بكين ــ احمد باتميرة
جاءت مشاركة السلطنة في دورة الألعاب الأولمبية التاسعة
والعشرين المقامة حاليا في العاصمة الصينية بكين (وهي
المشاركة السابعة في دورات الألعاب الأولمبية) متواضعة
رياضيا وناجحة اداريا، حيث خرج الرياضيون من التصفيات
الأولى، ولكن هناك رضاء تام عن ادائهم لكونهم يشاركون لأول
مرة والبعض منهم حطم رقمه الشخصي في هذه الدورة الاولمبية.
فقد انهى السباح محمد الحبسي 100 متر صدر والعداء عبدالله
الصولي 100 متر عدو والعداءة بثينة اليعقوبية 100 متر
والرامي الله داد البلوشي مشاركاتهم في الدورة بتحقيق
الحبسي والصولي نتيجة ايجابية بتحطيم ارقامهم ، وهذا يعد
مكسبا في الاولمبياد، ولا يعني خروجهم من التصفيات فشلا
ذريعا ، او انهم فشلوا فتحقيق ما هو مطلوب منهم ، بل هناك
رضا عن ادائهم ومستواهم (لصغر سنهم) في هذه الاولمبياد
وهذا يتطلب الاهتمام بهم واستمرارهم وصقلهم للبطولات
القادمة. لأن لديهم الامكانيات والقدرة على فعل أي شيء اذا
وجدا الاهتمام الكافي والاعداد القوى.
فالسباح الحبسي ، كان واثقا من نفسه ، قبل المشاركة في
منافسات 100 متر صدر ، وهذه الثقة اعطته الدافع لتحطيم
رقمه الشخصي، وكان أداؤه جيدا في السباق منذ البداية وحتى
النهاية، وبعد النتيجة التي حققها واصل تدريباته قبل
العودة لمسقط مع مدربه الوطني «اشرف الحربي» استعدادا
لبطولة الخليج القادمة في ابوظبي. مما يدل على انه يتطلع
وينظر للمستقبل بتفاؤل كبير. على امل ان يحقق ميدالية في
بطولة الخليج القادمة.
وكان السباح محمد الحبسي قد أعلن قبل بدء المنافسات
الاولمبية: انه لم يأت للمنافسة مع ابطال العالم ، بل لكسب
الخبرة وتحطيم رقمه ليس الا، والمشاركة في الاولمبياد لكسب
الخبرة والاحتكاك، والاطلاع من خلال متابعته للسباحين
العالميين امثال الامريكي «فيلبس» على طرق التدريب
والسباحة وكيفية الانطلاقة وغيرها الكثير.. وقال: هذا لا
يعني عدم الحرص على المنافسة، بل المنافسة والآمال موجودة
وستأتي من خلال كسب مزيد من الخبرة. وقال:لا تتعجلوا علينا،
فانتظرونا، والمشاركة في الاولمبياد هو الانجاز الاول،
والانجاز القادم سيكون في البطولات والمنافسات الخليجية
للناشئين وكذلك العرب.
ورغم هذه النتيجة، الا اننا في حاجة ماسة لنجوم آخرين في
السباحة، فلا يعقل ان نكون اصحاب تاريخ بحري ضارب الجذور،
وشواطئنا ممتدة لمسافة شاسعة ولا نستطيع ايجاد سباح عملاق.
ولكن المؤسف ايضا انه لا يوجد لدينا حوض سباحة اولمبي
مكتمل وعلى اعلى المواصفات الاولمبية وبه ماء حار للشتاء..!.
فيما خرج العداء عبدالله الصولي بعد انتهاء من سباق 100
متر عدوا، سعيدا للغاية لتحقيقه رقما جديدا له وفي أول
مشاركة أولمبية، وضمن اصعب المجموعات لسباق 100 متر، وهذا
يدل على ان العداء كان له هدف من هذه المشاركة، وهو تحطيم
رقمه ورقم السلطنة ، ولولا تأخره في الانطلاقة لكان حقق
رقما افضل. ومع ذلك جاءت المشاركة ايجابية وهذا ما أكده
مدربه الاوكراني ديمتري الذي اشاد فيه وكذلك أمين سر
الاتحاد الدكتور منصور الطوقي، فالعداء الصولي عانى من
إصابة عام 2007 ، وهذا العام بدأ يتدرج في التدريب حتى وصل
لهذا الرقم الذي حققه وهو 10,53 ثانية ، وبالتدريب المستمر
والاعداد الفني القوي والمدروس يمكن ان يكون لدينا عداء
جيدا في الفترة القادمة. ويكفي انه حطم رقمه وحقق المركز
الخامس في مجموعته.
