بالتدريب يمكن أن يتعلموا الكثير ويعتمدوا على أنفسهم
أطفال متلازمة داون .. وأمنية توفير التعليم والرعاية الصحية المناسبين
الأهالي: نعاني من قلة الكتب والأخصائيين ورفض البعض اختلاط أبنائنا بالمجتمع

أجرت اللقاءات - وردة بنت حسن اللواتية
تحلم كل أم بإنجاب طفل يتمتع بصحة جيدة يكون قرة عين لها، ولكن قد تكون احيانا المشيئة الإلهية غير ذلك، ويولد الطفل غير طبيعي أو لديه إعاقة معينة، بعض الأمهات قد ينصدمن ويرفضن التعامل مع هذا الطفل الذي لا ذنب له، ولكن هناك بالمقابل أمهات واعيات يتقبلن هذا الوضع، ويصبرن عليه، بل ويحاولن بكل طريقة تنمية مهارات طفلهن، عن طريق توفير التعليم المناسب له، وكذلك الرعاية الصحية التي يحتاجها.
ومجموعة دعم أسر أطفال متلازمة داون هي إحدى المجموعات التي تشرف عليها جمعية التدخل المبكر، وتهدف إلى تقديم الدعم لهذه الأسر، وتنظيم محاضرات للأخصائيين في مختلف المجالات التي لها علاقة بمتلازمة داون، إلى جانب الاحتفال بالمناسبات المختلفة من أجل توعية المجتمع إلى جانب إدخال الفرحة في نفوس الأطفال.
ويوضح أحمد بن محمد الجابري «رئيس مجموعة دعم أسر أطفال متلازمة داون» وطفله زيد «5 سنوات» لديه متلازمة داون: ان بداية تشكيل المجموعة كان عام 2003م وكانت تضم 15 أسرة، ولكن مع ازدياد عدد المنضمين إليها للحصول على الخدمات المفيدة لأطفالهم، قمنا في بداية عام 2006م بتشكيل مجلس إدارة للمجموعة، والآن نحن بصدد انتظار موافقة وزارة التنمية الاجتماعية لتشكيل جمعية خاصة لأطفال متلازمة داون، حتى نستطيع نشر خدماتنا في جميع مناطق السلطنة، وتقديم خدمات أكبر لهؤلاء الأطفال، لأن لديهم قابلية للتعليم والاعتماد على نفسهم.
كما أن مجموعة الدعم يستفيد منها الأهل أيضا، حيث يتم عن طريق الأخصائيين تعليمهم كيفية التعامل مع أطفالهم، وهذا يساهم كثيرا في تخفيف العبء على الأهل عند تربية الطفل وتعليمه بالمنزل.
وقال: وفي العام الماضي وبمناسبة اليوم العالمي لمتلازمة داون أقمنا احتفالا في مكان عام، وبهذه الطريقة عرف الناس عن أنشطتنا، وانضم إلينا الكثيرون، لذا سنحرص في خططنا القادمة على توعية وتثقيف المجتمع بأطفال متلازمة داون وقدراتهم، كما أن هناك أهالي لديهم أطفال بمتلازمة داون ،لكن للأسف يخباونهم في المنازل ولا يجعلونهم يختلطون بالمجتمع.

تعامل المجتمع والأطباء

وعن المعوقات التي تواجههم في عملهم قال: من أهم الصعوبات هي عدم وجود صفوف تعليمية خاصة لأطفال متلازمة داون، بالإضافة إلى أن وسائل الإعلام لا تتعامل بجدية في مسألة تثقيف المجتمع، ولا يوجد لدينا أطباء أخصائيون في الجينات والأمراض الوراثية، وللأسف هناك بعض الأطباء الذين ما زالوا يستخدمون كلمة «منغولي» لوصف أطفال متلازمة داون بالرغم من أن هذا المسمى لا يستخدم منذ فترة.
كما أن بعض الأطباء لا يقومون بتوعية الأهالي، بل العكس يحبطونهم، ويقولون لهم ان طفلهم سيكون معوقا للأبد، أو أنه سيتوفى بعد فترة، مما يعرض الأهالي لصدمة كبيرة.
وأيضا للأسف نجد أن بعض الأهالي يعتقدون أن طفل متلازمة داون «مجنون»، وعندما أدخلت ابني في إحدى الروضات اعترض البعض وهددوا بسحب أطفالهم، فقمت بنفسي بالاتصال بأحدهم وتوعيته وإقناعه بأن طفلي يستطيع أن يتعلم، ولا يشكل خطرا على الأطفال الآخرين، فابني ليس به مرض معد، ولكن الكثيرين ما زالوا يستغربون منا عندما نأخذه للأماكن العامة.

