الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

البعد الديني بين اليهودية والصهيونية
د. عبدالله الأشعل


يبدو أن مصدر الخلل في نظرة المسلمين واليهود إلى قضية العلاقة بين إسرائيل الصهيونية واليهودية، هو أن المسلمين يفهمون الصهيونية على أنها اغتصاب لأراضي الفلسطينيين وأدوات لإذلال العرب والكيد للمسلمين، بينما ينظر اليهود إلى إسرائيل نظرة رومانسية دينية
عندما أعلن الرئيس بوش في الكنيسيت الاسرائيلي في 15/5/2008 أن إسرائيل دولة يهودية خالصة وأن الأمة اليهودية هي شعب الله المختار، هذا الإعلان سبق أن أكده شارون أمام بوش في قمة العقبة عام 2003 بحضور الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقبل اغتيال عرفات، وبعد شهرين فقط من احتلال العراق. ولمس بوش بنفسه أن العالم العربي لم يعد طرفاً في أي معادلة ولذلك أصبح المناخ مهيئاً لتمدد المشروع الصهيوني. هذا الموقف وضع المفكرين العرب أمام لحظة للمراجعة، كذلك فاننا إذا كنا نركز لاعتبارات إعلامية وعملية على أننا لا نواجه اليهود ولكننا نواجه منهم من انخرط في الحركة الصهيونية أي اغتصاب فلسطين وتمزيق الوحدة الإقليمية والسياسية العربية، فنحن نواجه أطماعاً سياسية ولا نواجه أتباع دين، وظن بعضنا أنه بذلك شق الصف اليهودي اعتقادا منه أن اليهودية كدين لا تسمح بأعمال الغصب وسرقة الأوطان والإبادة للشعوب صاحبة الحق. وإذا كان العرب يظنون أنهم سمحوا لليهود المضطهدين في المحرقة وفتحوا أبوابهم لمن هم في محنة فقد فوجئوا بأن فلسطين قد فتحت لغيرهم ماداموا يهودا ولمن هم من غير اليهود ولكن يؤمنون بالمشروع الصهيوني، ثم فوجئوا أيضاً بأن المسألة لم تصبح عملا خيريا تمليه الشهامة العربية أو اللين العربي، ولكنه مخطط استعماري أيديولوجي سياسي إحلالي خطير يستهدف الشعب الفلسطيني حتى تخلو له الأرض. وعندما أعلنت أن معاداة السامية، كانت تنحصر في معاداة اليهودية كدين واليهود كأتباع لهذا الدين قد اتسعت لتشمل أنها جريمة ضد كل من يتصدى بالقول والفعل لإسرائيل باعتبارها تجسيدا لهذا الشعب المختار، فأصبح تدثر إسرائيل باليهودية عملاً عنصرياً باللغة المعاصرة، ولكنه - وهو الأخطر - ألغى الفارق بين اليهودي والصهيوني، ولكن أرى أنه يجب التمسك بهذا الفارق رغم كل شيء. وعندي أن التمييز بين اليهودي والصهيوني مسألة شخصية، بمعنى أنها تتوقف على موقف كل يهودي من المشروع الصهيوني، فضلاً عن بعض أحبار اليهود الذين يرون أن إنشاء إسرائيل والمشروع الصهيوني برمته يناقض صحيح التوراة عندهم. وقد بدا موقفان يؤكدان أن يهودية الدولة العبرية مسألة سياسية وهي أعلى صور استغلال الدين في المشروع السياسي، وبالطبع فإن تمتع إسرائيل بمصادر القوة وتدهور الإرادة والإدراك لدى العالم العربي هو الذي يشجع إسرائيل على تطوير المشروع الصهيوني.
أما الموقف الأول فهو أن كل الحالات التي عرفناها عن علاقة اليهود بإسرائيل تؤكد أن إسرائيل أسمى من أي انتماء آخر، وقد ظهر ذلك في عمليات التجسس العديدة التي مارسها يهود أمريكيون لصالح إسرائيل وضد الولايات المتحدة.
