إشراقات....
الدين والحياة في خطاب معاصر

درس الثلاثاء
العلاقة ما بين الوارث والموروث في الآية علاقة مطلق الكلالة

يواصل سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة تفسيره للآية الثانية عشرة من سورة النساء (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)، حيث بين سماحته أن العلاقة المذكورة في هذه الآية ما بين الوارث والموروث إنما هي علاقة مطلق الكلالة.
وأوضح: لم يعهد أن الآيات تنص أو الأدلة تنص على العلاقة التي تكون بين الوارث والوارث وانما العلاقة التي تكون بين الوارث والموروث.. وإلى ما جاء في التفسير:

ابتدأنا فيما سبق الحديث في قول الله تبارك وتعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) وقد تكلمنا على بعض الجوانب من هذه الآية الكريمة وحديثنا لا يزال مستمرا فيها لنتناول الجوانب الأخرى ولربما يتداخل حديثنا فيكون فيه شيئ من التكرار لما سبق من أجل الايضاح.
من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يبين هنا حكم الإرث لعلاقة أخوة الأمومة التي تكون بين الإخوة إن مات رجل او ماتت امرأة وله او لها اخ من الام او اخت من الام فلكل واحد منهما السدس عندما ينفرد بالارث وان كانا اثنين او زاد عددهم عن الاثنين فإنهم جميعا يشتركون في الثلث وهذا واضح من تفسير الآية وقد سبق معنى الكلالة فيما تقدم وانما هناك من المفسرين من قال بأن قوله سبحانه وتعالى (يُورَثُ) هنا ليس هو من ورِث يرث وانما هو من أورث يورث ومعنى هذا أن قوله (يُورَثُ) بمعنى يورّث إن كان رجل يصيّر وارثا من الآخر ولهذا الوارث أخ أو أخت فلكل واحد منهما هو وأخوه أو أخته لكل منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث، هذا رأي قاله بعض المفسرين وقد انتقده بشدة الامام أبو السعود وما أحراه بالانتقاد وبيّن أن هذا التفسير يستبعد جدا وهو بعيد من السداد لعدة أسباب من بين هذه الأسباب هو أن هذه الأخوة المعنية هنا انما هي مناط الارث فالاخوة المعنية هنا هي مناط الارث بين الوارث والموروث هي سبب لحصول الارث وتعلق احكام الارث بها فهذه الأخوة لو اعتبرت الكلالة هنا بحسب معناها العام الذي يشمل علاقة الأمومة وما يتفرع عنها وسائر العلاقات التي لا علاقة للوالديّة بها فإن الأحكام تختلف في هذا اختلافا كبيرا وذلك أن الأخوّة التي اعتبرت هنا إنما هي أخوّة بين الوارث والوارث وليست أخوة بين الوارث والموروث فالعلاقة إذا ما بين الوارث والموروث إنما هنا علاقة مطلق الكلالة بحيث قد يكون هذا الوارث هو عم الموروث أو ابن عمه او ابن أخيه أو في هذه العلاقات الاخرى.
وقد تبين أن لذلك الميراث الذي يكون بتلكم الأسباب حكم آخر غير هذا الحكم المنصوص عليه في هذه الآية الكريمة وعليه فإنه لا يمكن أن يقال بأن الكلالة هنا إنما هي الاخوّة وهذه الاخوّة ليست اخوّة مطلقة لأن الاخوّة التي تكون بين الشقيقين أو بين الأخ وأخيه من الإرث قد بينت في الآية الأخيرة من هذه السورة الكريمة.
وبهذا يتبين أن هذه العلاقة إنما هي محصورة في الاخوة على أنه إن قيل بأن كون هذه العلاقة هي الأخوة من الأم كما استقر على ذلك الاجماع وقيل أن الإجماع دليل على ذلك فإذا لزم هذا القائل أن يقول بأن يورث إنما هو مأخوذ من ورث يرث لا من أورث يورث سواء أدرك ذلك أو لم يدرك ذلك.
