عندما كان او.
جيه. سيمبسون يُحاكم بتهمة قتل نيكول براون
سيمبسون وصديقها رونالد جولدمان في عام ،1995
حظيت تلك المحاكمة الجنائية المطولة بتغطية
إعلامية متلفزة إلى جميع أنحاء العالم. تمت
تبرئة سيمبسون، ولكنه قُدم إلى المحكمة
المدنية بتهمة (القتل الخطأ) للاثنين، ومرة
أخرى على مرأى ومسمع العالم أجمع. أما سالم
حمدان، سائق أسامة بن لادن، فقد حوكم أمام
محكمة عسكرية في جوانتانامو، رغم عدم وجود
آلات تصوير التلفزيون لتبث الوقائع. فما الذي
يجعل هذه المحاكمة - وما سيعقبها من محاكمات -
بمثابة سخرية من العدالة؟
إبان كتابة هذه الأسطر، شرعت هيئة المحلفين
بالتداول قبل التوصل إلى قرار جوهري: فحتى إذا
ما تبين انه بريء من التهم الموجهة إليه
والمتمثلة في «توفير الدعم المادي للإرهاب
والتآمر»، فإن حمدان سيظل حبيسا حتى نهاية
الحرب على الإرهاب. ووفقا للمحامي العسكري عن
المدعي، فإن حمدان قد قدم «تفاصيل مهمة»
للقوات الأمريكية «عندما كانت ذات أهمية قصوى»
في الأيام الأولى من الحرب على أفغانستان.
وربما يكون قد ساعد في مطاردة ابن لادن على
الرغم من الأدلة السرية التي قدمت أثناء
المحاكمة لم تكشف عن طبيعة هذه المساعدة. وفي
هذه الحالة، حيث أن ابن لادن لم يعثر له على
أثر، فإن هذا الإثبات لا تكون له قيمة تذكر.
من المحتمل أن يكون حمدان، وهو مواطن يمني
اعتقل في أفغانستان في 24 نوفمبر عام ،2001
سائقا لابن لادن ولكن ربما كان أيضا حارسه
الشخصي؛ ومن المحتمل أن يكون قد نقل أو لم
ينقل أسلحة في سيارته لتنظيم القاعدة، بيد أن
هذه الاتهامات لا يمكن التحقق منها لأن
الشهادات المقدمة أمام المحكمة كانت سرية
للغاية. في الواقع، أصر الرقباء العسكريون على
أن جميع الأدلة التي تم تسجليها «محمية»
لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مما يعني انه لا
يمكن لأحد أن يشكك في صحة مثل هذه الشهادات.
ووفقا لبعض التقارير الصحفية التي وجدت طريقها
إلى خارج جوانتانامو، فإنه لا يمكن لأحد بدون
تصريح «سري للغاية» أن يحضر حتى جلسات
الاستماع، حيث ان العديد من الشهود أدلوا
بشهادتهم حول مختلف «تقنيات» الاستجواب التي
استخدمت لانتزاع إفادات مجروحة تحت وطأة
التعذيب. وفي بعض الأحيان كانت السرية مثيرة
للسخرية. فقد قدم شاهد ادعاء واحد على الأقل
هو روبرت مكفادين، وهو عميل خاص يتقن العربية
أسندت إليه إدارة التحقيقات الجنائية بسلاح
البحرية، بيانات غريبة. فهو يزعم أن حمدان
اعترف بأنه قد أقسم يمين الولاء لابن لادن،
على الرغم من أن مكفادين هو الشخص الوحيد الذي
يصر على صحة هذا الزعم. والأسوأ من ذلك، فإن
مكفادين تذكر الاعتراف مستخدما ثلاث كلمات
عربية مختلفة، مما يدفع المرء للتساؤل عما إذا
كان اليمني قد بز مستجوبه.
الشيء المؤكد أن مكفادين تقدم بشهادة شديدة
الضرر ضد حمدان، مدعيا أنه خلال اكثر من تسع
ساعات من الاستجواب في عام ،2003 كان حمدان
يقول أنه أقسم يمين الولاء لابن لادن. ويقال
إن حمدان أبلغ المستجوب أنه شخصيا ملتزم
بالجهاد وهدفه المتمثل في قتل اليهود
والمسيحيين، وطردهم من جزيرة العرب. هذه
الاتهامات جدية ولكن لا يمكن التثبت من مدى
صحتها. وبدلا من ذلك، عمد وكلاء الدفاع إلى
التقليل من أهمية شهادة مكفادين عن طريق
التركيز على المسائل الفنية. فهل كان فعلا
يتقن العربية وهل كانت شهادته ذات مصداقية؟
فعندما طلب منه القراءة من وثائق باللغة
العربية، وعلى الأقل في حالة واحدة، فشل
مكفادين في أن يشير إلى أن النص الذي طُلب منه
أن يقرأه كان قد عرض عليه مقلوبا رأسا على عقب.
