الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مسألة ندب الخبراء أمام المحاكم
ناصر بن عبدالله الناعبي

إن تقرير الخبير هو مجرد دليل، وتقدير قيمته من شأن قاضي الموضوع تطبيقاً للقواعد العامة. ومن ناحية ثانية فإن ما يقترحه الخبير من إثبات لواقعة على نحو معين هو قول من وجهة نظر فنية بحتة، وفي غياب وجهة النظر القانونية التي لا اختصاص للخبير بها. ومن ثم كانت مهمة القاضي الرقابة القضائية للرأي الفني، وكان القاضي هو الخبير الأعلى في الدعوى.
الخبير شخص له دراية خاصة بمسألة من المسائل، وتحتاج المحكمة إلى رأيه حينما يتطلب حسم الدعوى آراء وتقنيات لا يملكها إلا الخبير المختص وفق قوانين علمية أو أصول فنية. ولا يعتبر خبيراً من يكلفه القاضي بمعاينة يعتمد فيها على حواسه فقط. ولكن الخبير هو من كلفه القاضي بإجراء معاينة تقتضي تطبيق أساليب علمية أو فنية. وعلى ذلك فمهمة الخبير مساعدة القضاء بتقديم خبرته في ناحية فنية لا اختصاص للقاضي بها. ولكن مع ذلك لا قيمة قضائية لرأيه أكثر من شهادة الشهود، وللقاضي الرقابة القضائية للرأي الفني لأنه هو الخبير الأعلى في الدعوى.
الخبير هو كل شخص له دراية خاصة بمسألة من المسائل، وتلجأ المحاكم إلى ذوي الخبرة كلما قامت في الدعوى مسألة يتطلب حلها معلومات خاصة لا يأنس القاضي من نفسه الكتابة العلمية أو الفنية لها. فالأصل في الخبرة أنها من إجراءات التحقيق الابتدائي لأنها تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، وبالتالي فإن انتداب الخبراء يعتبر بدوره إجراء من إجراءات التحقيق. لذا فالخبير يشبه الشاهد من حيث إن كلاً منهما يقرر أمام القضاء الأمور التي شاهدها والتفاصيل التي لاحظها والظروف التي تأثر بها، إلا أن الشاهد يقدم إلى القاضي معلومات حصل عليها بالملاحظة الحسية، أما الخبير فيقدم إلى القاضي آراء وتقنيات وأحكام توصل إليها بتطبيق قوانين علمية أو أصول فنية، فالخبير هنا يطبق قواعد علمية أو فنية لكي يصل عن طريق الاستنباط إلى تقرير نتيجة معينة.
وعلى هذا فيمكننا حصر مهمة الخبير من وجهين: فهي أولاً مهمة فنية لأنها تفترض استعانة الخبير بمعلوماته العلمية أو الفنية، وتبعاً لذلك لا يعتبر خبيراً من يكلفه القاضي بمعاينة يعتمد فيها على حواسه فقط. ولكن يعتبر خبيراً من كلفه القاضي بأن يجري معاينة ويأتي بنتائج ملاحظته إذا كانت المعاينة والملاحظة تفترضان تطبيق أساليب علمية أو فنية. وبموجبه فلا يجوز أن ترد الخبرة على مشكلة قانونية، فالقاضي يعلم القانون وليس في حاجة إلى معرفة خبير في ذلك. ومهمة الخبير مهمة ذات طابع قضائي فهو مساعد للقاضي ويقدم له معونته في ناحية فنية لا اختصاص للقاضي بها.
