الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

قانون الانتخابات.. هل يؤسس تحالفات جديدة؟
أحمد السيد تركي
باحث في العلوم السياسية


«من المتوقع في أي قانون انتخابي سيتم التوافق عليه أن تتغير خريطة التحالفات السياسية القائمة الآن، وسيكون هناك شكل ما من أشكال الفرز السياسي الجديد، وذلك تبعا لما سيكون عليه القانون الانتخابي الجديد، وتبعا أيضا للتغيرات الديمغرافية بين المناطق اللبنانية»
أثمرت جهود اللجنة الوزارية العربية المكلفة من جامعة الدول العربية ببحث سبل حل الأزمة في لبنان، عن توقيع اتفاق في الخامس عشر من مايو الحالي تضمن خمسة بنود أولها: عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل يوم 5 مايو، تاريخ اندلاع المواجهات بين المعارضة والموالاة ويندرج تحت هذا البند عدة نقاط، أهمها: الترحيب بقرار الحكومة اللبنانية بشأن إلغاء القرارين الخلافيين مع المعارضة استجابة لاقتراح الجيش، والإنهاء الفوري للمظاهر المسلحة بكافة صورها وسحب المسلحين، وفتح الطرقات والمنافذ البرية وكذلك مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت، بالإضافة إلى تسليم الجيش مسؤولية الحياة العامة في لبنان.
أما البند الثاني فهو الموافقة على استئناف الحوار بين القيادات وفق جدول الأعمال التالي: حكومة الوحدة الوطنية، وقانون الانتخاب الجديد (الذي يحدد الدوائر الانتخابية في الانتخابات العامة) على أن يكلل الاتفاق بإنهاء الاعتصام في بيروت عشية انتخاب قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا توافقيا للبنان، ونص البند الثالث على أن يبدأ الحوار فور صدور هذا الإعلان وتنفيذ البند الأول وذلك في الدوحة يوم 16 مايو برعاية جامعة الدول العربية، على أن يستمر بشكل متواصل ومكثف حتى الوصول إلى اتفاق، وجاء في البند الرابع أن تتعهد الأطراف بعدم استخدام السلاح لتحقيق أغراض سياسية.
أما البند الخامس والأخير فيتضمن إطلاق الحوار حول تعزيز السلطة على أن يستكمل برئاسة رئيس الجمهورية بعد انتخابه، بالإضافة إلى وقف لغة التخوين والتحريض السياسي والمذهبي على الفور بين جميع الأطراف.
وبالنظر إلى البند الثاني من الاتفاق فنجد أنه تضمن ثلاث معضلات كبرى قد تعمل على إطالة أمد الأزمة وهي حكومة الوحدة الوطنية، وقانون الانتخاب الجديد وانتخاب قائد الجيش العماد ميشيل سليمان رئيسا توافقيا للبنان.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: أي قانون انتخابي سيتم اعتماده في الانتخابات النيابية المقبلة عام 2009؟.. هل قانون عام 1960 الذي يرتكز على القضاء الإداري في توزيع الدوائر الانتخابية؟ أم قانون عام 2000 الذي يوجد إجماعا لبنانيا نسبيا على أنه لم يتناسب مع تطلعات معظم الفئات؟ أم قانون عام 1960 بعد إدخال بعض التعديلات عليه كما تشترط الموالاة لاعتماده؟
ويكمن الفارق بين قانون الانتخاب الموضوع عام ..1960 ونظيره الموضوع عام ،2000 في أن الأول يعتمد دوائر انتخابية صغيرة هي الأقضية (المحافظة تتكون من عدة أقضية)، بينما الثاني هو نظام مختلط يعتمد على المحافظة في بعض الدوائر القضائية كدائرة واحدة مثل دائرة محافظة الشمال، التي حصتها من النواب 27 نائبا، وبالتالي يتم التصويت على المرشحين في هذه الدائرة الكبيرة أيا كان عددهم من قبل كل سكان المحافظة، ويفوز بالمقاعد أعلى 27 مرشحا حصولا على الأصوات. كما يضم قانون 2000 أيضا دوائر صغيرة على مستوى القضاء مثل دائرة كسروان بجبل لبنان التي تضم 7 نواب فقط.
ويرى المحللون السياسيون اللبنانيون أن توزيع الدوائر الانتخابية وفق قانون عام 2000 المختلط (المحافظة - القضاء) تم عمله ليفيد جميع الزعماء السياسيين الموجودين على الساحة، لكن المشكلة فيه أن المسيحيين الذين لهم وفق القانون نصف أعضاء البرلمان (64 نائبا) ينتخبون من قواعد شعبية مسلمة سواء أكانت سنية أو شيعية.
