ما كان أقسى على حكومة فؤاد السنيورة أن تجتمع
فتلغي قرارين اتخذتهما قبل ذلك بعشرة أيام ضد
نظام الاتصال السلكي الخاص بـ«حزب الله» ورئيس
جهاز أمن المطار وفيق شقير، بعد أن أوحى
اصدارها القرارين بأنها ذاهبة إلى مواجهة
حازمة ضد الحزب وسلطانه الذاتي الخارج عن
رقابة الدولة، ثم بعد أن أوحى رئيسها وبعض
وزرائها - عقب الأحداث - بأن التراجع عنها ليس
وارداً، ثم تُركَ لأحد أركان 14 آذار «سمير
جعجع رئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات
اللبنانية» أن ينقل الإيحاء إلى لغة الافصاح
وإلى موقف حازم خاله الكثيرون موقفاً نهائياً
للموالاة في الموضوع، على الأقل لأن كلام جعجع
قيل في السراي الحكومية - بعيد اجتماعه
بالرئيس السنيورة - ولم يقل في «معراب» حيث
مقره الرسمي.
أما الذين استبعدوا أن يكون كلام رئيس الهيئة
التنفيذية لـ«القوات» موقفاً رسمياً نهائياً
للموالاة ولحركة 14 آذار، مستندين إلى موقف
وليد جنبلاط الداعي إلى العودة عن القرارين،
على ما تبلّغ ذلك نبيه بري رئيس المجلس
النيابي، أو مستندين إلى المعلومات التي أفادت
بأن سعد الدين الحريري زعيم تيار المستقبل
متجاوب مع مطلب الجيش ومع ما ذهب إليه جنبلاط
من وجوب التراجع عن القرارين، أما هؤلاء
فقطعوا بأن التراجع الحكومي سيكون مكلفاً
للموالاة ولتماسك حركة 14 آذار، وأنه لذلك
السبب قد يصرف عنه النظر بطريقة أو بأخرى.
وربما أتى تأجيل اجتماع مجلس الوزراء يوماً عن
موعده المفترض واتساع نطاق الحديث، في أوساط
قوى الموالاة، عن حاجة الحكومة إلى الاجتماع
باللجنة الوزارية العربية «المشكلة في اجتماع
مجلس وزراء جامعة الدول العربية في القاهرة»
قبل النظر في مذكرة الجيش «المتضمنة طلباً
بالتراجع عن القرارين» يرفع من منسوب الاعتقاد
بأنه قد لا يصار إلى إلغاء القرارين في
النهاية، أو - على الأقل - قد يجري وضع موضوع
الإلغاء ضمن صفقة سياسية أشمل تقطع حبل نجاحات
المعارضة.
وما كان مثل ذلك الاعتقاد ليفتقر إلى ما يحتج
به من قرائن على تماسكه ومنها تكثيف الاتصالات
الأمريكية برئيس الحكومة، والإعلان عن ارسال
البارجة الحربية «يو إس إس كول» إلى المياه
اللبنانية، وتسريع المساعدة العسكرية
الأمريكية للجيش اللبناني، واحتداد لهجة بعض
الدول العربية تجاه «حزب الله» وسوى ذلك مما
عُدَّ شواهد على أن «سياسة تقطيع الزمن»، مرت
بدعوى حاجة اجتماع الحكومة إلى اكتمال النصاب
القانوني، وأخرى بدعوة الاجتماع باللجنة
الوزارية العربية، لا تبغي سوى احتواء الموقف
والتحلل من التزام الرد على مذكرة مديرية
التوجيه في الجيش.
