تبدو الأجواء مواتية للحديث
عن عملية التشكيل الدائرة الآن للفكر الاقتصادي تأثرا
بدروس الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وكما هو معروف
فان علم الاقتصاد المعاصر كان طوال الوقت ابن الأزمات ولو
أن بعض نظرياته الحديثة قد تولدت في خضم موجات ازدهار شديد
ولكنها وللغرابة كانت بالضبط موجات الانتعاش التي أدت إلى
انهيارات حادة أو شهدت لحظة « مينسك» قاتلة وسنشرح لاحقا
معنى تلك اللحظة. لقد نشطت دور النشر العربية ونشط
الناشرون لترجمة أو تعريب أمهات الكتب الأجنبية التي صدرت
عن الأزمة المالية ليتعرف القارئ العربي على ما يدور في
ساحة الفكر العالمي بل وليتأمل أيضا فيما يقال الآن من أن
الأزمة المالية ذاتها جاءت بالأساس على خلفية غياب الفكر
الاقتصادي الجدير بهذا الاسم مثلما نتجت عن أزمة الرهون
العقارية الرديئة والمنتجات المالية السامة. وقد صدرت في
القاهرة وستصدر توا في أوقات متقاربة أربعة كتب بالغة
الأهمية على هذا الطريق كان أولها عن خرافة العولمة وإعادة
اختراع العالم وهو ذو منحى يساري في تحليل الازمة ويحاول
أن يضع لبنات لعولمة بديلة أكثر إنسانية وعدالة وصدر أيضا
كتاب الأزمة المالية العالمية وخرافة السوق الكفء وقد قام
بتقديم هذا الكتاب وزير الاستثمار المصري الدكتور محمود
محيي الدين وهو يدور حول عدم صحة ما قيل من قبل عن ان
الأسواق هي الأقدر على تسعير أي منتج بما يتوفر فيها ولها
من مقومات ومعلومات وتنظيمات وأن الأسواق قادرة على التجدد
وعلى تصحيح نفسها بنفسها لتعود إلى ذات الكفاءة بعد كل
دورة هبوط أو تأزم.
وقد صدر في القاهرة أيضا واحد من أكثر الكتب الاقتصادية
رشاقة وغرابة لأنه عبارة عن رواية باسم (إنقاذ ادم سميث)
أبطالها افتراضيون لكنها تعيد بدقة تمثيل حياة وأفكار
وأراء آدم سميث الملقب بأبي الرأسمالية المعاصرة (صاحب دعه
يعمل دعه يمر) بوقائع وعبارات صحيحة بحيث تكشف كيف تم
اختطاف هذا المفكر الانساني الفذ وتشويه أفكاره وهو الذي
حرص على التأكيد في كل كتبه على وجوب الربط بين الأخلاق
والأسواق لكن الرأسماليين تركوا كل ذلك وتمسكوا بأهداب ندف
منتزعة وردت في كتاب واحد من كتبه وهو « ثروة الأمم» تخدم
سعيهم إلى أسواق منفلتة وتناسوا بقية أفكاره وبقية كتبه.
وقد تمت ترجمة هذا الكتاب ضمن المشروع القومي للترجمة بمصر
وقدم له الدكتور جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد المعروف
بجامعة القاهرة وكان قد اكتشف أهمية الكتاب لدى صدوره
وخلال زيارة له لأمريكا عام 2002م وظل يسعى لترجمته إلى أن
تحقق الأمر وجاء في وقته تماما بحيث يظهر لمن يقرأه انه
مكتوب لكشف الأسباب الحقيقية للازمة العالمية الراهنة
وستدور حول «سميث» مناقشات مفتوحة خلال الأيام المقبلة.