ولذلك من المتوقع أن يطالب المسيحيون في لبنان بالعودة لقانون الانتخاب الموضوع عام ،1960 الذي يعتمد نظام الدوائر الانتخابية الصغيرة، حتى يتم انتخابهم وفق قواعد شعبية مسيحية، ولا يتحكم في انتخابهم المسلمون، وهو ما يجبر بعضهم على إقامة تحالفات مع المسلمين قد يكونون غير راغبين فيها.
وبحسب مراقبين فإن الموالاة من مصلحتها اعتماد قانون عام 2000 لأنه يؤمن فوز عدد من النواب الموالين لها بسهولة، خاصة تيار المستقبل في كل من محافظتي بيروت والشمال في حين أن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط ينبغي أن يتعاون مع حزب الله في دائرة (بعبدا - عالية) حيث يوجد اختلاط درزي شيعي هناك.
وفي السياق ذاته، فإن الجماعات الإسلامية السنية في لبنان قد تشهد حالة استقطاب حادة تعيد رسم أجندتها بعد سيطرة مقاتلي حزب الله بشكل مؤقت على العاصمة بيروت ومحاصرتهم مقار تيار المستقبل في إطار الأزمة السياسية التي اندلعت بين الطرفين.
فقد بدت الجماعات السنية المؤيدة لحزب الله - في مقدمتها جبهة العمل الإسلامي وحركة التوحيد - متمسكة أكثر بـ«التحالف» مع حزب الله في تحركه الأخير، الذي اعتبرته انقلابا لإعادة تصحيح مسار الحكومة التي ترتمي بأحضان المشروع الصهيو/أمريكي بالمنطقة من وجهة نظرهم.
والواقع أن هذه التحالفات تكتسب قوتها في ظل الصراع السياسي القائم في لبنان، من خلال فكرة «شرعية المقاومة» حيث سعى حزب الله إلى توسيع دائرة المقاومة وقد استفاد أيما استفادة من «سرايا المقاومة» والتي هي بمثابة تشكيل من المتعاطفين مع الحزب يضم عناصر سنية وشيعية ومسيحية كلها تتكتل خلف فكرة «المقاومة» ويدعمها الحزب سياسيا وعسكريا، من خلال تدريب وتسليح عناصرها. وليس أدل على قوة هذه التحالفات التي تقيمها بعض الحركات الإسلامية السنية مع حزب الله من أن أيا منها لم يستنكر ما فعله الحزب في العاصمة بيروت، ولم يبد أي منها الاعتراض.
بالمقابل، فإن الجماعات السنية التي كانت تختلف مع حزب الله عقائديا وسياسيا، وأبرزها الجماعات السلفية، بدت أكثر قربا من الحكومة، برغم أنها تعتبرها «علمانية»، وفي الوقت نفسه أكثر حدة إزاء التعامل مع الحزب بعد أحداث بيروت؛ حيث بدأ بعضها في الاتجاه لأول مرة نحو العمل العسكري والتعبئة لمواجهة ما وصفته بـ«انقلاب شيعي» يستهدف تحويل لبنان لدولة ولاية الفقيه.
وكان قد جرى حديث عام 2007 حول إمكانية تسليح السنة في لبنان، من قبل شخصيات في تيار المستقبل، وذلك في أعقاب الإضراب العام الذي نفذته المعارضة وكان هدفه تطويق بيروت، وقد كان للمعارضين ما أرادوا، لكن هذا الحديث انتهى إلى تسليح مجموعات صغيرة غير إسلامية، من أجل حماية القادة، كما تم التعاقد مع شركات أمنية أجنبية لحماية الممتلكات، وتم تسليح بعض شباب الأحياء، كل ذلك بعيدا عن الحركات الإسلامية.
ويؤكد بعض خبراء الأزمات الدولية أن حالة هذه الجماعات التي اختلفت مع حزب الله، شهدت الكثير من التردي والذي كان من أهم نتائجه فشل «مشروع المستقبل» على الأرض في حماية الطائفة السنية، ومما يبرهن على ذلك أنه في أعقاب الأحداث الأخيرة شوهدت عناصر من تيار المستقبل وهم يحتجون ضد قيادة تيار المستقبل .
أما الجماعات التي تعتبر محايدة في الصراع بين الحكومة والمعارضة، مثل الجماعة الإسلامية (إخوان لبنان)، فصارت أكثر ميلا لتيار الأغلبية، وأكثر انتقادا لحزب الله، مع إصرارها في الوقت نفسه على أن ما يجري أزمة سياسية، وليس صراعا سنيا/ شيعيا.
وإذا كانت حالة الاستقطاب الحادة بين الجماعات السنية قد شكلت معلماً أساسياً من معالم التأثيرات السلبية لما قام به حزب الله في بيروت، فإن حالة الاستقطاب هذه لا شك أنها تزداد حدة عند إثارة قانون الانتخابات وأي القانونين سيتم العمل به. ومن هنا يمكن القول أنه من المتوقع في أي قانون انتخابي سيتم التوافق عليه أن تتغير خريطة التحالفات السياسية القائمة الآن، وسيكون هناك شكل ما من أشكال الفرز السياسي الجديد، وذلك تبعا لما سيكون عليه القانون الانتخابي الجديد، وتبعا أيضا للتغيرات الديمغرافية بين المناطق اللبنانية.

  رجوع