البحث عن المعلومة

وبالنسبة لابني زيد فقد عرفنا أن لديه متلازمة داون منذ ولادته، حيث كان شكله مختلفا ثم أكد لنا الدكتور هذا، وبالطبع في البداية انصدمنا وحزنا، ولكن إيماننا بالباري عز وجل، وأن هذا امتحاناً لنا جعلنا نصبر، خاصة أنه كان لديه 4 فتحات بالقلب، ولم يكن يستطيع الأكل والحركة، فأجريت له عملية عندما كان عمره ستة أشهر.
وبعد خروجنا من المستشفى لم نجد أطباء ليرشدوننا حول كيفية التعامل مع طفلنا،وكانت معلوماتنا عن متلازمة داون بسيطة، لذا قمنا بالبحث عن المعلومات في الإنترنت، وجلبنا كتبا من الخارج، وهذه الكتب معظمها بلغات أجنبية، وتدريجيا اصبحنا نعرف معلومات متنوعة، وصرنا نعامل ابننا كبقية اخوانه، ولكن لديه تأخرا في الكلام والدراسة.

أهمية دعم المجتمع

وتقول زوجته فاطمة البروانية: عند ولادة ابني زيد لاحظت أن شكله مختلف، فسألت الطبيب إذا ما كان هناك شيء بطفلي، فقال نعم ولكن يجب إجراء الفحوصات الطبية للتأكد، وبعد أسبوعين أخبروني بالنتيجة وأن ابني لديه متلازمة داون.
وحول مدى دعم أهلها لها قالت: أهلي يدعمونني كثيرا، وقد نشأت في بريطانيا، وكنت ألاحظ هناك أن أطفال متلازمة داون يختلطون بشكل عادي في المجتمع، وتوجد برامج متنوعة لهم، أما الوضع هنا في السلطنة فمختلف، لذا انضممت إلى مجموعة دعم اسر أطفال متلازمة داون من أجل توفير برامج خاصة لهم.
وبالنسبة لابني فإنني أعامله كبقية أولادي الآخرين، ولا أفرق بينهم في المعاملة، فإذا قام بشيء خاطئ فإنني أعاقبه، وهو يذهب إلى الحضانة منذ عام ونصف، واصبح يتعلم الألوان والحروف والأشكال وأناشيد الأطفال، ويستطيع أن يتكلم لغتين العربية والإنجليزية، بالرغم من أن الأطباء يقولون إنه يجب أن نركز على لغة واحدة .
والآن يجب أن يذهب للصف الأول، وحاليا يوجد فقط مركز خاص لهم في المدرسة الهندية، كما تم افتتاح صف في إحدى المدارس الحكومية بمنطقة الصاروج، لكنهم للأسف الشديد لا يشجعوننا كثيرا على تسجيل ابننا.

ما قبل المدرسة

وتشير زوينة البروانية «إحدى المؤسسات لمجموعة الدعم، وأم لطفلة عمرها 6 سنوات لديها متلازمة داون» قائلة: لا توجد مراكز أو مدارس خاصة لأطفالنا، والآن هناك توجه من الحكومة بدمج أطفال متلازمة داون في المدارس الحكومية، ولكن يجب أولا إجراء فحوصات على الطفل للتأكد من قدرته على في الدراسة بالصف الأول، وسنرى مدى نجاح هذه التجربة، وحاليا ابنتي «رؤيا» تدرس في مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، ولكن لا أدري أين أسجلها العام القادم؟
لذا نتمنى أن تكون هناك مؤسسة تعليمية لمرحلة ما قبل المدرسة لأطفال متلازمة داون، حتى يتعلموا فيها بالطرق التي تناسبهم، ومن ثم يستطيعون بعدها الذهاب إلى المدارس الحكومية أو الخاصة.
وانضممت إلى مجموعة الدعم منذ أن كان عمر ابنتي عاما ونصفا، ونحن كمجموعة دعم نقوم بتنفيذ العديد من البرامج للأهالي والأطفال بمشاركة أخصائيين حيث يوجد أخصائي للتغذية، وآخر للعلاج الطبيعي، ومدرس للغة الإشارة والنطق، ومدرس لذوي الاحتياجات الخاصة.
وتابعت قائلة: هناك تخوف من بعض الأهالي في إخراج أطفالهم للأماكن العامة خوفا من نظرة المجتمع إليهم، ولكن بالنسبة لي فإنني أذهب معها إلى عدة أماكن، كما شرحت لبقية أطفالي طبيعة وضع أختهم، وكيف يجب التعامل معها، وأهلي يقدمون لي الكثير من الدعم.