ومن ناحية أخرى فإن هذه العلاقة إن اعتبرت بين الوارث والوارث كما جاء ذلك التفسير فإن ذلك يقتضي أن يشترط في هؤلاء الوارثين أن يكونوا هم أخوة من الأم ولو كانوا هم أخوة للميت أيضا من الأم ولكن على ألا يكونوا هم اشقاء مع أنهم قد يكونون أشقاء فيما بينهم فقد يكون الميت أخا لهم من الأم وهم جميعا أشقاء فلو حُصرت هذه الأخوة بين الوراثين أنها أخوة من الأم للزم استبعاد حكم ما إذا كانوا هم أشقاء مع أن علاقتهم بينهم وبين الميت إنما هي علاقة الإخوة من الأم.
ومن ناحية ثالثة فإن حمل الآية على هذا الوجه يقتضي أن يكون حكم ما إذا كان الوارث منفردا ليس له أخ أو أخت أن يكون هذا غير منصوص عليه في الآية لأن الآية على هذا تكون ناصة على ما إذا اجتمع أخوان أو أختان أو أخ وأخت مع عدم النص على حكم الأخ وحده إذ لا يلزم من كون الأخوين لهما الثلث عندما ينفردان أن يكون للواحد السدس إذا انفرد وحده فإن الأخوة التي تكون بين الأشقاء أو بين الأخوة من الأب ان اجتمعت اختان فإن اجتماعهما يقتضي أن ترث كل واحدة منها الثلث ولكن إن انفردت لا ترث الثلث بل ترث النصف فلا يتعجل لو حملت الآية على ذلك التفسير أن يكون للواحد اذا انفرد الثلث.
ومن الناحية الرابعة فإنه لم يعهد أن الآيات تنص أو الأدلة تنص على العلاقة التي تكون بين الوارث والوارث وإنما العلاقة التي تكون بين الوارث والموروث بهذا كله يتبين أن ما ذهب إليه جمهور المفسرين وهو أن قوله سبحانه وتعالى (يُورَثُ) إنما هو مبني للمجهول من ورث يرث لا من أورث يورث).
وبعد ما بين سبحانه وتعالى الحكم فيما إذا اجتمع أخوان أو انفرد واحد وحده بين حكم إذا كانوا كثر من اثنين (فَإِنْ كَانُوا اكثر مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) أي إن كان هؤلاء الأخوة الذين هم من الأم سواء كانوا ذكورا جميعا أو كانوا إناثا جميعا أو كان فيهم الذكور وفيهم الإناث إن كانوا أكثر من اثنين فهم شركاء في الثلث لا يزادون على الثلث الذي يستحقه الاثنان عندما ينفردان بل الثلث حق لهم جميعا.
وبما أن الله سبحانه وتعالى بين هنا أنهم شركاء في الثلث كانوا يستحقونه على السواء لا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى فالأنثى تستحق ما يستحقه الذكر والذكر يستحق ما تستحقه الأنثى فلا يفضل ذكر على أنثى في هذا بخلاف ميراث الأولاد وبخلاف ميراث الإخوة والأخوات الأشقاء او الابوين فإن أولئك يكون توريث الذكر ضعف ما تستحقه الأنثى.
(فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) وقد انعقد الاجماع على هذا وهذا مما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه إنه ورثهم على السواء ولم يفضل ذكرا على أنثى وقال من قال بأنه لا يمكن أن يكون ذلك منه الا وقد فهم ذلك من النبي عليه وعلى آله وصحبه افضل الصلاة والسلام.
