ما حدث كان بمثابة بروفة لما يمكن ان يحدث في
الفترة القادمة، اذا اتخذ حزب الله قرارا
بتنفيذ ذلك مرة اخرى لخدمة حساباته ومصالحه،
او في اطار صراع اقليمي اوسع ويريد فيه استباق
الاحداث والتحوط لما قد يتعرض له، ونتمنى الا
تأتي هذه المرة ابدا لانها قد تغرق لبنان في
دوامة التقسيم والتفتيت لصالح اطراف لا تفكر
ابدا في صالح الشعب والمجتمع والدولة
اللبنانية.
ليس من المبالغة في شيء القول بأن احداث
الايام العشرة الممتدة بين الخامس والخامس عشر
من مايو الجاري قد اثارت قلق الكثيرين، ليس
فقط داخل لبنان وعلى صعيد قواه السياسية
والطائفية، ولكن ايضا على صعيد القوى
الاقليمية وامتدادا الى الصعيد الدولي كذلك،
نظرا لان ما جرى قد اتسم بكثير من الفجائية
والقابلية للاتساع والانفلات الى مستويات لا
يستطيع احد ان يقول انه كان يرى المدى الذي
يمكن ان تمتد اليه او تتوقف عنده، لو لم يتم
احتواؤها والارتفاع على جراحها التي ستظل
غائرة ربما لفترة غير قليلة قادمة عند بعض
القوى والاطراف اللبنانية على الاقل.
وبحكم المخاطر التي احدقت بحاضر لبنان وأطلت
بشكل او بآخر على مستقبله، فانه من المهم
والضروري تثمين القدرة على التصرف بمسؤولية
وبعد نظر خلال فترة الازمة، والقدرة على
التغلب على كل عوامل التحريض المباشرة وغير
المباشرة، ولو بمجرد رد الفعل، لان هذا
الالتزام والسلوك، بغض النظر عن رؤية هذا
الجانب او ذاك له من زاوية المكسب او الخسارة
التكتيكية، هو الذي اتاح الفرصة لوقف مسلسل
التردي والانهيار الذي وقف لبنان على حافة
هاويته السحيقة. والمهم في النهاية ان الكاسب
الاكبر والمنتصر الاكبر هو لبنان الشعب
والمجتمع والدولة والمستقبل كما هو مأمول اما
حسابات الطوائف والقوى والميليشيات، ومحاولات
فرض الامر الواقع والانطلاق منه الى مطالب او
فرض خيارات، فانه من المؤكد ان لبنان لا يحتمل
ذلك سواء بطبيعته او بتكوينه او بأوضاعه التي
قامت وتقوم على التعايش بين كل طوائفه وقواه
دون استقواء او استئثار او نفي من جانب اي
منها لاخرى. وعلى اية حال فانه يمكن الاشارة
باختصار الى عدد من الجوانب لعل من اهمها ما
يلي:
∎∎ اولا: انه من غير الممكن فصل ما حدث في
بيروت خلال الايام العشرة المشار اليها عن
مجمل التطورات التي عاشها لبنان خلال الشهور
العديدة الماضية من تجاذبات وجدل وصراعات
ومحاولات متبادلة بين الاكثرية والمعارضة
لتسجيل المواقف او اظهار القدرة على عرقلة سير
الحياة بغض النظر عن انعكاسات ذلك على
المواطنين اللبنانيين وعلى حياتهم ايضا.
غير ان السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا لجأ
حزب الله الى استخدام السلاح في اجتياح بيروت
والسيطرة على مواقع ومناطق تابعة للاكثرية، بل
وارتكاب ممارسات لا يمكن الا ان تثير المخاوف
والضغينة بين ابناء الشعب اللبناني الواحد؟
بعيدا عن إلقاء اللوم على هذا الطرف او ذاك،
خاصة وان ذلك لا فائدة منه، فانه من الواضح في
ضوء التصريحات التي صدرت من جانب بعض الاطراف
في المعارضة اللبنانية ان حزب الله كانت لديه
هواجس او توقعات وربما تحذيرات ما من امكانية
تعرضه لضعوط او تحرشات به من جانب الاكثرية او
من جانب اسرائيل على نحو او آخر، وذلك هو ما
يبرر التحرك الوقائي والمشوب بالقلق من جانبه
ودفع به الى اجتياح مناطق الاكثرية في غرب
بيروت والسيطرة على مواقع اخرى في العاصمة
اللبنانية وحتى الامتداد الى الجبل لتطويق
قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي وقصف المواقع
والقوات التابعة له واظهار قدرة حلفاء حزب
الله من الدروز على الاضرار بجنبلاط الذي سبق
وتوعد بإحراق الاخضر واليابس في تصريحات لم
يكن لها ما يبررها.
