الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

نظرة في التعليم العالي الأهلي
أ.د داخل حسن جريو

«لا بد من ايلاء التعليم الأهلي أو غير الحكومي اهتماما خاصا بوصفه رافدا من روافد التعليم العالي يمكن أن يسهم إسهاما فاعلا في التنمية الشاملة في ضوء فلسفة الدولة التربوية وتوجهاتها العلمية والتقنية، لذا يحدونا الأمل أن ترتقي مؤسسات التعليم العالي الأهلي لتقف جنبا الى جنب مع الجامعات الحكومية لتعزيز العملية التربوية بما يخدم أهداف بلادنا التي تنشد الرقي والتقدم».
يعود تاريخ التعليم العالي الأهلي (غير الحكومي) في البلاد العربية الى عام 1866 بإنشاء الجامعة الأمريكية ببيروت، ولم يشهد التعليم الأهلي تطورا كبيرا منذ ذلك التاريخ، إذ لم يزد عدد الجامعات غير الحكومية حتى عام 1990 على سبع جامعات، ومحصورة في قطرين عربيين فقط، هما لبنان ومصر، شهد بعدها تطورا واضحا وملموسا كما ونوعا في عقد التسعينيات من القرن المنصرم، تمثل بزيادة عدد هذه الجامعات في أكثر من قطر عربي، اذ بلغ عددها (49) جامعة عام 1996 ، مما يمثل نسبة 28 في المائة من مجموع الجامعات الموجودة في الأقطار العربية البالغ عددها حينذاك (126) جامعة حكومية،وقد ازداد عدد هذه الجامعات الأهلية الآن الى أكثر من ( 90 ) جامعة، منها (14) جامعة في لبنان، و(13 ) جامعة في الأردن ،و( 10 ) جامعات في كل من اليمن و دولة ألإمارات العربية المتحدة، و(9 ) جامعات في فلسطين، وتتوزع بقية الجامعات على الأقطار العربية الأخرى، وهي آخذة في الزيادة عاما بعد اخر بسبب زيادة الطلب على مؤسسات التعليم العالي، وعدم قدرة الجامعات الحكومية على تلبية هذا الطلب المتزايد سنة بعد اخري، فضلا عن ارتفاع تكاليف التعليم العالي التي لم يعد بإمكان الكثير من الحكومات تحملها، ليس في الدول النامية فحسب، بل وحتى الدول الصناعية،إذ راحت الجامعات فيها تبحث عن مصادر مالية مساندة.
ولم يقتصر التعليم العالي غير الحكومي على الجامعات، بل يمتد ليشمل الكليات الجامعية والمعاهد. يبلغ عدد الكليات الجامعية غير الحكومية في البلاد العربية (49) كلية جامعية غير حكومية مقابل (91) كلية جامعية حكومية، أي ما نسبته ( 35 في المائة) من مجموع الكليات الجامعية. ويبلغ عدد المعاهد الفنية غير الحكومية (101) معهد مقابل (439) معهدا فنيا حكوميا، أي ما نسبته (19في المائة) من مجموع المعاهد الفنية. وتتوزع معظم المعاهد والكليات الجامعية غير الحكومية على عشرة أقطار عربية تقع المغرب في مقدمتها بواقع (65) مؤسسة تعليمية، ويليها بذلك الأردن بواقع (36) مؤسسة، ولبنان بواقع (26) مؤسسة، وفلسطين بواقع (20) مؤسسة، وسلطنة عمان والعراق والسودان بواقع (16) مؤسسة.
تشير الدراسات والتقارير الى ان نسبة الملتحقين بالتعليم العالي غير الحكومي ما زالت نسبة ضئيلة لا تتجاوز (3,5 في المائة) من مجموع طلبة التعليم العالي في البلاد العربية، إلا ان هذه النسبة تتفاوت من قطر الى آخر، إذ تبلغ أقصاها (49 في المائة) في لبنان، و(36 في المائة) في الأردن، ويتوقع أن يشهد هذا النمط من التعليم انتشارا أكبر في جميع الأقطار العربية في المرحلة القادمة للأسباب الآتية:
1ـ الطلب المتزايد من جميع الفئات الاجتماعية ومن مختلف الأعمار ومن شتى المناطق الريفية والحضرية على حد سواء، للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي المختلفة الذي يفوق القدرات الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي الحكومية، وهو امر يحرم الكثير منهم من تحقيق رغباتهم المشروعة في التعليم وتحسين نوعية حياتهم ما لم يتم قبولهم في مؤسسات تعليمية اخرى على نفقتهم الخاصة.
