الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

«ساركوزي » في بيروت
د. جوزيف كششيان

«لا شك أن الزعماء اللبنانيين قادرون على تسوية اختلافاتهم، وتأسيس أفضل الروابط مع سوريا، والدفاع عن المناطق المحتلة. وآخر ما يحتاج إليه هؤلاء الزعماء هو كلمات التشجيع، فما يحتاجون إليه بحق هو الخطوات الملموسة لمساعدتهم على حماية بلدهم والدفاع عنه من المعتدين الإقليميين. ولعل زيارة أطول من ساركوزي الى بيروت ـ كتلك المنتظرة منه لإسرائيل ـ تساعدنا على تبين ما إذا كانت الكلمات المعسولة مقدمة لأفعال مطلوبة».
خلال جولته الأخيرة التي شملت بيروٍت تناول الرئيس الفرنسي الدمث نيكولا ساركوزي إفطاره في أثينا، وغداءه في بيروت، ثم عاد الى وطنه في باريس فتناول العشاء هناك. وقد كان ذلك أفضل من «لو اليوم الثلاثاء فلا بد أن هذه بلجيكا» الذي ورد عام 1969 في فيلم عن مجموعة رحالة من الولايات المتحدة سافروا جريا عبر سبع دول أوروبية في ثمانية عشر يوما. وفي حين كان ذلك الفيلم ضربا من ضروب التسلية، كانت زيارة ساركوزي السريعة جدية تماما. فهل أسدت الزيارة خدمة للبنان أم كانت حلقة في سلسلة الفرص الضائعة؟
وصل ساركوزي على رأس وفد مهيب أقلته أربع طائرات رسمية للقيام بزيارة قصيرة لم تتجاوز خمس ساعات. وكان بصحبته رئيس وزرائه الجاد فرانسوا فيلون ووزير خارجيته القلق برنار كوشنير. كما كان بصحبة رئيس الدولة الفرنسية ممثلون رفيعو المستوى لجميع الأحزاب السياسية الكبرى في فرنسا. ولعل تلك كانت إشارة فرنسية متعمدة لإظهار أن الاختلافات السياسية الداخلية لا ينبغي أن تؤثر سلبا على شؤون السياسة الخارجية.
كان ساركوزي بطبيعة الحال يرمي الى تأكيد دعم بلاده للبنان، بوصفه أول رئيس غربي يقوم بمقابلة الرئيس ميشيل سليمان. والحق أن هذه الزيارة نجحت لأن سليمان كان بحاجة الى العون حتى يستطيع النهوض بالمهمة العملاقة الموكلة إليه والتي تتمثل في تسوية ما تجاوز فترة الفوضى من أيديولوجيات متصلبة.
وكما هو متوقع، انهال الرئيس الفرنسي على نظيره اللبناني بالثناء الذي يستحقه وأكد الرؤية العامة لسليمان باعتباره «رديفا للأمل» ودعا كل مسؤول لبناني الى العمل بجد من أجل تطبيق الاتفاقية ذات الوساطة القطرية. بل لقد وصف ساركوزي اتفاقية الدوحة في واقع الأمر بأنها «نصر أحرزه الحوار على العنف» وقال إن العبء الآن يقع على الرئيس سليمان في «تحقيق المصالحة الوطنية». ولعل النطق بما هو واضح أصبح الآن اختصاصا لساركوزي.
من جانبه رحب سليمان الذكي بضيف لبنان المميز، وكان ترحيبه أولا من خلال اعترافه بدور فرنسا الخفي في الدوحة. كما أكد على متانة الروابط اللبنانية الفرنسية «القائمة على قيم الديمقراطية والمساواة والإخاء». وكان هذا التصريح بالغ الذكاء، وغير معتاد في مضمونه وشكله، إذ إن الغربيين بصفة عامة يفترضون دوما أن النظام الديمقراطي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط هو في إسرائيل، ولكن سليمان أبرز بوضوح أن لبنان أثبت مرة بعد الاخرى التزامه بالقيم الديمقراطية برغم شراسة الصراعات الداخلية. بل إنه عمد الى إثارة الموضوع المقدس المتعلق بمحاربة الارهاب والثمن الباهظ الذي تم دفعه في عام 2007 لمحاربة الأصولية.