تنص المادة (82) من قانون الإثبات في المعاملات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (2008/68م) على أن: «للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب الخصوم أن تستعين بأهل الخبرة لتحقيق واقعة في الدعوى أو إبداء رأيهم فيما يطرح فيها من مسائل فنية أو متخصصة دون المسائل القانونية». ومن ثم فإن تعيين الخبير هو أمر جوازي للمحكمة تأمر به من تلقاء نفسها إذا واجهت مسألة فنية بحتة ترى معها ضرورة الاستعانة بخبير لاستجلاء حقيقة الأمر في تلك المسألة الفنية. كما يجوز لها أن تأمر بندب الخبير وذلك استجابة لطلب الخصوم لبحث مسألة فنية إذا رأت وجهاً لذلك. مع ملاحظة أن المحكمة غير ملزمة بالالتجاء إلى أهل الخبرة إلا فيما يتعلق بالمسائل الفنية البحتة التي يتعذر عليها أن تشق طريقها فيها. كما أجاز قانون الإثبات في المادة (101) للمحكمة أن تعين خبيراً أو أكثر في الدعوى، وذلك وفقاً لما تحتاجه نوعية المأمورية المنتدب لها الخبير. ويلاحظ أن المحكمة غير ملزمة بندب خبير آخر ولا إعادة المهمة إلى ذات الخبير ما دامت قد اطمأنت إلى التقرير الأول. والقانون أجاز للمحكمة كذلك بنص المادة (102) أن تعين خبيراً لإبداء رأيه شفاهة بالجلسة بدون تقديم تقرير، على أن يقوم أمين سر الجلسة بإثبات رأي الخبير في المحضر.
ونظراً لما تتسم به الإجراءات القضائية من طابع السرعة، وجب على الخبير أن ينتهي من المأمورية التي تناط به في أقرب أجل. ولذا أوجبت المادة (92) من قانون الإثبات على الخبير أن يحدد لبدء عمله تاريخاً لا يجاوز الخمسة عشر يوماً التالية للتكليف ... كما جاء في المادتين (95/96) أنه لا يجوز لأية وزارة أو وحدة من وحدات الجهاز الإداري للدولة أو شركة أو جمعية أو مؤسسة أو أي من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين الامتناع بغير مبرر قانوني عن اطلاع أهل الخبرة الذين تستعين بهم المحكمة على ما يلزم – وعلى كل وزارة أو وحدة من وحدات الجهاز الإداري للدولة والشركات والجمعيات والمؤسسات وغيرها أن تيسر للعاملين لديها من الخبراء القيام بما كلفتهم به المحكمة. ولم يورد المشرع في المادتين جزاء في حالة الامتناع عن اطلاع الخبير على الأوراق والمستندات لأداء مأموريته، على أنه يجوز تقديم الموظف المختص في حالة امتناعه عن اطلاع الخبير إلى المحكمة لتوقيع الجزاء المنصوص عليه في قانون الجزاء العماني، وسند ذلك أنه بامتناعه عن اطلاع الخبير على الأوراق إنما يكون قد امتنع عن تنفيذ القانون.
جاء في المادة (89) من قانون الإثبات بيان الحالات التي يجوز فيها رد الخبير. وقيل إنه يجوز رد الخبير لسبب غير الأسباب الواردة في المادة (89) إذا كان السبب من القوة بحيث يستنتج منه أن الخبير لا يمكنه إبداء رأيه بغير ميل، كما إذا كان الخبير قد سبق أن أبدى رأياً استشارياً في الدعوى لمصلحة أحد الخصوم، فالحالات الواردة في المادة ليست واردة على سبيل الحصر إذ يمكن رد الخبير كلما وجدت أسباب يستخلص منها أنه لا يمكن للخبير أن يبدي رأيه دون أن يكون منحازاً لأحد الخصوم حتى ولو كان هذا السبب لم يرد ضمن أسباب الرد التي ذكرتها المادة، وللمحكمة مطلق التقدير في هذه الأحوال.
ويقسم الخبير تقريره - عادة - إلى ثلاثة أقسام يذكر في أولها موضوع الانتداب وما يراد أخذ الرأي فيه، ويتناول القسم الثاني الإجراءات التي باشرها، والقسم الأخير يضمنه النتيجة التي انتهى إليها في تقريره. ويجب على الخبير أن يضمن محضر أعماله كل دقائق العمل الذي باشره، فإذا كان قد انتقل للمعاينة فعليه أن يبين ما أجراه في هذا الشأن وما أثبته من المشاهدات وما وصل إليه من المعلومات، وإذا كان الخصوم قد تقدموا إليه بمستندات فعليه أن يبينها ويبين نتيجة فحصه لها وما استخلصه منها.
