جلالته حيا ثقافة العمل التي تأسست لدى المواطن العماني وتقبله لكافة أنواعها
ثقافة العمل السياحي .. بين الأمس واليوم 1-2
طموحات برؤية عصرية تجاوزت أفكارا عفا عليها الزمن
صناعة عالمية تمتزج في نسيج مختلف قطاعات المجتمع

استطلاع/ عبدالله الخايفي - ربيعة الحارثي - آمال الحارثي
تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم –حفظه الله ورعاه- خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء مطلع مايو الماضي- وأبدى ارتياحه لسير العمل في القطاع السياحي مؤكدا جلالته على اعطاء الاولوية القصوى للشباب العماني والشابات العمانيات في فرص العمل , وقد حيا جلالته ثقافة العمل التي تأسست لدى المواطن العماني وتقبله لكافة انواعه حيث اصبحت واقعا ملموسا في شتى مناحي الحياة وذلك بفضل تضافر جهود الحكومة والمواطنين معا مؤكدا جلالته على اهمية ربط مخرجات التعليم بمتطلبات التنمية وسوق العمل وذلك من اجل تمكين المواطن العماني من المنافسة الشريفة على التأهل والالتحاق بسوق العمل بالقدرة والكفاءة المطلوبة.
وقد جاءت التحية من لدن المقام السامي لثقافة العمل التي تأسست لدى المواطن العماني وساما تعتز به القوى العاملة الوطنية التي قطعت مشوارا كبيرا وتجاوزت مراحل مهمة خلال العقود الثلاثة الماضية وخاصة في السنوات العشر الماضية التي تضافرت فيها جهود الحكومة والقطاع الخاص والمواطنين وشهدت مؤتمر الاستراتيجية الوطنية 2020 وقافلة ندوات تشغيل القوى العاملة الوطنية التي جابت عددا من مناطق السلطنة..
ولا شك ان ثقافة العمل التي تأسست لدى الموطن العماني وحظيت بتحية جلالته ورضاه تمثل ثمرة لكل هذه الجهود مجتمعة ولبنة اساسية نحو ترسيخ هذه الثقافة الحضارية في شتى مناحي الحياة عندما تمكنت السلطنة من التغلب على بعض الافكار التي كانت سائدة نتيجة رؤية وهمية خاطئة تجاه بعض الأنواع من الأعمال تم تجاوزها خلال السنوات الماضية واصبح الشباب والشابات يتواجدون في مختلف مواقع العمل .
وقد كان القطاع السياحي حجر زاوية بناء ثقافة العمل لدى المواطن العماني وتقبله لكافة انواعه متجاوزا ذهنيات عفى عليها الزمن في التعاطي مع المتاح من الفرص الوظيفية في سوق العمل.
وقد كان للطفرة في المشروعات السياحية التي تشهدها السلطنة دور مهم في فتح الابواب مشرعة امام المواطنين لاقتناص فرص العمل في القطاع السياحي الذي يعتبر صناعة عالمية حديثة تحقق انتشارا واسعا ومداخيل كبيرة تعزز من الدخل القومي ويتداخل عملها في نسيج مختلف القطاعات فتفرض تأثيرها على الجميع وتتطلب بالتالي فريقا كبيرا من العاملين لتقديم خدمات واسعة ومتنوعة ومتكاملة الامر الذي اوجد حاجة لنوعية متخصصة من القوى العاملة الوطنية في مختلف مجالات العمل السياحي فكان الاقبال من الشباب العماني والشابات العمانيات نحو التأهيل والتدريب في وظائف جديدة لم يجربنها من قبل اثمر عن ثقافة عمل جديدة .
ولأن السياحة اصبحت قطاعا صناعيا مهم جدا للسلطنة بما تملكه من مقومات سياحية كثيرة ومواقع أثرية وطبيعية تميزها عن الدول الأخرى فقد اولت اهتماما كبيرا لبناء أجيال مؤهلين للعمل في هذا المجال في الوقت الذي سعت فيه الى تحسين جودة الخدمات السياحية في مختلف مجالاتها فضلا عن توعية المجتمع بأهمية هذه المجالات وجودة الوظائف المقدمة والعمل على تحسين القطاع وتطويره كونه مصدرا من مصادر الدخل.
«عمان» تسلط الضوء من خلال هذا الاستطلاع الذي ننشره في حلقتين على ثقافة العمل في القطاع السياحي ومراحل تطور هذه الثقافة من خلال تجارب عدد من الشباب والشابات العمانيين العاملين في هذا القطاع ومسؤولين عن التدريب والتأهيل في تخصصات القطاع السياحي مستشرفين آفاق مستقبل العمل في هذا القطاع الواعد.
