بعيدا عن
انتقادات المتحمسين الوحدويين لما يعتبرونه
بطء تطور مجلس التعاون الخليجي الذي أطفأ
ثلاثين شمعة في قمة الكويت، فيجب التفاؤل
بتعاون بلدان الخليج العربية وانجازاتها في
المجالات الاقتصادية وإزالة الحواجز الجمركية
والمشاريع المشتركة (خاصة ربط الشبكة الكهربية
لست دول) فكلها قفزات ارنب مقابل زحف سلاحف
كالاتحاد الاوروبي مثلا.
أوروبا بدأت باتفاقية الصلب والفحم قبل 60
عاما، وتحولت إلى ناد (روما) بعد عقد ولم تظهر
كلمة مشتركة الا بعد ربع قرن. ولا تزال لم
تبلغ الوحدة النقدية بعد (أحد انتقادات
الوحدويين لمجلس التعاون) وبلدان في مقدمتها
بريطانيا، ترفض فكرة العملة الموحدة.
إصرار بلد على الاحتفاظ بعملته، ليس عرقلة،
فبريطانيا ترفض إلغاء الاسترليني رغم قوة
اليورو، ليس لمعارضة مواطنيها فحسب، بل لضخامة
تجارتها مع امريكا ودول الكمونولث.
ولا يزال بقية موطني البلدان الـ25 الاوروبية
الأخرى يقفون في طوابير مصلحة الجوازات
والجنسية عند وصولهم مطارات بريطانيا وموانئها
(وان سهلت الأمر بوضع مفتيشها باختام
التأشيرات على قطارات نفق المانش وفي موانئ
فرنسا الشمالية).
باختصار مجلس التعاون الخليجي، بالمقارنة،
يعتبر من انجح التجمعات الاقليمية في العالم،
وأكثرها انجازا.
ولانني من مدرسة «انه الاقتصاد يا غبي» – شعار
جورج بوش الاب بان المطلب الأساسي للمواطن من
حكوماته هو الاقتصاد قبل الشعارات السياسية او
أي اعتبار آخر- فانني اعتبر القمة التي
استضافها أمير الكويت، الشيخ صباح الاحمد
الصباح، هي من انجح قمم أي تجمعات عالمية هذا
العام ( ونزاع قمة كوبنهاجن الذي تفجر ليلة
الجمعة/السبت الماضي دليل آخر.)
فالمشاريع الاقتصادية المعتمدة – واركز هنا
على المستقبل لا الماضي- او التي دعا وزير
المالية الكويتي مصطفى الشيمالي يوم الاثنين
الماضي إلى اعتمادها، هي لدي مقياس التفاؤل.
فمثلا مبادرة أمير الكويت بتأسيس صندوق لدعم
المنشآت التجارية الصغيرة والمتوسطة، ناجحة
بكل المقاييس، حيث بدأت المملكة السعودية
تبرعها بـ500 مليون دولار (193 مليون ريال)
وانهالت التبرعات بشكل فاجأ الوزير الكويتي
مثلما يقول.
الدعوة الأخرى الصادرة عن قمة الكويت بانشاء
الهيئة الخليجية للسكك الحديدية، هي مشروع يجب
دعمه بكل قوة ممكنة رغم انتقاد بعض
الاقتصاديين لمشروع سكك حديد تربط بلدان
الخليج بتكلفة 25 مليار دولار (قرابة 10
مليارات ريال)، لان عائد التكلفة، في نظرهم
يشكك في جدوى المشروع.
وللأسف فإن دراسات الجدوى اليوم اصابتها عدوى
الربح السريع من المضاربة في البورصات ومشاريع
الاقتصاديات الفقاعية التي تراهن على ارتفاع
قيمة الأسهم بنسبة تماثل، او ربما اعلى قليلا،
من معدلات التضخم مما يوهم المستثمر او حملة
الأسهم بربحية الاستثمار.
وهذا النوع من التفكير الاقتصادي كان وراء
ازمات مثل أزمة النقد العالمي واضطرار
الحكومات لاقراض اموال من الخزينة العامة
للبنوك لانقاذها من الافلاس (بريطانيا اقرضت
بنوكها 600 مليار جنيه استرليني – 373 مليار
ريال).
ولذا فقيمة واهمية مشروع السكة الحديد
الخليجية يجب النظر اليه بعائد المستقبل حيث
ستعود بفوائد ستشكر الاجيال القادمة القادة
الحاليين عليها.
المشروع يوجد مئات الالاف من فرص العمل محليا
واقليميا وفي المحيط العربي (صناعة القضبان
الحديدية والتي يمكن استيرادها من مصر،
وخليجيا انشاء ورش الصيانة المحلية، ومصانع
إنتاج خرسانة عوارض القضبان، واسلاك الكهرباء،
ومحطات الطاقة) قبل بدء المشروع.
ثم مئات آلاف من فرص العمل في بناء المحطات،
والفنادق والخدمات المحيطة بها، والإدارة
والعمال وغيرها.
فكندا - ثاني أكبر بلد في العالم من ناحية
المساحة - ما كانت تقوم لها قائمة دون السكة
الحديد التي ربطت انحاء ذلك البلد الشاسع
وجعلتها من أغنى بلدان العالم. ولذا فربط
بلدان الخليج الست بالسكة الحديد سيشجع نمو
صناعات أخرى بإنشاء فروع سكك حديد داخلية في
بلدان كالمملكة السعودية مثلا.
كما ان السفر ونقل البضائع بالقطارات بدلا من
السيارات والشاحنات والطائرات انظف للبيئة.
فالقطارات ستكون كهربية المحركات، لا تنفث
العوادم في كل مكان.
أسعار السلع الاستهلاكية ستكون ارخص، وتزداد
حركة السوق، وستدخل عادات ثقافية جديدة،
لقرائة الصحف والكتب، وانجاز الاعمال على
اللابتوب وماشابهه اثناء السفر بالقطار (مثلما
هو حال الاوروبيين مثلا) حيث ان التنقل
بالسيارات في بلدان الخليج اليوم هو وقت ضائع
في زحام الموصلات لايفيد سائق السيارة في شيء
اللهم الا معلومة او نشرة الاخبار المحلية من
جهاز مذياع السيارة.
السكة الحديد تعني «الخلجنة» الحقيقية لحلم
راود مؤسسي التعاون الخليجي من النواحي
الاقتصادية والصناعية وايضا الانسانية لسهولة
الانتقال بربط البلدان وتنمية شعور المواطنة
الخليجية، إلى جانب إيجاد السوق الخليجية
المشتركة واقعيا.
الفائدة الكبرى انها ستربط مجلس التعاون كوحدة
اقتصادية، مع البلدان المجاورة، عندما تجد
سلعا انتجت في شمال العراق (ومشكلته التاريخية
غياب المنافذ البحرية باستثناء ام القصر)،
طريقها للعالم الخارجي عبر ميناء كصلالة مثلا.
مشروع يفوق حلم سيسيل رويدس ( 1853 - 1902)
بخط سكة حديد يربط القاهرة بكيب تاون. !