وفقا للتقارير الصحفية، أكد اللبنانيون على وجوب التحرير النهائي لمزارع شبعا وتلال كفر شوبا من الاحتلال الإسرائيلي وحثوا ساركوزي على تناول هذه القضية الحساسة مع المسؤولين الإسرائيليين في زيارته الى إسرائيل المقررة بين 21 و 24 يونيو. ولسوف يتبين في الشهور القادمة مدى تقبل باريس. غير أن المنطق يقول في واقع الأمر إن لفرنسا مصلحة في تعيين الحدود الدولية للبنان، وفي سيادة السلام أراضيه فلا يستدعي الأمر وجود جنودها الذين يخدمون ضمن قوة اليونيفيل المؤقتة التابعة للأمم المتحدة. وسوف يكون من المنطقي أيضا لو افترضنا أن أمن هؤلاء الجنود سيمثل لفرنسا أولوية قصوى خاصة وأن «مهمتهم بالغة الصعوبة في ذلك السياق المفكك» على حد تعبير وزير الدفاع. وسوف يبين الزمن ما إذا كان اهتمام فرنسا بمصلحة جنودها يفوق اهتمامها باستمرار الاحتلال الإسرائيلي.
لقد قال سليمان يوم السبت الماضي إنه سوف يشرف بنفسه على المحادثات الوطنية الرامية الى مناقشة القضايا المثيرة للجدل في لبنان ولكنه أضاف أنه لن يتم اتخاذ قرار في استراتيجية الدفاع إلا بعد اكتمال التحرير. غير ان مجرد إثارة سليمان لموضوع المناطق المحتلة مع ساركوزي، وربطه الذكي بين الانسحابات الإسرائيلية وإجراءات الثقة التي سوف «تمهد الطريق لاتفاقية استراتيجية دفاعية بين اللبنانيين» والتي سيتم بموجبها استيعاب أسلحة حزب الله بحسب رؤية الرئيس الجديد.
لا شك أن التعهدات الدولية بمساعدة بيروت سوف تأتي ببطء لأن لبنان احتفظ بديناميكية لا مثيل لها وهي مثار حسد الكثيرين. غير أنه من المهم أن يفهم الجميع أن لبنان لا ينبغي ولا يمكن أن يتحمل وحده مسؤولياته الإقليمية. وينبغي على سليمان في لقاءاته القادمة مع ساركوزي وغيره أن يبين لنظرائه أن بلاده ليست ساحة يسوي فيها الآخرون خلافاتهم. وطبيعي أن تكون أهم مهمات سليمان هي أن ينظف سجل سلفه، فلن يدعم العالم بيروت قبل أن تحظى باحترام العالم.
لحماية لبنان والدفاع عنه يحتاج المرء الى مواطنين ملتزمين يحبون بلدهم أكثر مما سواه، كما ينبغي أن تتوفر الوسائل لحماية حقوق هؤلاء المواطنين الذين يقومون بما عليهم من واجبات. وقد أعلن ساركوزي أن فرنسا سوف تبقى «ملتزمة بتقوية قدرات الجيش اللبناني داخل اطار استراتيجية الدفاع الوطني التي سيتم التوصل إليها من خلال الحوار بين اللبنانيين والذي لا يمكن تأخيره طويلا». غير أنه أخفق في هذه الرحلة القصيرة في هذا الأمر وذلك أنه أتى الى بيروت خالي الوفاض. وكانت رحلته ستكون ذات معنى أكبر لو أعلنت باريس خلالها أنها سوف تنقل الى الجيش اللبناني بعض المعدات الحديثة.
لا شك أن الزعماء اللبنانيين قادرون على تسوية اختلافاتهم، وتأسيس أفضل الروابط مع سوريا، والدفاع عن المناطق المحتلة. وآخر ما يحتاج إليه هؤلاء الزعماء هو كلمات التشجيع، فما يحتاجون إليه بحق هو الخطوات الملموسة لمساعدتهم على حماية بلدهم والدفاع عنه من المعتدين الإقليميين. ولعل زيارة أطول من ساركوزي الى بيروت ـ كتلك المنتظرة منه لإسرائيل ـ تساعدنا على تبين ما إذا كانت الكلمات المعسولة مقدمة لأفعال مطلوبة.

  رجوع