بداية التقينا توفيق بن محمد العجمي مدير المبيعات والتوظيف في المعهد الوطني للضيافة الذي اوضح أنه في بداية افتتاح المعهد عام 1995 واجه فريق العمل صعوبة في إقناع الشباب العماني بالعمل في القطاع الفندقي والسفر والسياحة وذلك لغرابة وصعوبة الفكرة لدى الشباب آنذاك ولذلك سعوا منذ البداية إلى محاولة تغير هذه الفكرة والعمل على إيصال المعنى الصحيح للسياحة والضيافة. وقال: رغم كثرة المشاريع التي تدعم القطاع السياحي حاليا إلا انها ما زالت تعاني من عزوف بعض الشباب ولكن بنسبة ضئيلة فنظرة الشباب العماني للعمل تغيرت والبعض منهم اصبح يلتحق بالمعهد للحصول على تدريب وبعد ذلك يحصل على فرصة التوظيف بسهولة في احد الفنادق. ووجه نداء للشباب العماني باغتنام الفرص حيث ان الحكومة تسعى لتطوير الموارد البشرية وتقوم بدفع تكاليف التدريب فالمعهد يضمن الوظيفة لكل خريج او متدرب من المعهد. واوضح انه قد لوحظ عزوف بعض الطلبة عن العمل كنادل طعام ويرجع السبب إلى خجل البعض في تقديم الطعام والمشروبات للاخرين بالمقابل فإن هناك إقبالا شديدا على تخصص إعداد الطعام والطهي من قبل الطلبة أما الطالبات فيشكلن النسبة الاكبر في دورة السفر والسياحة وذلك لسهولة العمل.
وحول الرواتب في القطاع السياحي فشدد على ضرورة اعادة النظر من قبل المنشآت السياحية من ناحية الرواتب ويعتقد انها غير كافية. وأضاف ان هناك محاولة لتشكيل شراكة بين المعهد ووزارة القوى العاملة للمساهمة في زيادة نسبة التعمين وإعادة النظر في الرواتب وقال ان تقديم بعض التسهيلات كتوفير اماكن الاقامة وعمولة خدمة العملاء يحفز الشباب العماني للعمل في هذا القطاع.
مشيرا الى قيام المعهد ببحث بالتعاون مع وزارة السياحة يناقش المشاريع القائمة وعدد الوظائف الشاغرة فوجدا ان هناك عددا كبيرا من الوظائف الشاغرة وهم يسعون الى توضيح وتكوين آلية جديدة لامكانية توظيف اكبر عدد من الخريجين. واوضح ان المعهد يطمح لطرح برامج جديدة وهناك محاولة لتحويل المعهد الى كلية بالتعاون مع جامعة بريطانية مختصة بالسياحة.
شريفة البلوشية متدربة بالمعهد الوطني للضيافة تخصص سفر وسياحة كانت تعمل موظفة استقبال في معهد تدريب راودتها فكرة التدريب في معهد الضيافة لترتقي بمستقبلها الوظيفي بتحريض من شقيقها الذي سبق وان تدرب في المعهد نفسه وكان له شانه في حصوله على وظيفة جيدة فتلقت الدعم والتشجيع واتخذت القرار واجتازت الامتحان والمقابلة بنجاح في مجال السفر والسياحة رغم انها لم تكن مقتنعة بهذه الدراسة. ولكن بعد حين تقول: ان المعهد وفر لها فرصا ودورات كثيرة للتطور في هذا المجال كما قام بتأمين العمل بشركة للسفريات. وذكرت أن الفكرة السلبية تجاه العمل في هذا المجال تغيرت بعد الدراسة والانخراط في العمل رغم بعض الصعوبات التي تلاشت بمساعدة الاساتذة والمدربين مبدية تشجيعا كبيرا للشباب العمانيين والشابات العمانيات للعمل في مجال القطاع السياحي لأنه عمل جيد جدا ومختلف عن بعض الوظائف حيث يمكن من خلاله التعرف والتعامل مع وجوه مختلفة وثقافات متعددة.