والقصد من ذلك هو تمكين المحكمة من أن تلم بكل التفاصيل عند الاطلاع على نتيجة أعماله. وإذا لم يودع الخبير تقريره في الأجل المحدد في الحكم الصادر بتعيينه وجب عليه أن يودع لدى أمانة السر قبل انقضاء ذلك الأجل مذكرة يبين فيها ما قام به من الأعمال والأسباب التي حالت دون إتمام مهمته. وفي الجلسة المحددة لنظر الدعوى إذا وجدت المحكمة في مذكرة الخبير ما يبرر تأخيره منحته أجلاً لإنجاز مهمته وإيداع تقريره، فإن لم يكن ثمة مبرر لتأخره جاز للمحكمة أن تحكم عليه بغرامة لا تزيد على خمسين ريالاً ومنحته أجلاً آخر لإنجاز مهمته وإيداع تقريره أو استبدلت به غيره وألزمته برد ما يكون قد قبضه من الأمانة إلى أمانة السر وذلك بغير إخلال بالجزاءات التأديبية والتعويضات إن كان لها وجه.
ويعتبر تقرير الخبير دليلاً من أدلة الإثبات، ولذلك يصح لمن قدم التقرير في مصلحته أن يدلل على صحة مزاعمه أو دفاعه بما تضمنه هذا التقرير من المباحث والحجج والآراء وما وصل إليه الخبير من النتائج وما اشتمل عليه محضر الأعمال من الأقوال والملاحظات وشهادة الشهود ويفسر ما غمض من عبارات التقرير بما يتفق مع مصلحته ويدحض العبارات التي تتعارض مع هذه المصلحة، وكذلك يصح للخصم الآخر أن يقدم من الدفاع والأدلة ما يفند به هذا التقرير ليحمل المحكمة على عدم الاعتماد عليه في حكمها فيبين لها موضع الخطأ في البيانات أو الخطأ في الرأي أو عدم اتفاق النتيجة التي وصل إليها الخبير مع المباحث التي أجراها وتجري المناقشة علناً بالجلسة ككل دفاع يبديه الخصوم في القضية.
ومن المقرر أن المحكمة غير ملزمة برأي الخبير، ليس فقط استنادا إلى نص صريح في قانون الإثبات المادة (103). بل كذلك إلى مبدأ حرية الاقتناع، فتقرير الخبير هو من جملة الأدلة المعروضة على المحكمة خاضع للمناقشة والتمحيص، فمحكمة الموضوع هي الخبير الأعلى في مكان ما تستطيع أن تفصل فيه بنفسها، وعندما ترفض الأخذ بخبرة تتعلق بأمر فني لا تستطيع تقديره بنفسها فعليها أن تستند في هذا الرفض إلى خبرة فنية تنفي ما جاء في الخبرة الأولى، حتى يتسنى لها أن ترجح إحدى الخبرتين. وللمحكمة أن تأخذ من تقرير الخبير ما تطمئن إلى صحته وتطرح مالا يرتاح إليه ضميرها على أن تعلل قرارها في ذلك تعليلاً مقبولاًً. وإذا وجد أكثر من خبير وتعارضت آراؤهم فإن للمحكمة أن تأخذ بالرأي الذي تقتنع به ويتفق مع الأدلة الأخرى في الدعوى، فلها أن تأخذ بتقرير الخبير الذي ندبته ولها طرحه. وعلى ذلك فإن الخبير يعطي رأيه بصفة استشارية، فهو ليس بحكم وليست له قيمة قضائية أكثر من شهادة الشهود، ولا يمنع القاضي من حقه التام في تقدير الوقائع التي تعرض عليه حق قدرها. بما يعني أن تقرير الخبير هو مجرد دليل، وتقدير قيمته من شأن قاضي الموضوع تطبيقاً للقواعد العامة. ومن ناحية ثانية فإن ما يقترحه الخبير من إثبات لواقعة على نحو معين هو قول من وجهة نظر فنية بحتة، وفي غياب وجهة النظر القانونية التي لا اختصاص للخبير بها. ومن ثم كانت مهمة القاضي الرقابة القضائية للرأي الفني، وكان القاضي هو الخبير الأعلى في الدعوى.

  رجوع