الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

أسلوب مختلف ولكن أكثر فاعلية !
د. عبدالحميد الموافي

ليس من المبالغة في شيء القول إن القمة الثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في العاصمة الكويتية الاسبوع الماضي ستظل من أكثر قمم مجلس التعاون أهمية وتأثيرا أيضا في مسيرة المجلس، وذلك بحكم ما تمخضت عنه من نتائج من شأنها ان تدفع مسيرة التعاون والتنسيق والتكامل بين دول المجلس خطوات إلى الأمام خلال الفترة القادمة.
واذا كان من المؤكد ان ما يتم التوصل اليه من قرارات وتوصيات وخطوات تدعم التعاون والتكامل بين دول المجلس في هذا المجال او ذاك، يعود في الواقع إلى حكمة وبعد نظر اصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وإلى قناعاتهم وارادتهم السياسية، الواضحة والقوية، في السير قدما بمسيرة التعاون إلى آفاق ارحب، تحقق تقدم ورفاهية المواطن الخليجي، وتعزز الاستقرار والأمن والأمان لشعوب ودول المجلس، ولكل دول وشعوب المنطقة من حولها أيضا، فإنه من من الأهمية بمكان الإشارة إلى ان مسيرة التعاون يبين الدول الست قد تعززت أيضا، ومنذ البداية بدعم وتأييد قوي ومتواصل من جانب شعوب الدول الست، وإلى الحد الذي بدت معه هذه الشعوب احيانا أكثر تعجلا وأكثر إلحاحا من اجل اختصار الزمن للوصول إلى نتائج أكبر، او أكثر عمقا في هذا المجال او ذاك ومن تابع العديد من الآراء والتعليقات التي صاحبت انعقاد قمة الكويت قد يتصور احيانا، ان المجلس لم يحقق شيئا او انه ما يزال في خطواته الأولى، وذلك من فرط الحماس او الاستعجال او ان شئت فقل عدم ادراك ما يحتاجه وما يتطلبه التعاون الاقليمي من خطوات واستعدادات تزداد وتتشعب وتحتاج لمزيد من الوقت والاستعدادات، كلما اتسعت او تعددت وتعمقت مجالات التعاون بين الدول المعنية، غير ان البعض يستسهل اصدار الاحكام التي تفتقر إلى الموضوعية، وحتى الجدية احيانا لأسباب معروفة.
على اية حال فلعله من الأهمية بمكان الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب ذات الصلة بالتعاون بين دول مجلس التعاون بوجه عام، وقمة الكويت بوجه خاص وذلك فيما يلي:
** أولا : انه ليس من قبيل الدفاع عن مسيرة التعاون بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية القول إنها استطاعت الاستمرار، بل والتقدم خطوات متتابعة برغم كل ما احاط بإنشاء المجلس في مايو عام 1981 من ناحية وبالمنطقة ككل من حوله من ظروف وتطورات وصراعات وحروب لم تشهدها منطقة أخرى على امتداد العالم وعلى امتداد العقود الثلاثة الأخيرة.. وقد يقول البعض ان ذلك يعود إلى ضعف المجلس، او عدم قدرته، او بالأحرى عدم رغبة اعضائه في اتخاذ مواقف او خطوات بارزة لتحقيق ما تتطلع اليه شعوب دول المجلس، ولكن ذلك هو في الواقع تبسيط مخل، بل انه قفز او تجاهل لكثير من الحقائق العملية، ليس فقط فيما يتصل بالتعاون بين مجموعة من الدول، بل أيضا لطبيعة وسمات هذه الدول وما تتطلع اليه على المستويين الرسمي والشعبي، هذا فضلا عن حقيقة ان خطوات التعاون والتكامل الاقليمي، وخاصة على الصعيد العربي لا تعود فقط إلى رغبات وتطلعات الشعوب، بعد ان تعثرت كثير من الخطوات التي اتسمت بالتسرع او مجرد الرغبة في دغدغة مشاعر الجماهير ثم ما لبثت ان تبينت ان هناك حقائق على الأرض لا يمكن تجاهلها او القفز السريع عليها ببيان يتلى او قرار يصدر. اما تجربة الاتحاد الاوروبي التي تعود إلى عام 1957 – اذا تجاهلنا خطوات مهمة في اعوام 1950 و1951 – فإن عمرها يصل إلى ضعف عمر مجلس التعاون تقريبا.
على أية حال فإنه يمكن القول إن مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية حققت بالفعل خطوات إيجابية وملموسة، وأكثر مما كان متوقعا لها – على الأقل بالنسبة لأوساط واطراف عديدة اقليمية ودولية أيضا – ومع ذلك فإن ما تحقق ليس مدعاة للرضا او القول انه ليس في الامكان ابدع مما كان، لسبب بسيط هو ان السنوات التسع والعشرين الماضية من عمر المجلس جعلت دول المجلس أكثر ادراكا، وأكثر قناعة، وأكثر تمسكا أيضا بمسيرة المجلس، خاصة في ظل ما شهدته المنطقة وتشهده من تطورات. وليس أدل على ذلك من عنايتها المتزايدة بمجالات التعاون الدفاعي والأمني، وبنشاط أكثر من أي وقت مضى، ليس شعورا بالتهديد بقدر ما هو شعور بأهمية وضرورة ذلك الآن، بعد ان خسرت دول وشعوب المجلس سنوات ثمينة عندما طرحت القيادة العمانية افكارها ببعد نظر وبصراحة شديدة أيضا، متوخية صالح وأمن واستقرار دول المجلس وشعوبه، وذلك منذ سنوات عديدة.