فالصولي وغيره من نجوم ألعاب القوى الشباب الموجودين ضمن
المنتخب الوطني في حاجة لمدربين متخصصين وادخال بعض
المسابقات للاتحاد التي يمكن ان نجد من بينها (بطل اولمبي)
والتركيز على صغار السن في المرحلة القادمة ولمدة تتراوح
مابين 5 سنوات حتى 10 سنوات حتى يكون لدينا قاعدة كبيرة
وقوية من العدائيين والرياضيين ، فلا يعقل ان يكون الاتحاد
قائما على الاشراف على مجموعة قليلة من اللاعبين، وهم
الذين يمثلونه في كل البطولات والاعمار، والبلد تمتد
مساحتها من ظفار الى مسندم وبها العشرات من الاندية، ويمكن
إضافة العشرات من الشباب لهذه المنتخبات اذا عمل الاتحاد
في هذا الاطار وخرج من قوقعة المساحة الضيقة التي عمل بها
خلال الفترة الماضية وتركيزه على مجموعة من العدائين لا
يتعدون اصابع اليد الواحدة وفي مسابقات محدودة فقط 100 متر
و200 متر والتتابع خلال العشر السنوات الماضية.
فالسلطنة زاخرة بالشباب والمواهب التي تحتاج من الاتحاد
فقط اقامة البطولات لهم في كل ارجاء السلطنة ومتابعة كل
بطولة تقام لاكتشاف النجوم وضمهم للمنتخب ، وبذلك يمكن ان
يكون لدنيا منتخبات عمرية مختلفة.
ولكن الاتحاد اسوة بالاتحادات الاخرى يتعلل بقلة الموارد
والامكانيات وضعف المدربين. وضعف ممارسة الشباب لهذه
الرياضة.
كما جاءت مشاركة العداءة العمانية بثينة بنت عيد اليعقوبية
(17 سنة) كأول فتاة عمانية تشارك في منافسات دورات الالعاب
الاولمبية مقنعة، وكبداية أولى للانطلاق برياضة الفتيات
والسير بها للامام.. بغض النظر عن نتيجتها في منافسات 100
متر عدو، التي لا تعبر عن ما تملكه هذه الفتاة من قدرة على
المنافسة وتحقيق نتيجة ايجابية، فهي لم تتدرب جيدا ولم
تدخل أي معسكر اعداد حقيقيا لهذه الدورة وكانت بعيدة كل
البعد عن التدريب لمدة تزيد عن شهرين قبل انطلاق
الاولمبياد ، ومع ذلك تواجدت وشاركت بجانب عداءات كبار،
ووصلت لخط النهاية، ومع ان الجميع كان يتطلع منها لتحطيم
رقمها الشخصي، ولكن وجودها في الاولمبياد هو جواز عبور
حقيقي لها وبدايتها الحقيقية في أم الألعاب.
وهذه العداءة فقط تحتاج لعناية ولمدربة متخصصة ورعاية
كاملة، لأنها مشروع بطلة قادمة!
أما الرامي نور محمد البلوشي فقد كانت الامال معلقة عليه
لكونه راميا لديه الخبرة في هذا المجال ، وشارك في العديد
من بطولات الرماية على المستوى الاولمبي او العسكري، وهو
الوحيد في البعثة الرياضية يحقق بطاقة التاهل للاولمبياد ،
ومع ذلك وكعادة الرماة في أي اولمبياد ، تاتي النتيجة عكس
التوقعات، ومخيبة للامال.
فجاءت نتيجة الرامي داد البلوشي خارج كل التوقعات ولم يحطم
رقمه الشخصي، وحتى ترتيبه من بين 56 راميا منافسا جاء
متاخرا كثيرا، فليس سهلا ان تنافس وانت لا تملك مقومات
المنافسة مع ابطال العالم.
فالرماية في حاجة لوجود ملاعب تدريب أولمبية، واكتشاف
مواهب وابطال جدد في هذه المسابقة من المدنيين والعسكريين.
