الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
كانت لي فكرة
تكتبها اليوم: هدى الجهورية

عندما كنت صغيرة كانت تسكن رأسي فكرة خطيرة بأن هناك كائناً كبيراً ينفخ كل الهواء الذي في رئتيه فتتحرك والأشجار والأشياء من حولنا، واعتقدت أن الرياح لا تخرج إلا من فم هذا الكائن العملاق، واحتجت إلى زمن طويل لكي تتغير هذه القناعة، وقناعات أخرى تكونت من مواقف وحكايات كنت أشاهدها أو اسمعها، وخصوصا تلك التي تصدر من أفلام الكرتون، أو المدرسة لاعتبارها المكان المقدس الذي لا يقول لنا غير الحقيقة.
وفي جلسة نقاشية دارت بيني وبين زميلي أحمد شافعي عقب حلقة العمل التي أعدتها أزهار الحارثية للطفل قال شافعي: «فكرة أن نوجه طفلا، وأن نعطيه فكرة أمر خطير للغاية، ولا يقدر عليه أي أحد، وإذا أقدم شخص على ذلك ينبغي على الأقل أن تكون لديه خلفية واعية بعلم الطفل نفسه، وواعيا أيضا بالكيفية التي تساعد على إيصال المعلومة».
كان الأمر بالنسبة لي سهلا بل ممكنا ورائعا. خصوصا عندما رأيت أزهار الحارثي مندفعة تجاه الأطفال بشكل جميل، وهي تحاول أن تقدم لهم كل ما تستطيع، وأنا معجبة جدا بموقفها وبحماسها الذي لا ينبع إلا من محبة فائضة. ربما لأني لا أملك الصبر الجميل الذي تملكه في تعاملها مع الأطفال، إلا أن فكرة «توجيه» الأطفال ظلت تطاردني وفكرت فيها طويلا. قرأت ذات مرة أن الأم إذا قالت لطفلها: «أنا لا أحبك» قد تحدث توترا كبيرا في نفسيته بينما لو قالت له «أنا لا أحب تصرفاتك» لكانت أحدثت العكس،ونبهته إلى أن العيب في تصرفه وليس في محبتها له.
سألني أحمد: «إذا أخذت طفلك لكي يتعلم الرياضة .. هل تأخذينه إلى مدرب لا يفقه شيئا، ويجعل طفلك يحمل الحديد الذي يجعل طوله لا يزيد بدلا من أن يحدث العكس؟». أخبرته: «لم أفكر بالأمر بهذا الشكل المخيف»، ولكني انتبهت إلى فكرته، وكم أنها لا تخلو من الحقيقة، فثمة سن معين يجب أن يتعلم فيه الطفل تناسب الرأس إلى الجسد عند الرسم، ويتعلم أدوات القصة وعوالمها.. فالمسألة ليست اعتباطية.
الفكرة هي أصعب شيء يمكن لأحدنا أن يلغيها من ذهن الطفل، وهي تبقى ربما إلى الأبد عالقة برأسه.الأطفال يكتبون عن مناطق ومدن لا يعرفونها إلا من خلال التلفاز.. يكتبون عن الثلج والمناطق الخضراء، وهذا ليس عيبا بل على العكس، فهذا أفقهم الذي يتنفسون منه، وعوالمهم التي يحبون أن يكتبوا عنها أو يرسمونها، وهذا خيارهم الشخصي، كما يحق لهم أن يرسموا وجوها غير متناسبة مع حجم الفم والعين، ومن حقهم أن يكون الرأس أكبر من الجسم .. إنه الخيال المشروع.
يعيش أطفالنا حياتهم وفق الشروط التي يراها الوالدان مناسبة دون أن يعوا كثيرا أن للطفل حقا في جزء من خياراته على الأقل.
أخبرني طفل بفرح: «تعلمت عندما أرسم أن لا يكون العصفور عكس اتجاه اللوحة» فكل الوجوه والشخصيات والأشياء عليها أن تتناسب وأن تنظر في جهة متناسقة جماليا، ولكن هل ستحصل جريمة فنية لو كان العصفور في عكس اتجاه اللوحة مثلا!!
الطفلة التي تسكن بجوار منزلنا قالت لأمها: «أمي ..هنالك مركبة فضائية تنزل في غرفتي كل ليلة»، فنهرتها الأم وقالت لها: «لا تكذبي»، ومنذ ذلك الوقت والفتاة تحاول جاهدة أن لا تكذب، بالرغم من أنها كانت تحلم أحلاما جميلة لا أكثر.
عالم الأطفال عالم مليء بالحساسيات المربكة.. الاقتراب منه ليس بالأمر السهل، ويصبح الأمر أكثر تعقيدا كلما تعلق بالإبداع على جميع أصعدته ومستوياته.

  رجوع