** ثانيا : انه من الأهمية بمكان الإشارة إلى ان قمة الكويت الثلاثين، تبني على ما بنته قمة مسقط التاسعة والعشرون – وهو أمر طبيعي – في آليات عمل المنظمات والتجمعات الاقليمية مثل مجلس التعاون وغيره. ومما له دلالة في هذا المجال اشادة صاحب السمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت بحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وبرئاسته للدورة التاسعة والعشرين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون وما تحقق خلالها في مجالات التعاون المختلفة.
وفي هذا الإطار فإن القمة الثلاثين ركزت في الواقع على دفع مجالات التعاون في قطاعات من شأنها الاسهام في تحقيق مصالح المواطن الخليجي بشكل مباشر. فإلى جانب التأكيد على المضي قدما لاستكمال تنفيذ ما يتصل بالاتحاد الجمركي والسعي للتغلب في أقرب فرصة على العقبات التي لا تزال عالقة بالنسبة للاتحاد الجمركي، تمهيدا لتحقيق السوق الخليجية المشتركة، فإن القمة وافقت على اطلاق المجلس النقدي الخليجي تمهيدا لاتخاذ خطوات إنشاء البنك المركزي الخليجي والسير نحو تحقيق العملة الخليجية الموحدة في ظل جدول زمني يقره او يضعه المجلس النقدي الخليجي نظرا لتعذر الوفاء بالموعد المحدد من قبل. ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى انه بالرغم من ان قرارات قمة مجلس التعاون تصدر بالاجماع، الا ان السلطنة ودولة الامارات العربية المتحدة اللتين لم تنضما – لاسباب مختلفة – إلى مشروع العملة الخليجية الموحدة افسحتا المجال أمام الدول الاربع الأخرى للسير فيها وهو أمر إيجابي يعزز مسيرة التعاون والتكامل بين دول المجلس ليس فقط الآن ولكن في المستقبل كذلك، خاصة وان دول المجلس قد توافقت منذ البداية على مراعاة الظروف الخاصة بكل منها، ومن ثم امكانية العمل بأكثر من سرعة بالنسبة لجانب او آخر من مجالات التعاون والتكامل فيما بينها.
يضاف إلى ذلك ان تدشين قمة الكويت للمرحلة الأولى من الربط الكهربائي بين دول المجلس والتي تضم كلا من السعودية والبحرين والكويت وقطر – حيث تضم المرحلة الثانية كلا من السلطنة ودولة الامارات العربية المتحدة – من شأنه تعزيز قدرة دول المجلس في مجالات الطاقة الكهربائية، والاعتماد المتبادل فيما بينها بالنسبة لاحتياجاتها من الكهرباء في الاوقات المختلفة. كما ان الاتفاق على مشروع السكك الحديدية بين دول المجلس، وإحالة المقترحات القطرية لتفعيل التعاون بين الدول الست وإنشاء بنك خليجي للتنمية، على غرار ما هو معمول به في الاتحاد الاوروبي ومجموعة الاسيان، تعود بالفائدة على المواطن الخليجي في النهاية. اما اعلان الكويت الذي تمخضت عنه القمة فإنه أكد على أهمية وضرورة العناية بواحد من أهم المجالات وهو مجال التعليم العالي والجودة العلمية من ناحية، والأمن الغذائي لدول المجلس وسبل التعامل معه وتحقيقه من ناحية ثانية، وهي قضايا باتت تفرض نفسها بشكل قوي كسبيل لا بد من السير فيه على أسس علمية، وبما يفيد حاضر ومستقبل دول وشعوب المجلس أيضا.
** ثالثا : انه مع الوضع في الاعتبار المواقف التي عبرت عنها قمة الكويت بالنسبة للجوانب والتطورات السياسية التي تمر بها المنطقة وما يحيط بها من تحديات تثير القلق، فإنه لم يكن مصادفة ان تؤكد قمة الكويت على دعم ومساندة المملكة العربية السعودية الشقيقة في ما تتخذه من خطوات للدفاع عن أمنها وأراضيها ضد محاولات التسلل، وكذلك التأكيد على ان الأمن الخليجي كل لا يتجزأ، وعلى دعم ومساندة الجمهورية اليمنية الشقيقة في دفاعها عن أمنها وسلامة أراضيها ووحدة شعبها.
وفي هذا الإطار أيضا، فإن مما له دلالة ان تعتمد القمة القرارات التي اتخذها مجلس الدفاع المشترك بين دول المجلس في دورته العادية الثامنة التي عقدت في مسقط في نوفمبر الماضي، بالإضافة إلى تعزيز قوة درع الجزيرة، أما ما أشار اليه وزير الخارجية الكويتي من إنشاء قوة للتدخل السريع بين دول المجلس، إلى جانب قوة درع الجزيرة، وهو ما لم يتطرق اليه البيان الختامي للقمة بشكل واضح، فإنه يوجه النظر والانتباه في الواقع إلى افكار طرحت قبل سبعة عشر عاما تقريبا وهو أمر بالغ الدلالة على مستويات عديدة، بغض النظر عما قد يتحقق على أرض الواقع. وعلى أية حال فإن لمجلس التعاون اسلوبه الخاص في العمل الهادئ والبطيء ولكن الفعال والمفيد لكافة دوله وشعوبه أيضا.

  رجوع