2ـ الرغبة في توسيع فرص الالتحاق بالتعليم إذ هناك أعداد غير قليلة من الطلاب الراغبين في دراسة تخصصات معينة إلا أن مجموع درجاتهم في الدراسة الثانوية لا يتيح لهم الفرصة للالتحاق بالمؤسسات التعليمية الحكومية بسبب المنافسة الشديدة الناجمة عن محدودية المقاعد الدراسية المتاحة، وكثرة عدد الطلبة المتقدمين ،وعدم قدرة هذه المؤسسات على توسيع قدرات القبول لديها، لما يتطلب ذلك من تخصيصات مالية كبيرة .لذا يوفر التعليم غير الحكومي فرصا جيدة للقادرين على تحمل نفقاته، ومن ثم إسهامه في التنمية العلمية والتقنية والاستجابة لمتطلبات سوق العمل دون تحميل الدولة أية نفقات إضافية.
.3 تزايد نفقات التعليم عاما بعد آخر وعدم قدرة الكثير من الدول تحمل هذه النفقات ليس على صعيد الدول النامية فحسب، بل حتى الكثير من الدول الصناعية، وهو امر دفع الكثير منها الى التخلي عن الكثير من التزاماتها تجاه قطاع التعليم العالي ،فضلا عن زيادة رسومه، واعتماد صناديق خاصة لتسليف الطلبة قروضا مالية يتم تسديدها عند اشتغالهم بعد التخرج.
4 ـ يلبي إحتياجات أبناء الجاليات الوافدة العاملة في بعض الدول لاسيما دول مجلس التعاون الخليجية العربية، وهي أعداد ليست بالقليلة، وليس بإمكانها الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي الحكومية، وهو أمر يوفر سوقا رائجة لمؤسسات التعليم العالي الخاصة.
4 ـ يلبي رغبات بعض الجهات الاثنية والدينية باعتماد أنماط معينة من التعليم كما هو الحال في لبنان واليمن والعراق وفلسطين.
5 ـ أصبح هذا النمط من التعليم مجالا خصبا لإستثمارات رجال المال والأعمال بوصفه تجارة تعليمية مربحة كما هو الحال في الأردن واليمن ومصر وبعض دول الخليج العربية.
.6 يوفر التعليم العالي الخاص البيئة العلمية المناسبة لقيام الدول لاسيما الدول الكبرى لنشر ثقافتها وحضارتها الى الدول الأخرى، الأمر الذي يساعد كثيرا على ترويج منتجاتها الصناعية في تلك الدول بعد أن تتأقلم كوادرها العلمية والتقنية مع مسالكها التقنية، وتتأقلم كوادرهاالإدارية مع اساليبها ومفاهيمها وفلسفة ونظم أعمالها.ومن أبرز الأمثلة في هذا المجال الجامعات الأمريكية في لبنان ومصر والكويت وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة، والجامعات الألمانية في مصر والأردن وسلطنة عمان، والجامعات البريطانية والفرنسية في مصر والإمارات العربية المتحدة ، والجامعة اليابانية في مصر،وغيرها.
