الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

طهران الرابح الآخر من حرب جورجيا !
محمد صادق الحسيني

عندما قام احمدي نجاد بزيارة تركيا هذا الاسبوع في ظل احتجاج اسرائيلي صريح وفشل امريكي واضح لثني حكومة انقرة عن استقباله ، وفي ظل تصريحات تركية رسمية تفيد بانها تسعى لزيادة حصتها من صادرات الغاز الايراني اليها بعد احداث جورجيا ، وفي ظل انباء موثقة بأن البلدين يتجهان لعقد اتفاقيات تعاون تجارية جديدة من بينها تعزيز التعاون في مجال الطاقة ، فإن ذلك لا يفهم الا بنجاح حقيقي لايران يتمثل في اختراقها للناتو ولو من البوابة التركية.
هذا النجاح وتاليا الاختراق لا يأتي البتة من فراغ، فهو تراكم وقائع واحداث وسياسات!
الرئيس التركي عبدالله جول وفي محاضرة مهمة له ألقاها في واشنطن في يناير الماضي قال فيها ردا على اعتراضات امريكية جدية على علاقته بطهران قال: «ان حدود بلادنا مع ايران مستقرة ولم تتعرض لاي اهتزاز منذ عام 1636كما ان علاقات بلدي مع ايران هي اعرق واطول من عمر الولايات المتحدة الامريكية».
واما وزير خارجية ايران منوشهر متكي وفي تصريح له لصحيفة تركية عشية سفر احمدي نجاد لاسطنبول فقد قال: «ان تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين بلدينا سيفضي بالتاكيد الى تعاون امني قوي بما يحفظ امن واستقرار الاقليم».
وهذا الكلام يقوي الاعتقاد السائد في اوساط العارفين بخفايا وخبايا الامورفى طهران بان ثمة توافق ان لم نقل تحالفا ثلاثيا بدأ يتبلور بين طهران وانقرة ودمشق سيجعل من الدول الثلاث قوة اقليمية اساسية تسعى للجم جموح الامريكيين في المنطقة، وهو بالمناسبة التعاون نفسه الذي كان قائما ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد على خلفية مواجهة التطورات الامنية الخطيرة وقتها التي كانت تواجه البلدان الثلاثة من مثلث التمرد الكردي في حينها، وقد يكون اليوم ايضا واحدا من العوامل الهامة التي اعادت احياء المثلث المذكور !
لكن الملفت بشكل كبير وواسع هو ما جرى في الايام الاخيرة من مواجهة شبه مكشوفة على حدود هذا المثلث بين الامريكيين والروس على المسرح الجورجي، والتي تقول الكثير من الاوساط المتابعة هنا ان الرابح الآخر من ورائها من خارج المتحاربين قد يكون هذا المثلث وايران بالدرجة الاولى!
فهي حرب لم تندلع من فراغ، كما انها لم تكن حربا جورجية مع انفصاليي اوسيتيا او ابخازيا ، ولا حتى حربا جورجية ضد روسيا التي تريد استرجاع نفوذها على بعض القوقاز الذي تسسلل اليه الامريكيون خلال السنوات الماضية عبر الثورات الملونة البرتقالية وغير البرتقالية !
انها اكبر من ذلك كله بكثير وابعد مدى واعمق حتى من مجرد حرب !
انها بداية نهاية الامبراطورية الامريكية التي ظل يحلم بها المحافظون الجدد طوال السنوات الماضية ولم يتركوا زاوية من زوايا الجهات الكونية الاربع الا وتحرشوا بها او دسوا أنفهم فيها لاجل تحقيق ذلك الحلم !
قبل نحو عامين من الآن ألقى الرئيس الروسي السابق بوتين كلمة مهمة للغاية في اجتماع امني غربي عقد في ميونيخ دعيت اليه روسيا كما دعيت اليه ايران قال فيها الرئيس الروسي من جملة ما قال:
اننا نسلح ايران من اجل فك الحصار عن انفسنا وتاليا عن امننا القومي !
لم يفهم القائمون في البيت الابيض يومها كلام بوتين جيدا او انهم راهنوا على الوقت وتحولات المعادلات الدولية التي كانت لا تزال تجري بما لا تشتهي سفن روسيا في حينها لا سيما في البلقان !
لكن الذين تلقوا دورات عسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق ينقلون ان من بين القضايا التي يتعلمونها بان على القائد العسكريي الفذ الاحتفاظ دوما بحديدتين ملتهبتين جدا جانبا على سبيل الاحتياط لاظهارهما واستخدامهما بوجه الخصم عند الحاجة وفي المواقع الضرورية، وهذا ما يفعله بوتين الآن مع خصومه المحافظين الجدد الذين ظنوا ان بوتين قد بلع خسارة كوسوفو وتطبع على (لكمات) الغرب!
اليوم يأتي الرد قاسيا وقاسيا جدا من جانب موسكو في القوقاز ليس فقط على ما فعلته واشنطن في البلقان، بل ان الحديدتين اللتين كان بوتين قد خبأهما لمثل هذه الساعة في اوسيتيا وابخازيا ستحاول روسيا استخدامهما حتى النهاية لتلقين ليس فقط الرئيس الامريكي الذي يستعد للرحيل درسا لن ينساه بل ويجعل الرئيس المقبل يحسب للألف قبل ان يفكر باي خطوة تستفز الامن القومي الروسي من الآن فصاعدا!
بمعنى آخر فإن موسكو تلقفت مغامرة ديك تشيني في القوقاز بمثابة الهدية الثمينة التي كانت تنتظرها لتبدأ رحلة الالف ميل باتجاه نهاية الحلم الامبراطوري الامريكي لحكم العالم بالاحادية القطبية!
كل شيء سيتغير من الآن فصاعدا، حتى طريقة التعامل مع الملف النووي الايراني والذي تعتبره روسيا كما اسلفنا بمثابة احد الدروع الذي تستخدمه لفك الحصار عن الدور الروسي القيادي المطلوب دوليا!
سيتم تفعيل منظمة شنغهاي للتعاون حتى النهاية، وهي المنظمة التي بادرت الى تشكيلها الصين بالتعاون مع روسيا والتي ستنضم اليها الهند وباكستان وايران كاعضاء دائمين قريبا، لتشكل نواة منظمة امم متحدة جديدة كما تحلم بكين!
سيتم تفعيل ما تسميه روسيا بمنظمة «أوبيك» الغاز والتي سيكون محورها موسكو - طهران - الدوحة - كاراكاس الجزائر.... !
سيتم فك الحصار رويدا رويدا عن الملف النووي الايراني واخراجه من ردهات مجلس الامن الدولي ليعود الى الوكالة الدولية للطاقة الذرية و....!
انها البداية فقط البداية التي سينتهي فصلها الاول اما باعتراف دولي نهائي باوسيتيا وابخازيا اذا لم يكن بتغيير انظمة الحكم في بلاد الثورات الملونة الامريكية!
والتي ستأتي فصولها الاخرى رويدا رويدا لتسجل نهاية الاحادية الامريكية المتكسرة اصلا على اكثر من ارض ، فتكون نهاية عهد بوش الامبراطوري توازي نهاية هتلر والنازية في الحرب العالمية الثانية !
في 28 نوفمبر من عام 1943 عقدت قمة عالمية هامة بين ستالين وتشرشل وروزفلت في طهران وسميت بقمة جسر النصر حيث قرر الثلاثة وقتها الاطاحة بالشاه رضا الذي كان ميالا للعهد النازي وقتها وفتح ما سموه وقتها بالجبهة الثالثة ضد المانيا انطلاقا من الارض الايرانية ، فهل تتكرر اللعبة اليوم برموز واسماء وحيثيات جديدة انطلاقا من التغيرات التي تنتظر جورجيا في اعقاب تدخل الاتحاد الاوروبي بزعامة ساركوزي المتفهم لطموحات موسكو، لغير صالح سكاشفيلي ولغير صالح بوش وديك تشيني؟!

  رجوع