فهد البلوشي تنفيذي مبيعات بالمعهد الوطني للضيافة خريج المعهد نفسه في تخصص استقبال فندقي قال: إن البعض في المجتمع العماني لم يكونوا متقبلين في الماضي فكرة العمل في السياحة ولكن مع تطور مجالات السياحة وزيادة فرص العمل بها بدأت نظرة الناس تتغير وتتطور بشكل ايجابي تجاه التخصص. وأضاف: عند بداية عمله بهذا المجال واجه بعض الصعوبات ولكن بامتلاكه الهمة والرغبة بتعلم المزيد في هذا المجال ببساطة استطاع أن يحقق النجاح في مختلف المهارات ككيفية كتابة التقارير والترحيب بالضيوف وتعلم النظام وكيفية احترام الزملاء والمكان ومهارات التعامل مع الزبائن من مختلف الجنسيات. أما عن العائد المادي فهو راض عنه حيث حقق له الاستقرار الوظيفي. واكد أن الشباب العماني يجب أن يخوض ويدخل في مجال السياحة لأنه يبشر بمستقبل كبير جدا. أما عن طموحه فيتمنى أن يصبح في منصب مدير مبيعات ويواصل الدراسة في مجال الفندقة والسياحة ليدير فندقا سياحيا خاصا به.
أحمد المعشري سائق بفندق قصر البستان خريج ثانوية عامة اعتبر أن العمل بالقطاع السياحي من الأعمال التي تحقق التميز والنجاح والاستقرار الوظيفي وقال: ان العمل في هذا المجال هو عمل يتطور بشكل دائم ومن خلاله يكتسب الفرد مهارات في مجالات مختلفة وثقافات متعددة الجنسيات.
من جانبها قالت نملة النعمانية موظفة استقبال بقسم ترتيب الغرف بفندق قصر البستان أن القطاع السياحي هو الطريق الذي يأخذ الفرد إلى سبيل النجاح والرقي والتميز وأضافت إن العمل في هذا المجال يقدم خدمات وإمكانيات ويساهم في تنمية الشباب العماني بمختلف المهارات لخدمة الوطن.
ويرى ماجد العبيداني مدرب فندقي ومنسق التدريب العملي للطلبة بكلية السياحة أن هنالك تزايدا كبيرا في عدد الطلاب بالكلية بالوقت الحالي يصل إلى أكثر من ألف طالب وطالبة بينما كان في السابق لا يتجاوز عدد المتقدمين ثلاثمائة طالب. وأضاف أن سكان المناطق السياحية يتقبلون تخصص السياحة وذلك لمعرفتهم بأهمية السياحة نظرا لتوافد السياح على مناطقهم وتواصلهم الايجابي معهم. بينما أغلبية السكان من المناطق الاخرى من الصعب أن يتقبلوا هذا التخصص ويقترح أن تقوم المدارس بتوعية الطلاب بمفهوم السياحة وتوفير حلقات عمل عن السياحة لكي يتخرج الطالب من المدرسة بوعي ايجابي حول مفهوم السياحة. وأكد أن طموحه هو إكمال دراسته في مجال تخصصه والرقي والمساهمة لخدمة وطننا الغالي وبناء الكوادر العمانية لخدمة السياحة بالسلطنة.
و تشير نجلاء الشيدية محاضرة بكلية السياحة الى أن الثقافة السياحية لدى أغلبية المجتمع لا تزال ثقافة ضيقة رغم المشاريع السياحية والانفتاح على المجال السياحي وقالت ان الفكرة الخاطئة في عدم تقبل المجتمع العماني للعمل في قطاع السياحة هو العائق الوحيد لدى الطلاب حيث أن العجز عن فهم القطاع بالصورة الصحيحة يؤدي إلى نفور الأهالي عن هذا القطاع رغم ان هناك تقدما في هذا الجانب وتغييرا ايجابيا ملحوظا،وذكرت إن مجال السياحة مجال متطور بصورة سريعة وواضحة ولكن نقص التوعية والاهتمام بالقطاع هو ما يفتقر اليه مجتمعنا، وشددت على ضرورة الاهتمام بالتوعية ومحاولة توضيح أهمية السياحة للناس، وتوصيل المصطلح السياحي الحقيقي بصورة واضحة من قبل الجهات المختصة كوسائل الإعلام بأنواعها، وإعطاء الأولوية للسياحة والتأكيد أن السياحة تخصص كباقي التخصصات الأخرى له ايجابيات وسلبيات وعن طموحها ذكرت أنها تتمنى أن تواصل دراساتها العليا وأن ترتقي إلى مكانة عالية في مجال تخصصها.
