«إن الإقصاء والتحجيم لن يحقق نجاحاً للحياة
السياسية التركية فكلما ازداد الضغط على قوة
سياسية معينة كلما ازدادت شعبيتها وقوتها
السياسية والتعاطف معها... والحل الأنسب أن
يترك للشعب التركي صاحب الحق الأول في
الاختيار ما يراه الأصلح، فهذه هي مبادئ
العلمانية ومرتكزاتها في جعل الحياة السياسية
تتحرك في إطارها المدني السلمي».
بعد الصعود الكبير لحزب العدالة والتنمية
التركي في الانتخابات الأخيرة ونجاح عبدالله
جول في تسلم الرئاسة التركية، بدأت القوى
العلمانية الأصولية في تركيا التحرك لحصار
الحزب وإجهاض الديمقراطية من خلال تقديم طلب
بحظر حزب العدالة والتنمية ومنع قيادات هذا
الحزب من ممارسة العمل السياسي أو سجنهم بتهمة
معاداة العلمانية .
والواقع أن العلمانية الأصولية التركية فشلت
في إقناع الناخب التركي، وبدلاً من تغيير
الأفكار والسياسات العلمانية التركية التي لا
تستخدم الوسائل السلمية في الحراك السياسي
بشكل دائم منذ تاريخها في ذلك البلد المسلم،
فإنها لجأت الى استخدام الاتهام الذي يتردد
وهو معاداة العلمانية .
وهذا الاتهام ليس صحيحاً، فالحزب الحاكم أعلن
أنه لا يعادي النظام الجمهوري ولا الدستور
القائم، إلا أن الأصوليين العلمانيين فشلوا في
إقناع الناخب التركي في التصويت لهم، ومن ثم
حاولوا الآن أن يتخذوا من المحكمة الدستورية
العليا التركية غطاء للانقلاب على شرعية الحزب
الديمقراطية بحجة العلمانية.
الواقع أن ما يجري في تركيا من معارضة بعض
العلمانيين لحزب العدالة والتنمية والمطالبة
بحظره سياسيا يعتبر مخالفا مخالفة صريحة
للدستور التركي، وهو الذي تحتكم إليه كل
مؤسسات الدولة في تركيا وفقا لما يقوله كثير
من الخبراء من داخل تركيا.. فلماذا هذا الرفض؟
وهل ما تفعله بعض الأطراف العلمانية من محاولة
إقصاء حزب سياسي مدني ملتزم بالدستور من طرح
خياراته السياسية عبر التصويت يعد قانونياً
وديمقراطيا ويتماشى مع النظم الدستورية؟ إذا
ما تابعنا خطوات هذا الحزب الحاكم وفق تحركاته
السياسية، فإن هذه التيارات تريد الآن تحت
شعار حماية العلمانية حصار أو إقصاء حزب
العدالة والتنمية عن الحصول على مزيد من
المكاسب في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو
غيرها من النشاط السياسي السلمي؟
الذي يجري في تركيا الآن هو صراع سياسي حزبي
بين الحزب الأقوى شعبياً وبين بعض الأحزاب
العلمانية المتطرفة والقوى الأصولية التي خسرت
فى الانتخابات الاخيرة، خاصة بعد النجاح
الكبير الاقتصادي والسياسي الذي حققه رئيس
الحكومة الحالي رجب طيب أردوغان في السنوات
التي ترأس فيها الحكومة التركية من خلال حزب
العدالة والتنمية.
ولذلك عندما نجح رجب طيب أردوغان في سياسته،
فإن بعض السياسيين العلمانيين لجأوا إلى
اسطوانية العلمانية إلى الإقصاء والمنع
والتهديد بالجيش، مع أن حزب العدالة والتنمية
لم يتجاوز الدستور العلماني التركي، ولم يخرج
على تلك المبادئ التي يصورها البعض وكأنها
مبادئ مقدسة لا تقبل التجديد أو التطوير،
لكنها شماعة للحصول على مكاسب سياسية وبطريقة
تخالف الديمقراطية العلمانية التي قالوا عنها
أن لا ديمقراطية بدون علمانية، فإذا بهذه
العلمانية أو الذين يدعون أن يحمونها ينتهكون
قوانين وأنظمة قائمة.
