إن للتوكل على الله تعالى منزلة عظيمة في الإسلام، يلحظها
من تأمل النصوص الواردة فيه، وكل عبد مضطرٌ إليه، لا
يستغني عنه طرفة عين، كما أنه من أعظم العبادات من جهة
توثق صلته بتوحيد الرب سبحانه، يقول تعالى: وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ففي هذه الآية أمر من
الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يتوكل عليه
سبحانه وتعالى، وألا يركن إلا إليه؛ لأنه الحي الذي لا
يموت، وهو القوي القادر سبحانه وتعالى، ومن يتوكل عليه جل
وعلا فهو حسبُه، أي كافيه ومؤيدُه وناصرُه، ومن توكل على
غير الله، فإنما يتوكل على من يموت ويفنى، والضعف والعجز
يعتِريه من كل جهة، وكل من اعتمد على غير الله فقد ضل سعيه.
والتوكل معناه: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في
استجلاب المصالح ودفع المضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها،
وأن يَكِلَ العبد أموره كلها إلى الله جل وعلا، وأن يحقق
إيمانَه بأنه لا يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع: سواه جل
وعلا.
وقد حَضَّ الله عباده المؤمنين على التوكل في مواضع عديدة
من الكتاب العزيز، وبيَّن سبحانه ثمراته وفضائله:
ومن ذلك قوله سبحانه: وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن
كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ، وقوله - عز وجل-: وَعَلَى اللّهِ
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ، وقوله تعالى: وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ، وقوله - جل
وعلا -: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ
اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ، وقال سبحانه واصفاً
عباده المؤمنين في معرض الثناء والمدح: إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ
زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
وفي السنة المطهرة تكاثرت النصوص الموضِّحة لأهمية التوكل
والحضِ عليه، ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي اللّه
عنه قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: (لو أنكم
توكَّلون على اللّه حق توكله، لَرزقكم كما يرزق الطير،
تغدو خِماصاً، وتعود بِطاناً).
فهذا الحديث أصلٌ في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي
يُستجلب بها الرزق «، قال اللّه عزوجل: وَمَن يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَهُوَ حَسْبُهُ» .
ويدلَّ حديث عمر المذكور على أن الناس لو حققوا التوكل على
اللّه بقلوبهم لساق اللّه إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما
يسوق إلى الطير أرزاقها بمجرد الغُدوِّ والرّواح، ومعناه
أنها تذهب أول النهار خماصاً، أي ضامرة البطون من الجوع،
وتتجه إلى غير وجهة محددة، تطير وتبحث وتسعى، ثم ترجع آخر
النهار بطاناً، أي ممتلئة البطون.
وورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه جابر
بن عبد اللّه - رضي اللّه عنه - أنه قال: (إن نفساً لن
تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا اللّه وأَجْملوا في الطلب،
خذوا ما حلَّ ودَعُوا ما حَرُم).
وقال عمر - رضي اللّه عنه -: «بين العبد وبين رزقه حجاب،
فإن قَنَعَ ورضيت نفسه أتاه رزقُه، وإن اقتحم وهتك الحجاب
لم يُزَدْ فوق رزقه».
وقال بعض السلف: «توكَّلْ تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعبٍ
ولا تكلف».
وها هنا تنبيه إلى أن التوكل الصحيح يستلزم من صاحبه أن
يُعْمِلَ الأسباب كما قال تعالى: وَاتَّقُواْ اللّهَ
وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . فجعل
التوكل مع التقوى، وهي هنا شاملة للقيام بالأسباب المأمور
بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجزٌ محض.
ومما يزيد إيضاح تحقيق التوكل والعمل بالأسباب مع تعليق
القلب باللّه وحده: ما أخبر به أبو بكر الصديق - رضي اللّه
عنه - في هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدينة إذ
قال: « نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على
رؤوسنا، فقلت: يا رسول اللّه ! لو أن أحدهم نظر تحت قدميه
لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين اللّه ثالثهما».
وتصديقه قوله تعالى: « إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ
لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا» .
ومما ينبَّهُ إليه هنا أن ضعف التوكل لدى الإنسان إنما
ينتج عن ضعف الإيمان بالقضاء والقدر، وذلك لأن من وكَلَ
أموره إلى اللّه ورضي بما يقضيه له ويختاره، فقد حقق
التوكل عليه، وأما من وكل أموره لغير اللّه، وتعلق قلبه به،
فهو مخذول غافل عن ربه جل وعلا.
روى ابن مسعود - رضي اللّه عنه - عن رسول اللّه - صلى الله
عليه وسلم - أنه قال: (أصابته فاقةٌ فأنزلها بالناس لم
تُسَدَّ فاقته، ومن أنزلها باللّه أوشك اللّه له بالغنى...)
ومن توكَّل على اللّه فإنه ينال من فضائله وثمراته بحسب
تحقيقه له ما لا يخطر له على بال، ولا يحيط به مقال، فيكون
أشرح الناس صدراً، وأطيبهم عيشاً، قال تعالى: «وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه» .