حملات للتوعية

وبالرغم من أن سلمى بنت محمد الحراصية ليس لديها أطفال بمتلازمة داون، لكنها متطوعة ضمن مجموعة الدعم، وتقول: أعمل كمتخصصة في علم الوراثة بوزارة الصحة، وفي عام 2004م بدأنا بتنفيذ مشروع بالتعاون مع مركز للأبحاث في برلين بألمانيا حول متلازمة داون، وشاركت فيه لمعرفة أسباب متلازمة داون، وأسباب انتشاره بالسلطنة.
وكانت مهمتي اجراء الفحوصات المخبرية، وأيضا مقابلة بعض الأهالي لأخذ معلومات منهم، وشعرت بعدها أنه من واجبي أن أشارك في المجموعة، فليس من الضروري أن يكون أعضاء مجموعة من الدعم فقط من أهالي أطفال متلازمة داون، بل علينا كأفراد في المجتمع أن نشارك ايضا.
وأضافت قائلة: نجتمع أسبوعيا عصر كل يوم سبت في جمعية التدخل المبكر، من الساعة الرابعة والنصف وحتى السادسة والنصف، بحضور الأهالي والأطفال والأخصائيين، حيث يقوم كلا الوالدين بالتحدث مع الأخصائي لاكتساب المعلومة والخبرة في كيفية التعامل مع الطفل، وبالرغم من أن المجتمع بدا الآن يتقبل اندماجهم في المجتمع، لكن التوعية مازالت مطلوبة، ونتمنى أن يكون التعاون بيننا وبين الجهات رسمية لتنظيم حملات للتوعية.

تعامل الأطباء

ويحكي يوسف بن خميس العامري عن تجربته «لديه طفلة بمتلازمة داون عمرها أربعة أشهر» مع الطبيبة التي ولدت زوجته فيقول: بعد ولادة زوجتي وبدلا من أن تخبرها الطبيبة باسلوب لطيف عن الخبر، قالت لها بأسلوب فج إن طفلتك «منغولية»!، وستكون حياتها صعبة، وأخذت تفرض على زوجتي استخدام وسيلة لمنع النسل، ولكن الحمد لله كانت هناك مجموعة من الممرضات الواعيات اللاتي أخذن يهدئن زوجتي، وأخبرنها أن هناك طرقاً ووسائل يمكن استخدامها لرعاية وتدريب أطفال متلازمة داون.
وطبعا في البداية لم تكن لدينا فكرة عن المرض، وكنا نلوم أنفسنا بأننا السبب في أن ابنتنا لديها متلازمة داون،لأننا كنا نعتقد أنه وراثي، مع أنها تعتبر أول حالة في عائلتنا، كما أنه لا يوجد بالسلطنة جمعية خاصة بهم مثل باقي دول الخليج، وكذلك الإعلام مقصر في هذا الجانب، ولكن بعد ذلك بدأنا نبحث في الإنترنت عن المعلومات، واشتركنا في جمعية التدخل المبكر، وعرفنا أن أسبابه غير معروفة إلى الآن.
وقال: بالطبع نواجه بعض الصعوبات في تربية ابنتنا، لكن نحاول الاستفادة من المعلومات التي نحصل عليها، وفي البداية كنا نخاف من إنجاب أطفال، لكن الآن زال هذا التخوف، فنحن سعيدان بابنتنا، كما بدأنا نشرح لأولادي الكبار بطريقة مبسطة عن حالة أختهم، وطريقة اللعب معها حتى لا تتعب.
وأتمنى إنشاء مراكز متخصصة لهم، وتوعية المجتمع بعدم خطورة ادماجهم في المجتمع، وايضا من الأهمية تثقيف الأطباء بطريقة نقل الخبر للوالدين، وأن يحرص الإعلام على تسليط الضوء على قضاياهم.