وهذا الموقف السلبي للعلمانية يجعلنا نستعيد
الآراء التي كانت تنتقد ديمقراطية العلمانية
وتعتبرها مجرد نزعة فاقدة للرؤية الثابتة مع
الحقوق والنظم القائمة، لكونها لجأت إلى (الانتقائية)
ــــ كما يقول د. صبحي الصالح والتي غطتها ما
استطاعت بحرية الأفراد، إذ كانت هذه العلمانية
فكرة فلسفية بل مجرد نزعة فلسفية فقدت ما
تعطيه وفاقد الشيء لا يعطيه، ولم تكن
العلمانية أيديولوجية شاملة ولا نظاما متكاملا
ولم يكن في سلبيتها الأساسية ذاتية أصيلة ولم
يكن الدعاة إليها على استعداد تام لوضع
القوانين وصياغة الشرائع وتحديد المعايير وإذا
هم يكتفون باختيار ما يحلو لهم من آراء
الآخرين في صورة تعويضية عفوية وانتقائية
تلقائية. وما دام همهم الأوحد أن ينتزعوا من
الكنيسة ونفوذها كلا من الأمة والأسرة
والأفراد فليأخذوا من مذهب بطرف وليعيشوا عالة
على أحرار الفكر وليقتبسوا من آرائهم ما هم
بحاجة إليه ولا سيما فيما لا يزال الناس
يتناقلونه من حكم الشعب للشعب في المجال
الديمقراطي والحريات الأساسية والحقوق العامة
في كل عمليات التحرر والتحرير والنزعات
المادية البحتة في ميادين التطور والتطوير،
وهذا يفسر إلى حد بعيد لماذا سايرت العلمانية
وما انفكت تساير عددا من الأيديولوجيات ،
ولماذا تقف أحيانا كثيرة إلى جانب اليمين بل
حتى اليمين المتطرف وان توهم الناس أنها لا
تلتقي إلا مع أقصى اليسار!.
ولذلك فإن العلمانية لم تكن حركة إصلاحية
وإنما كانت اقرب إلى الفكرة الانتهازية التي
تبرر ما يفرضه الواقع القائم، ودليلنا على ذلك
أن العلمانية في تركيا الكمالية، غير
العلمانية في أوروبا وعلمانية الولايات
المتحدة، غير علمانية روسيا وشرق أوروبا بل ان
العلمانية في بريطانيا غير العلمانية في فرنسا
والشواهد متوافرة لا يتسع المقام لسردها.
لعله من المفيد ان يسعى العقلاء والمفكرون
والأكاديميون الأتراك الى أن يؤثروا في الموقف
السياسي لبعض السياسيين الذين يحاولون أن
يزعزعوا الاستقرار السياسي في تركيا، وذلك من
اجل عدم تقويض النجاح الاقتصادي والسياسي
الكبير الذي حققته الحكومة الحالية، وأن يترك
الخيار للشعب التركي أن يقرر باختياره الحر
النزيه ما يراه مناسباً وإيجابياً من خلال
التصويت لمن يريد أن يمارس العمل السياسي في
ظل الدستور والقانون.. إن الإقصاء والتحجيم لن
يحقق نجاحاً للحياة السياسية التركية فكلما
ازداد الضغط على قوة سياسية معينة كلما ازدادت
شعبيتها وقوتها السياسية والتعاطف معها...
والحل الأنسب أن يترك للشعب التركي صاحب الحق
الأول في الاختيار ما يراه الأصلح، فهذه هي
مبادئ العلمانية ومرتكزاتها في جعل الحياة
السياسية تتحرك في إطارها المدني السلمي بعيداً
عن الإقصاء والتهديد والتوتر، إن أريد لها أن
تلقى مصداقية واقعية في طرحها وممارساتها. وان
يتم ذلك دوما فى اطار القانون والدستور مع
الاحتكام الى القضاء للفصل في اية خلافات قد
تكون قائمة او قد تحدث.
كما أن الخطوة العلمانية الأصولية
الأيديولوجية الأخيرة لن تؤدي الى الاضرار
بحزب العدالة والتنمية فقط، بل ربما
بالديمقراطية التركية لانها قد تدفع تركيا إلى
أوضاع سياسية اقل استقرارا، وقد تدفع الجماهير
المؤيدة لهذا الحزب او ذاك إلى التوتر
والانفعال وربما الاضطرابات، وهذا قد يسبب
ضرراً كبيراً لمستقبل تركيا السياسي سواءً مع
الاتحاد الأوروبي أو العالم الإسلامي.
فهل يتراجع الحكماء في تركيا لوقف تمرد
الأصولية العلمانية على الدستور والديمقراطية
والقوانين السائدة في تركيا؟ أم ان القضاء
سيفصل بشكل حاسم فى هذه القضية؟ الأسابيع
المقبلة ستكشف تحركات الفرقاء في هذه الأزمة.