اذا نظرنا في
حال الدول والشعوب التي تعاني الأمرين في
أرزاقها وأمنها واستقرارها ونهضتها، فنحن نعيش
في نعمة. أنعمها الله علينا. فهذا الوطن
اعطانا الكثير.. اعطانا الهوية اعطانا
الانتماء واعطانا الأمن والأمان وكل ما نحتاج
إليه لنسير في هذه الحياة رافعي الرأس.
واليوم الوطني مناسبة عزيزة تتكرر كل عام
نتابع من خلالها مسيرة هذه النهضة العملاقة
التي عرفها الوطن ويعيشها في كافة المجالات
الحياتية، ومثلت تحدياً حضارياً يحق للإنسان
العماني أن يفخر به وبقيادته الحكيمة. فقد
تحقق لنا بفضل الله عزَّ وجلّ ثم بقيادتنا
الحكيمة هذا الأمن والأمان والطمأنينة في كل
مناحي الحياة المعيشية والصحية والاجتماعية
والاقتصادية ومجالات التنمية الشاملة التي عمت
بلادنا من أقصاها إلى أقصاها.
ولكن ماذا بعد أن يُعطي الوطن؟ هل يجب أن
يستمر في هذا العطاء إلى ما لا نهاية؟ ام انها
عملية تفاعلية وتبادلية فيها اخذ وعطاء؟
ثمانية وثلاثون عاما من عمر هذه النهضة، ونحن
نأخذ من هذا الوطن العزيز، واعطانا الكثير في
حياتنا، وحياة اولادنا، وحياة اسرنا
ومجتمعاتنا، وصار لنا شموخا واعتزازا وفخرا،
فماذا اعطينا له؟
وبالتأكيد فإن ما أعطيناه للوطن يظل أقل بكثير
مما يستحقه منا ويظل ما أعطانا إياه أكبر
وأعظم. ومهما بلغ عطاء الإنسان لوطنه تظل
للوطن اليد العليا.
هذا الوطن العزيز الذي أعطانا الكثير ينتظر
منا العطاء القليل من الاهتمام به حتى يبقى
هذا الوطن معطاء للجيل الذي يلي. ومن ابسط صور
هذا العطاء الذي يمكن ان نقدمه لهذا الوطن
الغالي هو ان نبادر الى تقديم مصلحة الوطن على
مصالحنا الخاصة، والالتزام بانظمته حتى وان
سنحت فرص للافلات منها، والالتزام بالمحافظة
على بيئته ومنشآته العامة حتى وان رافق ذلك
مشقة. وان نحافظ على أمنه من أيدي العابثين،
والانتباه والحرص عليه كالحارس الأمين في
الشارع الذي نمر به او في الحي الذي نقطنه أو
في مكان العمل.
الميسورون والمقتدرون من رجال المال والأعمال
واصحاب المسؤولية وكل من يهتم بعمل الخير
بامكانهم المساهمة في هذا العطاء بتدشين
مشاريع تقلل من حجم مشكلة الباحثين عن العمل،
وتقلل من مساحة الفقر، وتحسن اوضاع المزارعين
والمنتجين، والاعلان في كل مناسبة عن توفير
عدد من المنح للطلبة المتفوقين، ورعاية
الموهوبين، وتشغيل اموالهم بمشاريع انتاجية
تخدم هذا الوطن وتشغل الايدي العاملة. فالوطن
هو كل هؤلاء المواطنين الذين يقيمون على
ترابه. وحب المواطن من حب الوطن، واحترام
المواطن من احترام وطنه.
وكل مواطن يستطيع ان يساهم في هذا العطاء
لوطنه بان يكون منتجاً ناجحاً في دراسته
وتحصيله العلمي، مبرزا في تخصصات يحتاجها
الوطن، وباتقان العمل والاخلاص في الوظيفة،
وبالاختراعات التي تُسجل باسم السلطنة.
ومن مظاهر هذا العطاء ان يحب الواحد منا جميع
مجالات العمل القادر عليها مثل البيع في محلات
التجارة والقيام بأعمال السباكة والنجارة
والنظافة والرعي والزراعة وسائر مجالات العمل
المهنية والحرفية او في مجال الانشاءات
والخدمات وغيرها، حتى لا نترك مصيرنا في أيادي
غيرنا بحجة أننا عمانيون منزهون عن هذه
الأعمال، ويجب الا نسخر ممن يقوم بهذه
الأعمال. فالانسان هو محور كل الاشياء. وقيمة
الانسان ليست في الوظائف وفي انواع تلك
الوظائف، وانما الكفاح والعمل المخلص في
الحياة هو الذي يصنع القيمة الحقيقية للأنسان.
وكل شخص يسوق سيارته، ويرمي نفاياته من
النافذة، أو يخالف القواعد والأنظمة ويتعدى
على حرية الآخرين يخدش انتماءه لوطنه، ويكون
جاحدا وناكرا لجميل هذا الوطن.
ان نعطي للوطن يعني ان نتعاون على ارساء
معايير العدل والمساواة، والوقوف على حدود
الحق وعدم الاعتداء ومحاربة التعسف في استعمال
السلطة او الحق، ومحاربة الرشاوى، والواسطات
والمحسوبيات والعصبيات الجاهلية، ومقاومة
النعرات بكل انواعها، والتي لا تساعد ابدا على
تقدم الوطن بل تشده الى الوراء. في ايام الفرح
والاحتفاء بالوطن، ينبغي ان نعرف ان الانتماء
للوطن لا يعني فقط أن نحمل جنسيته، وان ناخذ
منه ونطمح دوما في المزيد دون ان نعطي، او
نعطي بعد ان نأخذ، ولو اعطينا القليل نتصور
باننا نعطي أكثر. ان الانتماء للوطن يعني ان
نعطي لهذا الوطن .. ونعطي بلا حدود.