غير أن الهواجس تبددت، إذ لم يمس اليوم الرابع
عشر من مايو، حتى كانت الحكومة تلتئم وتتخذ
قرارها بإلغاء ما قررته في اليوم الخامس من
الشهر نفسه. وبصرف النظر عمّا إذا كان من
أعضائها من قد عارض التراجع عن القرارين، على
ما أوردت الصحف والفضائيات، أو عمّا يمكن أن
يكون قد أدّاه موقف وليد جنبلاط وسعد الدين
الحريري من دور في انضاج قرار التراجع في
اجتماع مجلس الوزراء، فإن الذي ليس يخفى على
المتابع ليوميات الأزمة اللبنانية المفتوحة
منذ خريف عام 2006 «تاريخ انسحاب وزراء حزب
الله وأمل من الحكومة» المتفاقمة ومنذ شغور
منصب رئاسة الجمهورية «24 نوفمبر 2007»، أن
تراجع حكومة فؤاد السنيورة عن القرارين لم يكن
خياراً سهلاً أو طبيعياً. كان مؤلماً
بالمعايير النفسية، ولكنه كان أشد إيلاماً
بالمعايير السياسية. فإلى أنه يوحي بأن قرارات
الخامس من مايو خاطئة، «وإلا لما تروجع عنها»،
يوحي - ضمناً - بإلقاء الحكومة تبعات
المسؤولية عمّا جرى عليها هي نفسها، أو قل على
ذينك القرارين الصادرين عنها. لكن الأهم من
ذلك أن التراجع يشرعن سلاح الإشارة لدى «حزب
الله» بعد ان كان هدف قرار الخامس من الشهر
نزع تلك الشرعية السياسية عنه.
هل هي ، إذن ، هزيمة سياسية للحكومة والموالاة
وقوى 14 آذار؟
قد يكون السؤال موضوعياً، وقد يكون خبيثاً،
لكن الجواب الصحيح عنه في الحالين هو انها
كانت هزيمة للفتنة وانتصاراً للعقل والواقعية
السياسية وإرادة الوفاق الوطني. إذ ماذا كانت
ستكون النتيجة لو تمسكت الحكومة بقرارات
5/5/2008 ورفضت التراجع عنها غير فتح الصراع
الداخلي على المجهول، خاصة وأن المعارضة أقدمت
على ما أقدمت عليه من ضغط مسلّح لم يكن معلناً
تبريره إلا بنتيجة سياسية مجزية من قبيل
العودة عن القرارين وإلا فإن التراجع عن
مطلبها هذا «أي عودة الحكومة عن القرارين»
يعادل في مفاعيله الانتحار السياسي أمام
جمهورها الذي أنزلته إلى الشارع ودعته إلى حسم
المعركة مع قوى الموالاة، وأمام عائلات ضحايا
الأحداث، وأمام الرأي العام العربي والدولي
الذي سيسألها - بتفاوت - عمّا جنته من
المواجهات.
نعم ، لم تكن الحكومة وحدها مسؤولة عمّا حصل
من صدام مسلح، المعارضة أيضاً مسؤولة
باندفاعها إليه، من دون أن تدخل في تفاصيل
التمييز أو المضاهاة بين المسؤوليتين احجاماً
ومقادير أو فعلاً وردّ فعل، ولكن بينما لم يكن
في وسع المعارضة أن تتراجع عن مطالبها موضوعيا،
كان يسع الحكومة أن تقدم على مثل ذلك التراجع
ذلك أن الأهداف التي رسمها «حزب الله»
والمعارضة للمواجهة كانت متواضعة وهي - قطعاً
- دون ما أسفرت عنه تلك المواجهة من نتائج على
صعيد موازين القوى الداخلية. ومع أن هذه
النتائج تغري بطرح مطالب جديدة، مثل استقالة
الحكومة وتشكيل حكومة انتقالية أو تفويض الجيش
إدارة الأمور في لبنان انتقالياً، إلا أن
المعارضة اكتفت بما طرحته منذ البداية من
أهداف. كما أن المعارضه وفـّرت للموالاة فرصة
تراجع مشّرف عن طريق وقفها المواجهة في بيروت
وعاليه وعدم استكمال تمددها في الشوف أو نقلها
المعارك إلى مناطق أخرى مثل حاصبيا وراشيا
والبقاع والشمال «طرابلس وعكار والضنية.....»
من أجل الحسم النهائي، وهو الأمر الذي التقطته
الموالاة والحكومة فأنضج فكرة التراجع عن
القرارين بوصفه الخيار الأسلم لاحتواء معركة
كان استمرارها سيكلف لبنان كثيرا، وهذا معنى
ما قصدناه بالقول إن الحكومة كانت تملك أن
تتراجع عن قراريها. أما الثمن، فحفظ وحدة
الوطن وسلامه الأهلية، وذلك من مشمولات دورها
الدستوري.
وهي حسناً فعلت بذلك التراجع، لأنها وضعت حداً
لحال من التأزم السياسي لم يشهد لبنان لها
مثيلاً منذ حربه الأهلية «1975 - 1990»، وفتحت
الباب أمام نجاح عمل اللجنة الوزارية العربية،
وأمام تسريع اجراءات بدء الحوار الوطني في
الدوحة.