ولعل ما زاد من مخاوف حزب الله وربما دفع به
الى المسارعة في ضرب مواقع الاكثرية ما اتخذته
حكومة رئيس الوزراء اللبناني بشأن تفكيك شبكة
اتصالات حزب الله وإقالة مدير امن المطار
المؤيد لحزب الله وهو ما نظر اليه حزب الله
على انه بمثابة حرب ضده. ولذا فان حزب الله
تمسك بضرورة إلغاء الحكومة لهذين القرارين حتى
يمكن العودة الى ما كانت عليه الاوضاع قبل
الخامس من مايو الجاري.
الآن وقد عادت الحكومة بالفعل عن قراريها، الا
ان ما حدث في بيروت لا يمكن اعتباره كأن لم
يكن او انه انتهى تماما لانه ببساطة ترك آثارا
ستستمر لوقت غير قصير.
∎∎ ثانيا: بحسابات السياسة بمستواها التكتيكي
فان كثيرين يعتبرون ان الاغلبية اللبنانية او
قوى 14 اذار تعرضت لهزيمة واضحة، وان حزب الله
وانصاره حققوا نصرا واضحا عليها، خاصة بعد ان
اضطرت الى العودة عن قراريها اللذين برر بهما
حزب الله اجتياحه للعاصمة اللبنانية. ويعزز
هذا الافتراض ان الحوار اللبناني الذي بدأ في
الدوحة يوم الجمعة الماضي فور انتهاء الاجتماع
الطارئ لوزراء الخارجية العرب قد شهد تكريسا
لبعض مطالب المعارضة اللبنانية ومنها على سبيل
المثال انتزاع موافقة الاغلبية على مبدأ
المثالثة في تكوين الحكومة اللبنانية - مع
استمرار المعارضة في التمسك بالثلث الضامن -
من ناحية، والبدء ببحث تشكيل حكومة الوحدة
الوطنية وقانون الانتخاب وارجاء انتخاب رئيس
الجمهورية المتوافق عليه الى نهاية الحوار وهو
ما يعني قلب الاجندة او تعديل بنودها لتبدأ
بما تريده المعارضة وتنتهي بما تريده الاكثرية
من ناحية ثانية، وهو ما تم بالفعل.
ومع وضع ذلك كله في الاعتبار، الا ان الاوضاع
في لبنان لا تسير على هذا النحو من التبسيط،
لسببين اساسيين: اولهما ان التراجع من جانب
الحكومة اللبنانية، حتى وان بدا هزيمة لموقفها
الذي اعلنته، الا ان الرغبة الشعبية العارمة
على المستويين اللبناني والعربي في تجنب
المواجهة وتفويت الفرصة لدعاة الفتنة او
مدبريها ايا كانوا شكلت سياجا ومطلبا استندت
اليه الحكومة في تراجعها عن قراريها المشار
اليهما. وهنا تفقد الهزيمة معناها المعروف
ليحل محلها الانتصار لمصلحة لبنان ككل
والالتزام بالموقف المسؤول من جانب حكومة
طالما تحملت تجاوزات وانتقادات وصلت الى حد
التخوين لها احيانا والاتهام المباشر في
وطنيتها. والمفارقة انها هي التي فوتت الفرصة
على الفتنة وليست القوة الجامحة لحزب الله
وأنصاره من الميليشيات الاخرى.
- اما السبب الثاني فانه يتمثل في حقيقة ان
الحكومة اللبنانية فوضت قيادة الجيش للتعامل
مع مشكلة شبكة اتصالات حزب الله وقرار اقالة
مدير امن المطار. ومن الامور الطيبة ان قيادة
الجيش اختارت وغالبت نفسها ايضا لتتجنب التورط
في اعمال لن تفيد لبنان في النهاية. ولذا
فانها تعهدت بمعالجة شبكة اتصالات حزب الله
بما يحافظ على مصالح الدولة والا يضر بالحزب
من ناحية، وطالبت الحكومة بالتراجع عن قراريها
من ناحية ثانية. ومع قبول المعارضة بذلك وتمتع
قيادة الجيش بثقة كل الفرقاء شكل ذلك اساسا
آخر لتراجع الحكومة عن القرارين. غير ان ذلك
في الواقع - هذا التراجع - لا يمكن ان يضفي
الشرعية على شبكة اتصالات حزب الله الموازية
لشبكة الاتصالات الوطنية، كما ان التراجع من
جانب الحكومة لا يمكن تفسيره على انه اقرار
منها بالمسؤولية عن اثارة المشكلة وتحملها
للمسؤولية في ذلك، لان هذا التفسير يتغاضى عن
حجم التجاوز الذي ارتكبه حزب الله وانصاره على
ارض الواقع.