وبناء على هذا فإنه لو مات رجل عن إخوة من الأم وإخوة اشقاء ذكورا واناثا وإخوة من الأب سواء كانوا ذكورا أو إنثا او ذكورا وإناثا فللإخوة من الأم الثلث والباقي للاشقاء للذكر مثل حظ الانثيين مال الأخوة من الأم يوزع بينهم على السواء لا فرق بين الذكر والأنثى ومال الإخوة الأشقاء يوزع بينهم بحسب القسمة المشروعة فيما بينهم لو استقلوا للذكر مثل حظ الانثيين وكذلك إن لم يكن هنالك أشقاء وكان هنالك أخوة من الأب ذكورا وإناثا فإن الباقي عن الثلث إنما هو يوزع على الأخوة من الأب لعدم وجود الأشقاء للذكر مثل حظ الانثيين ومع وجود الأخوة الأشقاء فالأخوة من الأب لا يكون لهم نصيب يرث الإخوة من الأم ولا يرث الاخوة من الأب وعندما يكون الاخوة الأشقاء إناثا فإن للأختين فصاعدا الثلثين ولا يكون ذلك بالتعصيب وإنما يكون ذلك بالفرض بحيث لو زاحمهم آخرون ففي هذه الحالة تعول المسألة فلو كان هناك زوج وإخوة من الأم وأخوات شقيقات اثنتين فصاعدا فإن للإخوة من الأم الثلث وللزوج النصف وللأختين فصاعدا الثلثان فالمسألة تعول في هذه الحالة وكذلك عندما لا تكون هنالك شقيقة وإنما تكون هناك أخوات من الأب فالأخوات من الأب يحللن محل الأخوات الشقيقات في هذا الحكم.
وكذلك لو كان زوجا وأما وإخوة من الأم وإخوة أشقاء ذكور وإناث أو ذكور من غير إناث هذه المسألة تتميز عن بقية المسائل هي المسألة المعروفة بالمسألة الحمارية أو المسألة المشتركة وتسمى أيضا بالمسألة اليميّة وتسمى بالمسألة الحجرية هذه المسألة وقع الخلاف فيها من عهد الصحابة رضوان الله عليهم فما بعد حصل الخلاف في طريقة التوريث فعمر رضي الله تعالى عنه ورّث الإخوة من الأم والثلث والزوج النصف والأم السدس فلم يبق للإخوة الأشقاء شيء لأنهم عصبة والعاصب إنما يحوز الفائض الزائد عن حقوق ذوي السهام فبما أنهم لم يبق لهم شيء جعل الإرث كله لأولئك الذين استحقوا بالسهام فاعترض الإخوة الأشقاء وقالوا هب أن أبانا حمار فإن أمنا واحدة ويروى أنهم قالوا إن أبانا حجر ملقى في اليم فإن أمنا واحدة فقد اشتركنا في الأم فلماذا لا نرث بسبب قرابتنا لأمنا فرأى عمر رضي الله تعالى نظرا إلى أن الإخوة الأشقاء اشتركوا مع الإخوة من الأم في إدلائهم بالأم في علاقتهم بالأم رأي الأ يحرمهم من الإرث فأشركهم في الإرث وقد روي هذا لا تشريك عن طائفة من الصحابة رضوان الله عليهم فقد شركهم عثمان وروي عن ابن مسعود وعن زيد بن ثابت وعن ابن عباس روي عن هؤلاء بأنهم ايضا قالوا بالتشريك وهذا القول هو الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم وعليه العمل عندنا نظرا إلى أن هؤلاء إنما أدلوا بالأم التي أدلى بها الإخوة من الأم مع كونهم ازدادوا قربا من الميت بسبب أبيهم فأبوهم لا يزيدهم بعدا عن الميت بل يزيدهم قربا منه ولئن كانوا لا يستحقون شيئا بسبب أبيهم فإنهم يشتركون في الاستحقاق بسبب أمهم.
وقال بهذا القول عدد كبير من علماء التابعين وعدد كبير من علماء الأمة كما ذكرنا، وبناء على هذا فإن الاخوة الأشقاء في هذه الحالة يكون توريثهم بنفس الطريقة التي يكون بها توريث الاخوة من الأم فلا يكون تفاضل فيما بينهم لا يفضل ذكر على أنثى ولا تعطى الأنثى نصف ما يستحقه الذكر إنما الكل يرثون على السواء لأن علاقتهم بالأب لم تعتبر هنا وإنما اعتبرت علاقتهم بالأم.