وأخيرا لابد من تأكيد حقيقة أن هذا النمط من التعليم وان لم يكن نمطا تعليميا ممولا حكوميا إلا انه جزء هام من قطاع التعليم يرفد الدولة والمجتمع بملاكات علمية شأنه في ذلك شأن الجامعات والمعاهد الحكومية، لذا ينبغي أن يخضع الى السياسة التعليمية في البلد وتوجهاتها الحالية والمستقبلية في إطار فلسفة البلد العامة في التنمية الشاملة ونزوعه نحو التقدم والازدهار.يلاحظ أن بعض الدول ولاسيما الدول الكبرى تبذل جهودا حثيثة لإنشاء المزيد من الجامعات الخاصة في الدول الاخرى لاسيما الدول العربية والإسلامية، وذلك لتخريج ملاكات علمية على وفق نظمها وسياساتها التعليمية السائدة ، وتتماشى مع متطلبات اقتصاد العولمة واحتياجات الشركات المتعددة الجنسيات. وتسعى هذه الدول بكل الوسائل الممكنة لتسويق هذه الجامعات لجذب قطاعات متميزة في تلك البلدان لايجاد مرتكزات قوية تتكئ عليها. لقد أسهمت هذه الجامعات بتخريج كوادر عديدة ساهمت حقا في بناء أوطانها دون أن تؤثر فيها الثقافة الأجنبية تأثيرا سلبيا لما وهبها الله من بصيرة ثاقبة وعقل نير وإيمان راسخ ووطنية صادقة وانتماء حقيقي لأوطانها، إلا أنه لابد من التعامل بحذر مع الجامعات التي تنشئها وتمولها الدول الأجنبية في أي بلد من البلدان لضمان ان تكون توجهاتها بما يتوافق مع توجهات البلد دون الدخول بتفصيلات عملها.
وخلاصة القول ينبغي أن لا ينظر الى التعليم العالي الأهلي بوصفه نشاطا تجاريا بحتا يخضع لقيم السوق التجارية من ربح وخسارة،إنما يجب أن ينظر إليه في المقام الأول بوصفه استثمارا لتنمية الموارد البشرية في التخصصات العلمية والتقنية المختلفة التي يحتاجها المجتمع،وهذا يستدعي فحص برامجه باستمرار للتأكد من مواءمتها لاحتياجات سوق العمل وعدم إسهامها بتخريج كوادر بطالة مقنعة بأشكال شتى، وضمان جودة مخرجاتها على وفق أرقى معايير الجودة المتعارف عليها عالميا. وبذلك يمكن أن تكون ندا قويا ومنافسا حقيقيا لأرقي الجامعات الحكومية وقادرا على جذب أعداد اكبر من الطلبة الموهوبين والمتفوقين دراسيا.وينبغي أن لا تكون الجامعات الخاصة الأجنبية بدعاوي الانفتاح مصدرا لنشر الثقافات الوافدة على حساب ثقافة البلد وموروثه الحضاري،إنما التناغم والتلاقح بينهما بما يعود بالمنفعة على كلا الجانبين.
ولابد من الإشارة هنا الى أن التعليم العالي الحكومي في الكثير من الأقطار العربية لا يعني بالضرورة مجانية التعليم، وإنما هو أقرب الى مفهوم التعليم المدعوم حكوميا شأنه بذلك شأن السلع المدعومة لتكون أجوره مخفضة تستطيع قطاعات واسعةمن الطلبة تحملها لمواصلة الدراسة، وربما إعفاء اخرين من تحمل هذه الأجور ممن تتوفر فيهم بعض شروط التفوق مقارنة بأقرانهم. وفي جميع الأحوال تبقى تكاليف الدراسة في الجامعات الحكومية أقل كثيرا من مثيلاتها من الجامعات الخاصة.
وفي ضوء ما تقدم لابد من ايلاء التعليم الأهلي أو غير الحكومي اهتماما خاصا بوصفه رافدا من روافد التعليم العالي يمكن أن يسهم إسهاما فاعلا في التنمية الشاملة في ضوء فلسفة الدولة التربوية وتوجهاتها العلمية والتقنية، لذا يحدونا الأمل أن ترتقي مؤسسات التعليم العالي الأهلي لتقف جنبا الى جنب مع الجامعات الحكومية لتعزيز العملية التربوية بما يخدم أهداف بلادنا التي تنشد الرقي والتقدم، وبذلك نكون قد أرسينا بعض أسباب نهضتها وازدهارها.

  رجوع