∎∎ ثالثا: انه من الطبيعي ان ما حدث خلال
الايام العشرة المشار اليها قد اعاد الى
الاذهان وبقوة التساؤل حول علاقة حزب الله
بالدولة اللبنانية من جهة وحول ما يريد تحقيقه
من وراء ما اتخذه من مواقف وما قام به من
ممارسات خلال تلك الايام الصعبة من جهة اخرى؟
وبحق فانه يمكن القول بأنه برغم الاجتياح وفرض
القوة والسيطرة لبضعة ايام من جانب حزب الله
وانصاره في بيروت والجبل ومناطق اخرى وانتشار
ممارسات اقرب لما شهدته غزة في يونيو الماضي،
الا ان ما حدث لا يحمل في طياته انتصارا
حقيقيا، خاصة على الصعيد الاستراتيجي، باعتبار
ان الاستراتيجي يرتبط بالبعد او النظرة الكلية
للموقف. ان ما حدث وبرغم سيطرة قوات او
ميليشيات حزب الله قد اضر بحزب الله وبصورته
وبنظرة الجماهير العريضة اليه داخل لبنان وعلى
امتداد المنطقة. فبندقية حزب الله التي كان
ينظر اليها على انها بندقية المقاومة الموجهة
الى الاحتلال الاسرائيلي ضلت طريقها وتحولت
فجأة الى الاشقاء في الوطن اللبناني وطوقت
مواقعهم وخربت مؤسساتهم، وكما ضلت البندقية
العربية طريقها في غزة وفي الصومال وفي العراق
عبر تقاتل الاشقاء وقعت بندقية حزب الله في
المصيدة ذاتها. ومن هنا من المهم والضروري
البحث والوقوف على الجهة او الجهات التي حرضت
على ذلك لانها ببساطة ضحت بصورة ومكانة حزب
الله لدى الجماهير، خاصة وانه كانت هناك
تعهدات وأيمانا مغلظة بأن بندقية حزب الله لن
تتوجه تحت اي ظرف الى المواطن اللبناني وأنها
لن تكون طرفا في صراع لبناني - لبناني.
ولكن ربما للضرورة احكام كما يقال.
على اية حال فانه من الطبيعي والمنطقي ان تطرح
الاكثرية مسألة بندقية حزب الله وان تطالب
بضمانات اكثر من مجرد الاعلانات بعدم
استخدامها مرة اخرى في النزاعات اللبنانية
الداخلية. وبالفعل طرحت الاكثرية ذلك في حوار
الدوحة وهو ما رفضته المعارضة واقترحت قطر
صيغة وسطا للتعامل مع هذه النقطة. غير ان
حساسية المسألة ربما تشكل صعوبة ما في التغلب
عليها او تسويتها في اطار نقاط الاتفاق التي
تعمل اللجنة الوزارية العربية في اطارها،
والتي صيغت بغموض واضح فيما يتصل بهذه النقطة
وان كان فرض الدولة لسيطرتها على الاراضي
اللبنانية يمكن ان يتسع لكل ذلك. ولكن الامر
سيتوقف بالضرورة على عناصر اخرى.
ومع الوضع في الاعتبار حرص وتفاني اللجنة
الوزارية العربية على دفع الحوار اللبناني في
الدوحة للوصول الى نقاط اتفاق واضحة وكافية
لتجاوز ما حدث على نحو او آخر، الا ان صعوبة
القضايا المطروحة وربما رغبة المعارضة في
ترجمة ما قد تعتبره نصرا لها الى مطالب
لصالحها قد لا يساعد في التوصل الى ما يرغب
فيه الكثيرون داخل لبنان وعلى امتداد المنطقة
ايضا من محبي لبنان والحريصين على حاضره
ومستقبله.
ولعل ما يغذي المخاوف احيانا ان القوى
الاقليمية المختلفة حول لبنان، اي ايران
وسوريا من جهة والسعودية ومصر من جهة اخرى قد
ازدادت تباعدا بعد احداث الايام العشرة المشار
اليها، بغض النظر عن انها كلها اعلنت تأييدها
لحوار الدوحة.
واذا كان من الضروري الانتظار حتى يخرج الدخان
الابيض، فانه من غير المبالغة القول بأن ما
حدث كان بمثابة بروفة لما يمكن ان يحدث في
الفترة القادمة، اذا اتخذ حزب الله قرارا
بتنفيذ ذلك مرة اخرى لخدمة حساباته ومصالحه،
او في اطار صراع اقليمي اوسع ويريد فيه استباق
الاحداث والتحوط لما قد يتعرض له، ونتمنى الا
تأتي هذه المرة ابدا لانها قد تغرق لبنان في
دوامة التقسيم والتفتيت لصالح اطراف لا تفكر
ابدا في صالح الشعب والمجتمع والدولة
اللبنانية.