وبدورها ذكرت فوزية الحبسية مدربة فندقية بكلية السياحة أن السياحة من وجهة نظر المجتمع لا تزال محصورة في الفنادق وما يتعلق بها من بعض جزيئات العمل في الحانات. وأضافت أنها في بداية عملها قامت بإقناع الطلاب بالسياحة وعن مفهومها الصحيح. كما تقوم الكلية بالتوعية والتشجيع والترويج للسياحة. وذكرت أن السياحة تشمل الضيافة وهي شيء تعودنا عليه في أساليب التعامل مع الضيف وهو شيء ملموس في مجتمعنا, كما أنها تشمل المكاتب الامامية «الاستقبال» والمطاعم والفندقة والمواصلات والخدمات وغيرها حيث تتداخل في مختلف قطاعات المجتمع وبدون هذه المجالات لن تكون هناك سياحة. وقالت ان الوظائف غير مرتبطة بالفنادق فقط وإنما تشمل المستشفيات والمطارات ومكاتب الطيران وغيرها من مواقع العمل مؤكدة ان الرواتب في القطاعات السياحية مجزية خاصة في مجال الطبخ والتغذية والخدمات فتخصص الطبخ مثلا الذي كان البعض يتردد في دخوله خريجوه مطلوبون بكثرة مشيرة الى ان احدى السفن مثلا كانت قد طلبت شيفا براتب يصل الى 1800 ريال .وقالت ان هناك تطورا في التوعية بأهمية السياحة والعمل في قطاعاتها المختلفة فاعداد الطلبة والطالبات الدارسين للتخصصات السياحية تزداد ووعي الاهالي يتغير ايجابيا ولديهم الاستعداد لمعرفة اهمية السياحة مؤكدة على ضرورة ايلاء المزيد من الاهتمام بالقطاع السياحي من خلال وسائل الإعلام المختلفة وإعداد برامج خاصة وملحقات خاصة للتوعية بمفهوم السياحة وايجابياتها .
والتقينا بدر الهنائي نائب مدير مبيعات بفندق جولدن توليب السيب خريج جامعة السلطان قابوس بدأ مسيرة عمله في السفير لمدة خمسة أشهر كمنفذ مبيعات وحصل على الترقية خلال ستة أشهر بعدها فضل الانتقال بعد فترة اعتبرها لكسب الخبرة إلى جولدن توليب باعتباره شركة عالمية عالية المستوى, يقول: فضلت العمل في مجال السياحة وخصوصا قطاع الفنادق لأنه قطاع متطور فمن خلال العمل تستطيع أن تكسب علاقات عامة خلال تعاملك مع الآخرين وذكر أن العمل بفندق السفير كان أول فرصة للعمل لكسب الخبرات والمعرفة. ويقترح زيادة عدد الكليات والمؤسسات التي تهتم بالسياحة وتوفير المزيد من الدورات التدريبية ومحاولة تغيير نظرة الناس السلبية للسياحة والأعمال الفندقية.
وفي لقاٍء اخر قال سعيد بن مسلم الأبروي منسق مبيعات وشؤون الطلاب أنه دخل إلى مجال السياحة كوظيفة وبعدها أحب العمل في هذا المجال وانغمس فيه كما قال أن معنى السياحة والضيافة غير واضح وأن العمل في الفندق شيء غير مقبول لدى البعض ولكن مع الاستمرارية والانغماس في العمل يمكن أن تدرك المعنى الواضح للضيافة. وأوضح أنه من خلال العمل في هذا المجال يمكن للموظف أن يكتسب العديد من اللغات نتيجة تواصله مع مختلف الجنسيات وكذلك من خلال الدورات التدريبية التي يوفرها المعهد وذكر أنه وجد صعوبة في تقبل أوقات العمل ولكن مع الوقت تأقلم مع الوضع. أما عن دخله فهو راض عنه ومنه حقق الاستقرار الوظيفي. واقترح ضرورة التوعية بالمفهوم الحقيقي للسياحة وتقبل العمل فيه لأنه من أكبر المجالات التي تؤهل وترقي الفرد إلى المستويات العليا.
كانت تلك نماذج لتجارب عدد من الشباب العمانيين والشابات العمانيات من المسؤولين والعاملين في بعض مجالات القطاع السياحي الذين ساهموا في تأسيس ثقافة العمل في هذا القطاع والتي اصبحت واقعا ملموسا ..في الحلقة المقبلة نتعرف على تجارب اخرى في مواقع جديدة من مجالات العمل السياحي ورؤيتهم حول مستقبل العمل في هذا القطاع الواعد.