد الفلاحي

من خلال سؤالي المحدود لمجموعة من الناس الذين التقيتهم يوم الاثنين الماضي، أي بعد حدوث ظاهرة خسوف القمر على سماء السلطنة بيومين، أيقنت أن هناك المئات ــــ وأنا واحد منهم ـــ لم يشاهدوا هذه الظاهرة، ولم يعرفوا عنها حتى، أن هناك من عرف عبر نشر الخبر في الصحف المحلية عن موعد الخسوف ولم يعر الأمر أية أهمية، وهناك من عرف في اليوم الثاني، وهناك، بالصدفة من سمع الآذان في الوقت المتأخر عن موعده، واستنكر الأمر، ولم يبحث فيه.
في أعمارنا الصغيرة، عندما كانت هذه الظاهرة الكونية تحدث كانت القرية بكامل عددها، صغارا وكبارا يجوبون الأزقة وكانت أصوات المآذن تعج بالمؤذنين، وكانت هناك تفاصيل أخرى اقرب إلى الخرافة منها إلى المعرفة، عندما كانت الجدات «تطحن» ما يؤكل أو ما يستخدم لأشياء مختلفة كالحناء أو «الياس» أو ورق السدر وحتى الأطفال الصغار يوقظون من نومهم، خوف الإغراق الطويل الذي يوقعهم في شبك الموت وكذلك تحذير المرأة الحامل من «حك» أي جزء من أجزاء الجسم، حيث سيظهر ذلك على المكان نفسه في جسم الطفل بعد ولادته ـــ حسب المعتقد السائد عندهن ــــ وهناك ممارسات أخرى غريبة؛ لأنهن يعتبرن هذه الظاهرة الكونية فيها شيء من قداسة الكون، وفيها شيء من الرسائل الربانية، وبالتالي فكل الممارسات في تلك اللحظة الموقوتة بين بدء الظاهرة وانتهائها تخضع لمثل هذه المفاهيم، ولمثل هذه المقاييس.
ما وددت الإشارة إليه أن هناك حضورا غير عادي في مثل هذه المناسبات الكونية، وعلى الرغم من بساطة الأشياء إلا أن مثل هذه الظاهرة تلقى هذه الاحتفالية ــــ إن جاز التعبير ــــ الشعبية بكل ما فيها من تقليدية، وخرافية، وفي المقابل أيضا هناك إحياء ديني من قبل العارفين من كبار السن الواعين، حيث تعمر المساجد منذ البداية، وحتى انقشاع الغيم، بانتهاء الظاهرة، وفي اليوم التالي تكون هذه الظاهرة حديث المجالس التي يرتادها الكبار والصغار.
اليوم أغرقتنا المدنية إلى حد كبير، ولم يعد الإنسان يلتفت إلى أي شيء من هذا، على الرغم من أهميته كمعتقد ديني على الأقل، لأن فيه عبرة، وعظة لمن أراد أن يتعظ، وان كانت الظاهرة ينظر إليها على أنها احد السنن الكونية الناتجة على حركة فيزيائية من خلال تصادف وجود الأرض بين الشمس والقمر في تلك اللحظة، حسب آلية دوران الكواكب في مساراتها المحددة، إلا أنها أيضا تحمل دلالة «عقيدية» لا يجوز إغفالها، أو تجاوزها كنوع من الإهمال، والدليل على ضرورة استحضار هذه الجانب ما دلت عليه السنة النبوية من خلال سن صلاة الركعتين، والتطويل فيهما بقراءة القرآن الكريم، وكذلك سن الآذان قبل ذلك.
ليس الخوف في هذا الجانب على بيان الأهمية من حدوث هذه الظاهرة فقط، ولكن الأهمية التأكيد على بقاء ممارسة سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب، وخاصة في نفوس الناشئة، الذين ينسلون شيئا فشيئا من الكثير من هذه الالتزامات، وإذا كان أولياء الأمور غيبوا مثل هذه الأهمية لمثل هذه المناسبات في ترسيخها في أبنائهم، فهناك جهات أخرى لن تعذر بحكم مسؤولية الوظيفة، فتلفزيون سلطنة عمان ساهم في تغييب هذه الظاهرة عن اهتمام الجمهور من خلال عدم الاهتمام بها، بينما هناك قنوات عديدة نقلت الحدث مباشرة، ويأتي الدور الآن على فئة الوعاظ، فهل سنستمع إلى خطبة الجمعة القادمة عن هذا الجانب؟ هذا مطلب، ويأمل الجميع أن يتحقق.

  رجوع