وفي حين أن الشهود يتعرضون إلى الضغوط، فإنه
من الأهمية بمكان ملاحظة أن العملاء الخاصين
الذين يتقنون العربية هم سلالة نادرة، وقلما
يكونون موضع سخرية؛ بل على العكس، فان القلة
من هؤلاء الموظفين الذين يعملون في معظم أجهزة
الاستخبارات الأمريكية مدربون تدريبا جيدا،
ويقومون بما يوكل إليهم بكفاءة إلى درجة أنه
سيكون من المستحيل أن لا يلاحظ إذا كانت
الصفحة مقلوبة رأسا على عقب.
وبالطبع، كانت تلك مجرد مسألة فنية، فالقاضي
كيث جيه. اللريد العقيد بالبحرية الأمريكية
قرر أنه يمكن للموظفين العاملين بالأجهزة
الاتحادية لمكافحة الإرهاب أن يشهدوا لصالح
الادعاء. مثل هذه الممارسات الذكية جعلت
الجميع على استعداد للقضايا المقبلة، إذ أن
هذه كانت بمثابة (تجربة) تم التحقق من خلالها
على الحدود المسموح بها لمختلف التحركات
المحتملة للدفاع. أما إمكانية تطبيق هذه
الخيارات على قضايا أخرى فهو أمر يصعب تحديده
ولكن على الرغم من ذلك تبقى للسوابق أهميتها.
وفي المحصلة فإن الشهادات التي تم الحصول
عليها عن طريق الإكراه (التعذيب) من المحتمل
أن تكون مقبولة.
ومع ذلك، وبالرغم من هذه الظروف القاسية، فإن
الضباط المنتدبين للدفاع عن حمدان تمكنوا من
أن يستدعوا للشهادة كلا من العقيد مورغان
بانكس وهو أخصائي في علم النفس من القوات
الخاصة، والمقدم غاي جون تايلور، وهو محام
عسكري كان قد عمل بوحدة للقوات الخاصة في
أفغانستان في ذلك الوقت. وكان لهما أشياء
مثيرة للاهتمام ليقولاها، ومنها أن حمدان لعب
دورا أساسيا في إلقاء القبض على عبد الرحيم
الناشري، المتهم بتدبير الاعتداء على المدمرة
الأمريكية (كول) في عام 2000 في عدن. لقد
اعتقد حمدان بالفعل أنه توصل إلى اتفاق، بل
وربما صفقة مع المدعي العام، غير أنه غني عن
القول أن المسؤولين نفوا ذلك.
الأمر المثير للقلق حقا بشأن هذه المحاكمة هو
انعقادها في جلسات مغلقة، لأن ذلك يحرم الرأي
العام من الشفافية المطلوبة لتوجيه الاتهام
إلى مجرمين حقيقيين. إذا كان حمدان إرهابيا،
فإنه لن يكون من الصعب إثبات ذلك في المحكمة
بعد إجراء استجواب مستفيض. بالإضافة إلى ذلك
فالجلسات المفتوحة تعني أن أي قرار سيتخذ
سيحظى على الفور بالثقة لأنه كان نزيها، في
حين أن الجلسة المغلقة تصب الزيت في نار عدم
الثقة. عندما يصدر القاضي اللريد قراراته بشأن
عدة التماسات تكون كل أقسامها قد تم تسويدها
لأسباب أمنية، فمن المحتم أن ذلك يزعزع من
الإيمان بموضوعية محكمته.
وكما سبق ذكره فإن حمدان، حتى إذا تمت تبرئته،
فسيبقى في الحبس بوصفه من المقاتلين الأعداء.
أما المحاكمات المستقبلية فسوف تصدر أحكاما
قاسية، بما في ذلك الإعدام، وسيكون من
المستحيل وقفها ما لم يأمر رئيس الولايات
المتحدة بوقف هذه المحاكمات غير الشفافة.
وللأسف، فإن أيا من محاكمات جوانتانامو لن
تكون منصفة، الأمر الذي يعزز المفهوم القائل
بأن العدالة غريبة على النظام.