الإقرار بالفضل
والاعتراف بالجميل والوفاء له أحاسيس روحية
تدين بها كل عمان لمخلّصها وباني نهضتها وقائد
مسيرتها نحو النصر والتغيير والبناء والازدهار
والكرامة؛ فلصاحب الجلالة -حفظه الله ورعاه -
منا العهد والوفاء نجدده ونحن نحتفل بيوم أشرق
على عمان نورا وضياء حاملا البشرى بدهر جديد .
فكان توهجا مبهرا وفرحا عارما لكل من سمع ذلك
النبأ العظيم في رابعة نهار يوم خريفي يحجب
ضوء الشمس؛ فإذا بشمس الحقيقة تظهر في كبد
السماء، حين لاحت لحظة الحقيقة التاريخية التي
كان سيدها وبطل عنفوانها المتدفق بالحب مولانا
صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم
الذي قاد(نهضة التغيير) في أحلك ظرف داخلي
وخارجي .
أننا بعد مضي سنوات من هذا الحراك الضخم
والمعجز بكل ما تحمله الكلمات من معاني نعرج
في دروب العلياء؛ فبهمم الرجال وتضحياتهم
حققنا النصر وبنينا مجدا وأعدنا للوطن مكانته
التي تليق به؛ وما كان كل ذلك ليتحقق إلا بفضل
الله ومنته علينا وبالعمل المخلص الدؤوب وبصدق
المشاعر الجياشة التي تفيض على الوطن حبا
وعدلا ورحمة وعطفا و كرما وفضلا على كل شبر من
ترابنا الوطني؛ إنها يد العطاء لمولانا صاحب
الجلالة؛ فكانت الاستجابة بالوفاء والعمل من
أبناء الشعب الذين التفت سواعدهم لتجّذر عشق
الوطن والتضحية والفداء غراس يظلل اليوم كل
تراب الوطن ويمنحه فيا عظيما وثمارا يانعة وقد
ترسخت جذوره عميقا بسقيا زلال الحب .
إن المراقب المنصف يعجز عن تصديق ما تحقق على
أرضنا من منجزات كونها تحققت في هذا الزمن
القياسي الذي لا يتعدى ثلاثة عقود ونيف ؛ حيث
شعوب كثيرة في الأرض تمتلك قدرات أكثر منا
بكثير ولكنها ترزح تحت نير الظلم والقهر
والجور والبطش والاستبداد لافتقارها إلى قادة
هداة وموحدين بناة ؛ ولكننا في عمان كان لطف
المولى أن سخر لنا رجلا عظيما وحد الإنسان
والأرض وعمّرهما بالعلم والعمل فكان الإنسان
هو الغاية والهدف .
إن قلب وعقل صاحب الجلالة واسع الكل أبناء
الوطن منذ الأيام الأولى للنهضة ومازال صاحب
الجلالة بالروح نفسها والهمة واللطف ؛ فكل من
عرف جلالته عن قرب يصفه - حفظه الله - باتقاد
الذهن وبالحنكة السياسية العالية وبالبداهة
وبالقدرة على الإنصات وبسعة الأفق وبالرؤية
الاستشرافية للأوضاع الداخلية والاقليمية
والدولية وهي ميزات العظماء .
أذكر ونحن صغار جولات صاحب الجلالة في شوارع
وأحياء مدينة صلالة التي كانت منها الانطلاقة
نحو التغيير وتوقفه الدائم للحديث مع أي مواطن
يستوقفه في شأن عام أو خاص ومما أذكره شخصيا
توقف صاحب الجلالة ذات يوم ونحن مجموعة من
الصبية نركب عجلات هوائية بالقرب من الطريق
وقوله - حفظه الله ورعاه - : (قل لإخوانك لا
يلعبوا قرب الشارع حتى لا تصدمهم السيارات)
فهذا الحرص علينا ونحن أطفال استمر معنا ونحن
كبار بتوفير كل سبل العيش الكريم لكل مواطن ؛
ووفر للأجيال العمانية الفتية كل عوامل النجاح
والتقدم باستكمال منظومة الدولة الحديثة وبناء
اقتصاد متطور ونظام تعليمي متكامل والكثير
الكثير من المنجزات التي نعجز عن حصرها .
وحرص جلالته على مواصلة لقاءاته المباشرة
بالمواطنين فكانت الجولات السنوية منابر
لديمقراطية عمانية صرفة يتقابل فيها الحاكم
والمحكوم والسائل والمسؤول وجها لوجه في أجواء
من الحميمية والصدق مع الذات من اجل هدف واحد
هو رفعة عمان ؛فصرنا مضرب المثل وصارت البلد
واحة أمن وأمان ..
يذكر أن مجموعة من أبناء ظفار قابلهم صاحب
الجلالة فقالوا له: ثرنا ضد الظلم والفقر
والجهل وهانحن مع صفوف الحق ونحن على استعداد
لتضحيات جديدة ؛وطرح بعضهم طلب رحيل الأجانب ؛
فكان صاحب الجلالة لطيفا وصادقا معهم بقوله -
حفظه الله رعاه - :(سيأتي اليوم الذي يرحلون
فيه؛ وسترون ابناءكم في مواقعهم ولكن عليهم
أولا أن يتعلموا ليصبحوا أطباء وطيارين وضباطا
ومهندسين...الخ ) وقد تحققت هذه الإرادة بفضل
سياسة مولانا وأصبح ذلك واقعا ؛ وهنا تستحضر
ذاكرتي مقولة مشهورة للإمام علي كرم الله وجهه
(إن الوفاء توأم الصدق) ؛ فكل ما نحصده اليوم
هو ثمار الحب والصدق والتصميم والعزيمة والثقة
بالنفس والعطاء والعلم .