واعتقد اننا في حاجة لانشاء دائرة للرماية تتبع اللجنة
الاولمبية العمانية وتكون متواصلة مع اتحاد اللعبة لاقامة
البطولات المحلية واكتشاف اللاعبين الجدد وصقلهم والمشاركة
بهم في بطولات خارجية خليجية وعربية وآسيوية ومن ثم يمكن
ايجاد منتخب رماية أولمبي على أعلى المستويات، فالرماية
العسكرية تختلف كثيرا عن الرماية الاولمبية.
يمكن ان تكون هناك أسباب فنية للرماه لا نعلمها، مثل عدم
وجود ملاعب تدريب أولمبية في السلطنة، أو قلة المشاركات في
مسابقات الرماية الأولمبية والتركيز على البطولات العسكرية
(بازل وغيرها). وكذلك عدم تنظيم مسابقات للشباب الهواة
الغير عسكريين لاكتشاف المواهب.
فاذا اردنا المنافسة على ذهب العرب والاسياد والاولمبياد
فعلينا تغيير معايير المشاركة في الرماية، لأن الابطال
العسكريين لا يستطيعون مجاراة الابطال الاولمبيين وهناك
فرق بين الاثنين وعلينا البحث عن رماة جدد من الشباب
الواعد لتحقيق هذا الهدف والاهتمام بهم ويكون لدينا ملاعب
أولمبية لكافة أنواع مسابقات الرماية.
نحن مقبلون على دورة الالعاب الآسيوية 2010م ، ودورة
الالعاب الاولمبية في لندن 2012م ، ومقبلون على البطولة
العربية القادمة ، والدورة الاسلامية في ايران وغيرها ،
واذا نعمل بالطريقة والفكر الحالي، ونتعلل بقلة الموارد
والملاعب، والمعسكرات وتدني مستوى المدربين وعدم وجود
قاعدة وغيرها الكثير من قبل الاتحادات، فلن نتحرك ساكنا،
وستظل مشاركتنا في أي بطولة قارية رمزية وشرفية في المقام
الاول.
فصناعة بطل ليس بالامر السهل ، وهذا ما أكده المهندس حبيب
بن عبدالنبي مكي نائب رئيس اللجنة الاولمبية العمانية. لذا
اعتقد انه من المهم الان ان تقوم اللجنة الاولمبية
العمانية بدورها الحقيقي لمتابعة الاتحادات الرياضية
والاشراف عليها عن قرب، ويكون لديها عدة خبراء في اللجنة
يتواصلون مع الاتحادات ويحضرون بطولاتهم ويرفعون التقارير
لمجلس الادارة اسوة بالآخرين، لأن ما يحدث شيء، والنتيجة
والاكتشافات شيء آخر.
علينا العمل من الآن ـ بدأت وزارة الشؤون الرياضية واللجنة
الاولمبية العمانية في هذا الطريق ـ لبناء وايجاد برامج
ودورات لاكتشاف المواهب والمبدعين ، فالمحصلة الاولى
لاكتشاف المواهب والبالغ عددهم 40 شابا وشابة من بين 420
فردا تم اختيارهم في المرحلة الاولى يعد ايجابيا ، لذا من
الضروري ان يستمر هذا العمل والبرنامج الوطني ، ليرتفع
العدد الى 3000 شاب وشابة يتم تصفيتهم في المرحلة النهائية
الى 150 ليكونوا هم الصفوة القادمة لبعض اللعبات الرياضية
والقادرين على المنافسة بعد عشر سنوات او اقل في الاسياد
او الاولمبياد وتحقيق ميدالية للسلطنة في هذه المحافل
الدولية.
واعتقد ان إقامة وتوسيع دائرة اكتشاف المواهب لتشمل كل
محافظات ومناطق السلطنة وبالتنسيق مع وزارة التربية
والتعليم مثلا والجهات العسكرية والمدنية ايضا من خلال
إقامة بطولات داخلية لهم ، سيسهم في تحقيق الهدف وايجاد
المجموعة التي يمكن الاعتماد عليها للمشاركة في
الاستحقاقات القادمة.
وعلينا ان نستفيد من التجربة الصينية ومن تجارب الاخرين في
صناعة البطل الاولمبي، فالصين المنظمة لدورة (بكين 2008م)
جهزت العدة لهذه الدورة منذ دورة اتلانتا 1996 ، وكانت
تدرب رياضيها الصغار بكتمان شديد وفي مراكز تدريب ومدارس
خاصة لكل لعبة حتى فاجأت العالم بنجوم واسماء جديدة تشارك
لأول مرة، وحققت لها الميداليات، واكتسحت منافسيها في هذه
الدورة، وأولهم الولايات المتحدة الامريكية التي كانت
تتسيد قائمة الميداليات في الدورات الثلاث الأخيرة.