مشاكل في التغذية

من ناحيتها أوضحت هنادي بنت جمعان آل رجب رئيسة قسم التغذية العلاجية بوزارة الصحة ان أطفال متلازمة داون قد يعانون من ضعف التغذية والنمو بسبب ارتخاء العضلات، وكثرة النوم، وقلة البكاء، والإمساك، إضافة إلى وجود عيوب القلب الخلقية، ومشاكل التنفس. كما أن الرضع يواجهون صعوبة في التغذية والبلع بسبب أن قدرتهم على الرضاعة ضعيفة، والإعياء بعد القيام بمجهود، وعدم القدرة على الرضاعة والمص، والنوم لساعات طويلة.
وبما أن الرضاعة مهمة جدا للطفل فيجب الحرص عليها، وذلك بمساعدة الطفل عند الرضاعة، وتنظيف الأنف لإزالة أي انسداد به، وايقاظ الطفل واللعب معه قبل الرضاعة، وتجشؤ الطفل بعد الرضاعة.
وأضافت: أما بالنسبة للأطعمة المكملة فإن توفر الغذاء المتوازن يوفر للطفل جميع احتياجاته، ويتم البدء في تقديم الأطعمة المكملة عند نهاية الشهر السادس، وعلى الأم الاهتمام بتقديم الأطعمة المناسبة والمحضرة بطريقة صحية، مع الاهتمام بالتنويع في الأطعمة وزيادة عدد مرات الإطعام، إلى جانب تشجيع الطفل بكلمات وعبارات تشجيعية، كما يمكن تشويق الطفل بوضع الطعام داخل فمه وخارجه وتحريكه، ووضعه في أطباق صغيرة. وقالت: أيضا من المشاكل الصحية التي قد يصيب بها الأطفال «الإمساك»، ويمكن التغلب عليه بتغيير نوعية الأكل وزيادة تناول الألياف، واستخدام الحبوب الكاملة، والإكثار من تناول الخضار والفاكهة، ويمكن أن نجعل الطفل يلعب بالخضار البلاستيكية مثلا حتى يعرف شكلها ويستكشفها ومن ثم سيرغب في أكلها.
بالإضافة إلى إجراء بعض الفحوصات الطبية لأن انخفاض مستوى هرمون الغدة الدرقية مثلا يسبب الإمساك، وفي الحالات الشديدة يمكن استخدام بعض الأدوية تحت إشراف الطبيب فقط. وأكدت هنادي على ضرورة زيارة الأطفال لطبيب الأسنان مرتين سنويا، لأن البكتيريا التي في الفم يمكن أن تصل إلى الدم وتؤثر على مجرى الدم، ومن الأفضل إعطاء الطفل مضادات حيوية قبل البدء في علاج الأسنان.

المشاكل الحركية

إبراهيم عواد أخصائي العلاج الطبيعي في جمعية التدخل المبكر أشار إلى ان أطفال متلازمة داون يعانون في التأخر من التحكم بالرأس والجلوس والحبو والوقوف والمشي، ولكن هذا التأخر يختلف من طفل لآخر حسب حالته.
ومن أبرز المشاكل الحركية التي يعانون منها وجود قصر في الأطراف العلوية والسفلية وانخفاض التوتر العضلي، وضعف العضلات، وارتخاء الأربطة التي تربط المفاصل، وتبسط القدمين، وانقلاب القدم للخارج أو الداخل، إضافة إلى زيادة المدى الحركي للمفاصل، وتقوس الظهر للخلف، ووجود انحراف جانبي في العمود الفقري.
وأوضح أن هناك بعض الحلول لهذه المشاكل عن طريق برامج العلاج الطبيعي والوظائف، واتخاذ الأوضاع الصحيحة، والمشي على رمل الشاطئ أو العشب، والسباحة وركوب الخيل، إلى جانب استخدام الجبائر البلاستيكية، والأجهزة المساعدة على المشي، واللعب الهادف، أما الحالات الصعبة فيكون علاجها عن طريق الجراحة.