« إن التروي في الإعلان عن تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية على أساس الديمقراطية التوافقية لا
يعتبر أزمة مفتعلة بل مسألة وطنية بامتياز.
فالمطلوب تعزيز الممارسة الديمقراطية في مجتمع
يؤمن بها ويسعى مثقفوه إلى بناء وحدة وطنية
على أسس غير طائفية. وذلك يتطلب تعاون جميع
أجهزة الحكومة، المدنية والعسكرية، والتعاون
مع السلطتين التشريعية والقضائية».
عند مناقشة مظاهرالخلل في علاقة القوى
اللبنانية بالسلطة التنفيذية، بصفتها مؤسسة
عصرية تقوم على قواعد دستورية، ولديها مؤسسات
رسمية،وآليات عمل منظمة لكبح كل أشكال التطرف
السياسي أو الطائفي ، تبرز الأهمية
الاستثنائية لدور حكومة الوحدة الوطنية في
المرحلة الراهنة.فهي الضامن لحماية المجتمع
اللبناني من التفكك في ظروف إقليمية ودولية
حبلى بالتطورات الدراماتيكية. لذا ينصح الجميع
بالسرعة دون التسرع، وبالرؤية والانفتاح دون
التشنج المفضي إلى المزيد من الأزمات.
إن تشكيل الحكومة في لبنان اليوم لا يدخل في
باب الدراسات أو الأبحاث الأكاديمية، والترف
الفكري حول تفعيل دورها ومؤسساتها المشلولة.
بل يدخل في باب المساومات السياسية بين مراكز
القوى الفاعلة لتجنب التصادم داخل أروقة
الحكم،وفي الشارع المنفعل طائفيا ومذهبيا.
فالديمقراطية في لبنان توافقية، وهي تشكل
البناء النظري لنظام سياسي يقوم على المحاصصة
الطائفية في السلطات الثلاث: التشريعية
والتنفيذية والقضائية. وغالبا ما تطيح تلك
المحاصصة بركائز الديمقراطية اللبنانية تجنبا
لانقسامات حادة، وأزمات مزمنة لا تجد حلولا
سريعة لها إلا بعد تدخلات إقليمية ودولية .
يتطلب التوافق الداخلي بين زعماء الطوائف
والأحزاب السياسية في لبنان تفاهما مسبقا بين
الرعاة الإقليميين طالما أن الزعيم اللبناني
ليس زعيما لذاته،وليست لديه حرية اتخاذ القرار
بمفرده دون الرجوع إلى حلفائه في الخارج. هنا
تبدو الحاجة ملحة لحل مأزق تشكيل الحكومة
اللبنانية الراهنة الذي قارب المائة يوم ،وذلك
انطلاقا من التداخل الشديد بين مصالح زعماء
الداخل اللبناني مع مصالح أصحاب المشاريع
الإقليمية في المرحلة الراهنة. مما يتطلب
الكثير من التأني في اختيار الوزراء، والحصول
على موافقة مسبقة من زعماء القوى الفاعلة
لضمان مشاركتها في حكومة وحدة وطنية .وهي صيغة
مطلوبة بإلحاح،وتم التوافق المبدئي عليها ،وتوزيع
مقاعد الوزارة الثلاثين بنسبة خمسة وزراء
لرئيس الجمهورية،وعشرة وزراء للمعارضة،وخمسة
عشر وزيرا لقوى الأكثرية. وتؤكد قوى المعارضة
والأكثرية معا على عدم تجاوز هذه الصيغة لأي
سبب كان . لأن تجاوزها يدخل لبنان في المجهول
ويمهد لحرب أهلية تستدرج إليها قوى إقليمية
ودولية مؤثرة في الأزمة اللبنانية.
وذلك يطرح تساؤلات مصيرية حول الدور المستقبلي
المنوط بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية بعد أن
تعثرت ولادتها حتى الآن رغم الإعلان عن توافق
سعودي - سوري بعد قمة دمشق الأخيرة .فحكومة
الوحدة الوطنية في هذه المرحلة بالذات تلعب
دورا بارزا في استقرار لبنان وتجنيبه الكثير
من المخاطر.
1- يمكن التأكيد على أن نجاح الرئيس المكلف
سعد الدين الحريري في تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية سيعزز موقعه داخل النظام السياسي
اللبناني.فبعد نجاحه في تشكيل أكبر كتلة
برلمانية باسم «لبنان أولا»، بات مطالبا
بالتحول إلى زعيم وطني لا أن يبقى زعيما
طائفيا، أو رئيسا لمجموعة كبيرة من النواب.
فلبنان بلد الطوائف المتعايشة التي تشكل
أقليات كبيرة أو صغيرة،لكنها عاجزة عن ممارسة
الحكم دون صيغة توافقية. لذلك يتأنى الرئيس
الحريري طويلا قبل الإعلان عن حكومته العتيدة،
لأن مصيره السياسي بات رهنا بنجاحه في
تشكيلها،ونيلها الثقة، واستمرارها.
2- ان نجاح الرئيس المكلف في مهمته الجديدة
رهن بالتعاون الإيجابي مع رئيس الجمهورية لأنه
رئيس توافقي بامتياز.فنظام الطائف لعام 1989،
ومن بعده الدستور اللبناني لعام 1991، حول
لبنان من النظام الرئاسي إلى نظام تشاركي يلعب
فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء دورا مشتركا
في إعداد المراسيم وصدورها عن رئاسة الجمهورية
وفق آلية دستورية بحاجة إلى التوضيح لمعرفة
صلاحيات كل من الرئيسين في مجال إدارة الحكم
وإصدار المراسيم.