أما الموقف الثاني فهو تأكيد كبار أحبار اليهود باستمرار على أن التوراة مرتبطة ارتباطاً عضوياً بإسرائيل، فلا يمكن أن يكون اليهودي يهودياً صحيحاً مالم يؤمن بأن العمل على إحياء مجد إسرائيل هو غايته الأولى، وأن التدين يعني العمل لصالح إسرائيل. معنى ذلك أن اليهودية الحقة عندهم هي الصهيونية، فكيف يكون هذا هو موقفهم فيطمسون التمييز بين اليهودية والصهيونية ويعتبرونها خطأ دينياً وخطأ سياسياً فادحاً، ونحن في العالم العربي نصر على هذا التمييز الوهمي؟. بل إن هؤلاء الأحبار قد استغلوا ضعف الإدراك لدى أئمة المسلمين في الولايات المتحدة، وشعور الأئمة بطغيان سطوتهم في الحياة الأمريكية وخوفهم من أن يطردوا إلى جحيم بلادهم موصومين بتهم الإرهاب والعنصرية والفشل، فجمعوا الأئمة باعتبارهم جميعاً أمريكيين رجال دين وأن الثقافة الأمريكية لا تفهم تمنع الأئمة عن لقاء زملائهم. وقد أصدرت دوائر الحوار بينهم العديد من البيانات التي تدين ما أراد الأحبار إدانته وهو التطرف الإسلامي والإرهاب والعنف في صفوف المسلمين، وهم يعلمون أنه كلما كان اليهودي متطرفاً ضد المسلمين والعرب والفلسطينيين كان يهوديا صالحاً ومخلصاً لدينه الذي يحضه على مساندة إسرائيل. في هذا المناخ غابت عن الأئمة الحقيقة وهي أنهم يستغلون لخوفهم، وأظن أنهم يميلون إلى التسليم بهذا الاستسلام وهم يرون أن كل من تمرد عليه فقد كل شيء.
وقد سمعت حاخاما كبيراً يقول أن التوراة نفسها هي إسرائيل وأن التمييز بين اليهودية والصهيونية سذاجة عربية كما أنها إهانة لليهود، لأن اليهودي يربط بين إخلاصه لإسرائيل وبين تقربه إلى الله، وكلما أخلص لها كان إلى الله أقرب.
ويبدو أن مصدر الخلل في نظرة المسلمين واليهود إلى قضية العلاقة بين إسرائيل الصهيونية واليهودية، هو أن المسلمين يفهمون الصهيونية على أنها اغتصاب لأراضي الفلسطينيين وأدوات لإذلال العرب والكيد للمسلمين، بينما ينظر اليهود إلى إسرائيل نظرة رومانسية دينية، كما ينظرون إلى الصهيونية على أنها مشروع مبارك لا سترداد فلسطين من غاصبيها الفلسطينيين. من ناحية أخرى، إذا كنا نحن نعتبر أن الصهيونية حركة سياسية عنصرية استعمارية عدوانية مقيتة، فإنهم يعتبرون أن للصهيونية وظيفتين أساسيتين، الوظيفة الأولى هي إنشاء إسرائيل الكبرى وطن كل يهود العالم وإحياء لنبوءات التوراة، ومن ثم يصبح المساس بإسرائيل بالنسبة لكل اليهود مساساً بمقدساتهم وتعطيلا لتحقيق نبوءتهم، والوظيفة الثانية هي أن الصهيونية حركة قومية يهودية تتمتع بالحق في تقرير المصير وقد قررت مصيرها وأعلنت أن إسرائيل دولة يهودية انسجاما مع أحكام التوراة.
وقد بذل أستاذنا المرحوم عبدالوهاب المسيري جهداً وعمراً في التركيز على وظيفية الجماعات اليهودية في فلسطين وعلى التناقض بين العلمانية والتيار الديني في إسرائيل. ومن الواضح أن العلمانية ليست ضد التيار الديني في كل شيء في اسرائيل، وإنما ينكشف التناقض بينهما في الجزئيات وليس في الكليات الاستراتيجية.
نخلص مما تقدم إلى أنه لا يوجد مطلقاً فرق عملي بين اليهودي والصهيوني، وإن كان تمسك العرب بالفارق النظري حول طبيعة المشروع الصهيوني، فهو مقدس عند اليهود، ولكنه لا أخلاقي عندنا، ولحسن الحظ فإن العالم يفهم الطرح العربي، ولكنه مقتنع بالطرح اليهودي.
وأخيراً، فإن الاعتراف بالفارق بين الصهيونية واليهودية له مزايا عديدة من الناحية العملية، فهو يسمح بالعمل العربي على المستوى الدولي، رغم أن واشنطن في إعلائها للمشروع الصهيوني وللصهيونية ومعاقبة من يعاديها لا تعترف بهذا التمايز بين الصهيونية واليهودية. ومن ناحية أخرى، فإن التمسك بهذا التمايز الذي تتغامز به إسرائيل يسمح بجذب المعادين من اليهود للمشروع الصهيوني، وبعض المعتدلين من رجال الدين اليهودي.

  رجوع