سيصدر وشيكا أيضا كتاب للعالم من أصل آسيوي «الدكتور
محبوباني» بعنوان «الصعود الآسيوي» وهو يستشرف أسباب
ونتائج بروز آسيا كقوة اقتصادية كبيرة ويتأمل مستقبل
التكتلات مستقبلا وقد قدم له أيضا الوزير الدكتور محمود
محيي الدين وسيصدره المجلس الأعلى للثقافة بمصر. كان أكثر
ما لفت نظري خلال أمسية لإطلاق كتاب «خرافة السوق الكفء»
بقصر الأمير محمد علي بالمنيل (حي بالقاهرة) منذ أيام أن
توليفة الحاضرين كانت غريبة وشملت طيفا يمتد من الكاتبة
الاجتماعية اللامعة الأستاذة سناء البيسي إلى الدكتور
عبدالمعطي بيومي أستاذ أصول الدين بالأزهر الشريف مرورا
بأساتذة الاقتصاد والاجتماع السياسي ورجال المال والبنوك
وطلبة الدراسات العليا والسفراء السابقين والاعلاميين وقس
على ذلك وقد شعرت أن النخبة المصرية –وأظن أن العربية
مثلها– عادت لتصبح أكثر حرصا على فهم ما يدور على ساحة
الاقتصاد المحلي والعالمي مدفوعة بالأزمة الأخيرة وبعد أن
ظل مثقفون من العيار الثقيل جنبا الى جنب مع صحفيين كبار
أو صغار يرددون دون كلل وفي كل مناسبة: «أصلي والله ما
بحبش الاقتصاد» أو «أصل الاقتصاد دمه تقيل وما بافهمش فيه»
ولم يكن هذه هو حال النخبة في زمن ما بعد ثورة 1919 م وحتى
منتصف سبعينات القرن الماضي. لقد قلت في عقلي إن أحد ما
كان يجعل لنا صيتا كمحررين اقتصاديين انه كان ينظر إلينا
أيا كان مستوانا باعتبارنا مجيديدن فقط لأننا نستطيع أن
نفك ما يعتبره الساخرون طلاسم اقتصادية. الآن يسعى الكل
إلى الفهم والتعرف وسيزيد ذلك من صعوبة مهمتنا كمحررين إذ
سيصبح لدينا جمهور فاهم ولن يكون إرضاؤه سهلا. المهم أن
المناقشات التي دارت حول الكتاب بينت أن شيئا جديدا يتخلق
على صعيد الفكر الاقتصادي وان من المهم لنا كعرب ان نتفهمه
بل وان نشارك فيه وذلك لان الأزمة طالت وتطال الجميع. وفي
سجال بين الحاضرين قال خبير تأمين بارز: إن الأزمة لا تلغي
عقودا طويلة من الرفاهية في الولايات المتحدة وان الناس
عادوا لشراء منازل وبأسعار منخفضة أي أنهم استفادوا كما أن
الأسواق تتجه لتصحيح نفسها والعودة إلى الصعود وكان رديا
أن السؤال الأهم دائما هو ما ثمن التصحيح ومن الذي يدفعه.
لا يمكن مثلا أن تقوم حرب أهلية في بلد مأزوم اقتصاديا
فيموت عشرات الملايين من سكانه ثم تهدأ الحرب وتبدأ عملية
عمران لتعويض ما انهدم ويتحسن الاقتصاد وكذا توزيع الدخول
(أيضا بسبب نقص السكان) ثم يأتي لنا اقتصادي ليعتبر ذلك
تصحيحا للأسواق كأولئك الذين ينظرون إلى الحرب العالمية
الثانية كمجرد أداة للتصحيح بغض النظر عن عشرات الملايين
الذين راحوا ضحيتها وقد انبرى وزير الاستثمار ليقول ان من
سمات الأزمة أن الذين يدفعون ثمنها غير الذين صنعوها ولو
كان من يدفع الثمن هو من صنع الأزمة لما كانت هناك مشكلة
–واحد عمل خطأ وصحح غلطه خلاص براءة- وأضاف الوزير إن مصر
والدول النامية تحذر في كل محفل دولي من آثار التضخم الذي
يزيد في الدول صانعة الأزمة بسبب زيادة عجز الموازنات هناك
الناجم عن خطط التحفيز لان هذا التضخم ينتقل إلينا فيما
نستورده من طعام أو سلع وسيطة أو معدات وهذا مثل يبين
التشابكات العجيبة التي تصنعها الازمات وكيف يدفع آخرون
الثمن بل وقال ساخرا من المؤكد أن من بين من أضيروا من
الأزمة من الناس العاديين في مصر أو غير مصر من لا يعرف
ليمان برازر ولا يعرفون شيئا عن سقوطه حتى هذه اللحظة.
تأكد أيضا في اللقاء أن العالم يعود ليرد الاعتبار
للاقتصادي مينسكي الذي قال: إن الأزمات هي نتاج حتمي
للرأسمالية والسوق الحر وأكد أن كل انتعاش تعقبه لحظة
انهيار (أسميت لاحقا باسمه) يصعب دورة بعد أخرى التنبؤ
باقترابها لكنها تصيب الأسواق بالشلل التام حتى قبل أن
يبدأ المتعاملون في الهرولة وان يصابوا بالذعر. كان مينسكي
كينزيا أو شبه اشتراكي لكنه كان يريد للاقتصاد أن يكون
علما واقعيا فالتسليم بحتمية الأزمة يجعل من الواجب وضع
آليات أقوى للرقابة والحد من المضاربات وأدوات لنشر
المعلومات بأمانة والتنبؤ والمواجهة والأهم توزيع عبء
التصويب بنزاهة وعدالة. هذا هو الطريق الشريف الذي يجب أن
يسلكه أي ليبرالي حقيقي. إن من الزيف المفضوح استمرار
ارتكاب الجرائم والمخالفات والتضليل والتلاعب وإخفاء
الحقائق والمعلومات والقول بمناسبة وبدون إن الأزمة –أي
أزمة– غلطة وفاتت ولن تتكرر وان الأسواق ستصحح نفسها. ليست
هناك قوى خفية في مجال صناعة الأزمة فالمجرمون معروفون
وليست هناك أيضا قوى خفية في تصحيحها فمن يدفع الثمن معروف
ولذا فاللعب على المكشوف أكرم للجميع.