3- إن دراسة معمقة لمظاهر تفكك السلطات
اللبنانية بعد الطائف وعودتها إلى مكوناتها
الطائفية التقليدية،تظهر أن زعماء الطوائف
الأقوياء باتوا أقوى من الدولة التي باتت
عاجزة أحيانا عن دخول مناطق نفوذهم أو جباية
الضرائب ورسوم المياه والكهرباء والبلدية
فيها.وتولت المطالبة بدولة ديمقراطية قوية
وعادلة شعارا عاملا يتم تداوله بين مثقفي جميع
الطوائف اللبنانية . فغياب الدولة المركزية
مؤشر سلبي على قرب انهيار المجتمع اللبناني
بعد الممارسات الخاطئة التي تنفجر يوميا في
بعض المناطق وتهدد السلم الأهلي والعيش
المشترك بين اللبنانيين.
4- إن قيام حكومة مركزية، قوية وعادلة، يحتاج
إلى نضج مؤسسات الدولة في لبنان،وممارستها
لدورها الوطني والتوحيدي .وقد أثبتت المؤسسات
العسكرية،خاصة الجيش اللبناني، قدرة ملحوظة
على تجاوز المزالق الطائفية والمذهبية.فقدمت
نموذجا يحتذى لمؤسسات المجتمع المدني،ولمؤسسات
الدولة نفسها في كيفية التعاطي الإيجابي مع
اللبنانيين كمواطنين متساوين في الحقوق
والواجبات وليس كرعايا ينتسبون، طوعا أو قسرا،
إلى زعماء الطوائف . وليس من شك في أن حماية
القرار السياسي بالإعلان عن حكومة الوحدة
الوطنية سيلقى الدعم الكامل من المؤسسات
العسكرية اللبنانية التي حافظت على وحدتها
وتماسكها رغم الضغوط الطائفية التي تعصف بها
أحيانا، والاختبارات اليومية التي تتعرض لها
عند ملاحقة المجرمين والمخلين بالأمن من مختف
الطوائف والمناطق.
نخلص إلى القول أن التروي في الإعلان عن تشكيل
حكومة الوحدة الوطنية على أساس الديمقراطية
التوافقية لا يعتبر أزمة مفتعلة بل مسألة
وطنية بامتياز. فالمطلوب تعزيز الممارسة
الديمقراطية في مجتمع يؤمن بها ويسعى مثقفوه
إلى بناء وحدة وطنية على أسس غير طائفية. وذلك
يتطلب تعاون جميع أجهزة الحكومة،المدنية
والعسكرية، والتعاون مع السلطتين التشريعية
والقضائية. فالوحدة الوطنية في لبنان في صلب
الديمقراطية التوافقية. وهي إشكالية كبيرة لا
مثيل لها في أي دولة عربية أخرى لأنها تخاطب
الضمير الوطني لدى اللبنانيين لتجاوز
انقساماتهم السياسية والطائفية، وحماية وطنهم
من الضياع والتفكك. فلبنان اليوم أشبه ما يكون
بكونفدرالية من الطوائف المتناحرة على أرض
الواقع. ويصعب على الحكومة الجديدة مخاطبة
أعداد كبيرة من اللبنانيين،في غالبية المناطق،
دون المرور بزعماء الطوائف.
لقد أخفقت جميع محاولات الهيمنة على لبنان من
طريق استخدام السلاح أو فرض رؤية الأكثرية على
الأقلية.واصطدمت مقولات التغيير والإصلاح
باصطفاف اللبنانيين وراء زعماء طائفيين نالوا
مكتسبات كبيرة تضمن لهم السيطرة والنفوذ،ليس
على رعاياهم فحسب بل أيضا على الدولة
اللبنانية ومؤسساتها الضعيفة والمفككة.
واحترام الأعراف الطائفية الموروثة مسألة
بالغة الأهمية في تشكيل الوزارة في لبنان .لذلك
يمارس زعماء الطوائف الغلو السياسي أحيانا
لدرجة تهدد الأمن والاستقرار والعيش المشترك
في لبنان.
أما النخب اللبنانية خارج دائرة الاصطفاف
الطائفي فضعيفة للغاية بحيث تبدو صيغة حكومة
التكنوقراط غير ذات جدوى في المرحلة الراهنة.
لذا لا بد من التروي قبل الإعلان عن حكومة
الوحدة الوطنية لأن بيانها الوزاري سيرسم خطة
طريق لمستقبل .وعلى حكومة الوحدة الوطنية أن
تعالج قضايا خلافية كبيرة أبرزها: وضع
استراتيجية شاملة للدفاع عن لبنان في مواجهة
الأطماع الإسرائيلية المتزايدة، وتحديد طبيعة
العلاقة بين المقاومة المسلحة والقوى العسكرية
اللبنانية، ومشكلة توطين الفلسطينيين في لبنان،
والعلاقة مع سوريا، والإصلاح السياسي والإداري
في مؤسسات الدولة، وإصلاح نظام التعليم، ووضع
قانون جديد للانتخابات القادمة على أساس
النسبية، ومعالجة الدين العام المتصاعد،وحماية
العيش المشترك ،والسير بلبنان نحو نظام سياسي
جديد يتجاوز الأعراف الطائفية الموروثة .
ختاما، من حق الرئيس الحريري أن يتروى في
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية . وللطبقة
السياسية الحاكمة خبرة واسعة في الحفاظ على
مصالحها المشتركة حتى في أشد الأوضاع الداخلية
والإقليمية تأزما. فشعار «لا غالب ولا مغلوب»
قادر على دمج قوى الأكثرية بالأقلية في حكومة
«كل لبنان»، وإرضاء أكبر عدد ممكن من زعماء
الطوائف. فهل يحظى اللبنانيون قريبا بحكومة
وحدة وطنية جرى الإعداد لها بعناية فائقة،أم
أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على أحداث دامية
يصعب التكهن بنتائجها؟