العمل الجاد يؤتي ثماره، وحكومتنا، ستتبنى أي مقترح يعود
بالنفع على البلاد والشباب، فالوجود الخارجي الرياضي شيء
مهم في الاسياد والاولمبياد، وهذا لا يقاس بكمية عدد
المشاركين او قلتهم، المهم ان يكون علم أي بلد موجود بجانب
كل دول العالم، كما حدث هنا في دورة بكين 2008 بوجود وفد
السلطنة بجانب 205 دولة، فقد كانت السلطنة موجودة وحاضرة
بقوة من خلالها بعثتها الادارية والتي حققت مكاسب كبيرة
ادارية وفنية.
فإذا كان المقياس الحقيقي ان تحقق ميدالية فقط ، فكم دولة
حققت ميداليات؟ وماذا حققت البعثات العربية المشاركة ،
وماذا حققت البرازيل والارجنيتن وبلجيكا واندونيسيا
ونيجيريا (ميدالية او ميداليتين) وغيرهم الكثير ، الكل
يسعى ويتمنى ان يكون اسم بلاده في قائمة الشرف الاولمبي.
ولكن ذلك لا يأتي إلا بالتخطيط والاعداد الصحيح واتحادات
تعمل وفق منهجية علمية وتدريبية متكاملة من الصغر حتى
الكبر.
ومع ذلك وللامانة ، كانت لبعثة السلطنة مكاسب عديدة ،
تمثلت فيما حققه الرياضيون من مكاسب فنية والاستفادة من
التعايش في مثل هذه الاجواء الاولمبية عن قرب مع ابطال
ونجوم مختلف الرياضات والمسابقات. كما حقق الوفد الاداري
مكاسب جمة تمثلت في الاتفاق على اقامة دورات ومحاضرات في
السلطنة وابتعاث رياضيينا للخارج للدراسة وحضور دورات
اولمبية متخصصة ، كما تم الاتفاق مع دول شقيقة وصديقة على
تبادل الخبرات والمعسكرات واقامة الندوات فيما بينهما،
وغيرها الكثير من الأمور الغير معلنة.
نعرف بان معظم من في السلطنة، يعتبر الانجاز الحقيقي هو
الحصول على ميدالية او التأهل لنهائيات أي مسابقة، وهذا حق
مشروع، ولكن لتحقيق هذا الامر، يجب ان تكون لدينا بيئة
رياضية متكاملة، فالأولمبياد ليس دورة خليجية او عربية،
نعرف مستويات بعضنا البعض، الاولمبياد حدث عالمي يوجد به
الجميع (ابطال وقليل الشهرة وهواة ومشاركون للاستفادة
والخبرة) فالميدالية كما اسلفت تحتاج لتخطيط مدروس ولسنوات
من العمل الجاد والمتابعة والمنشات وغيرها.
لذا فمن المهم ايجاد قاعدة وركيزة أساسية من المواهب
والعمل على اعدادهم من الآن وتأهيلهم لاولمبياد لندن 2010م
، اذا اردنا ان تكون مشاركاتنا تنافسية ، فالنتائج هي ثمرة
عمل من السنين والعمل المتواصل، وهذه هي الحقيقة ، التي لا
يعترف بها البعض، او يتجاهلها، والبعض الآخر يعترف بها،
ولكن لا تساعده موارده المالية لتحقيق هذه الغاية ،
فالرياضة لا تقل شيئا عن التعليم والصحة ، فالعقل السليم
في الجسم ، لذا المطلوب زيادة دعم الرياضة بشكل عام
والاتحادات بشكل خاص ليكون لدينا شباب رياضيون قادرون على
المنافسة ورفع اسم السلطنة عاليا خفاقا في أي بطولة خارجية.
زيارات متبادلة
قام عدد كبير من مديري البعثات الرياضية العربية المشاركة
في دورة الألعاب الاولمبية (بكين 2008) بزيارة لمقر بعثتي
تونس والجزائر للتهنئة بمناسبة حصولهما على ميدالية ذهبية
بالنسبة لتونس في السباحة. وميداليتان بالنسبة للجزائر.
كما قاموا بعد ذلك بزيارة مقر بعثة المغرب في القرية
الاولمبية لتهنئتها بالميدالية البرونزية.