«العارفون ببعض
خبايا التنافس الخفي بين «اوروبا العجوز» -
حسب وصف كولن باول طبعا - ورواد الحروب
الاستباقية من المغامرين الجدد، لطالما حملوا
الرسائل الخفية الى العواصم الاقليمية المعنية
وفي مقدمتها طهران والتي مفادها ان اشتروا
الوقت بقدر ما تستطيعون ، فإن اوروبا هي
الاخرى بحاجة الى هذا الوقت الذهبي حتى تمر
العاصفة بأقل الخسائر الممكنة» !.
ثمة انطباع متنام في طهران بان العالم من
حولها ومن حول حلفائها يتغير باتجاه خيارات
حروب باردة على حساب الخيار العسكري الذي كانت
ولا تزال الادارة الامريكية المنتهية ولايتها
وشريكتها الاسرائيلية المترنحة تهدد بها
وتتوعد!
وعليه فإن طهران احمدي نجاد التي تعتقد انها
تمكنت من تجاوز عنق زجاجة التصادم العسكري
الكبير والشامل مع الخصم وتثبيت دور اقليمي
يحسب له حساب في اللعبة الدولية رغم معارضة
امريكا ، اخذت منحى تفاوضيا معقدا ومتشابكا مع
«القارة العجوز» حول مستقبل الدور الايراني
الممكن بمظلة نووية محلية او وطنية هي من صنع
ذلك الصبر الاستراتيجي الذي بدأ يؤتي ثماره
الآن !
على هذه القاعدة من التفكير والقراءة
الايرانية جاء سولانا الى طهران حاملا ما يسمى
برزمة المحفزات الغربية المتجددة مقابل ما بات
يعرف بسلة التصور الايراني التي قدمت له في
اطار معادلة تفاوضية مختلفة نوعيا عن سابقاتها
بين الطرفين!
امامنا الآن اذن عدة أشهر حاسمة لكنها لن تكون
عصيبة ولا مأزومة ولا عالية التوتر بين هذه
القارة العجوز التي لطالما توسلت الطرق
الملتوية مع واشنطن لتجنب المواجهة العسكرية
مع ايران دفاعا عن مصالحها الاقتصادية المهددة
وبين الدولة الحديثة الدخول الى نادي القوى
الكبرى والتي لطالما وظفت الزمان والمكان و«
دبلوماسية حياكة السجاد» للوصول الى بر الامان
من شر القوة الاكبر في عالم اليوم » .
قد يكون من الصعب القطع بأن زمن الحروب
الاستباقية على الطريقة الامريكية التي ابتدعت
بعد 11 سبتمبر قد ولى ، لكن القدر المتيقن هو
ان زمن الاستخدام المفرط للقوة واعتبار القوة
وحدها هي العامل الحاسم في حل النزاعات ان لم
يكن قد ولى فهو في طريقه الى التراجع
والانكفاء .
امريكا اليوم لم تعد وحدها هي اللاعب القوي،
والعالم لم يعد احاديا . صحيح انه لم يترتب
بعد على اساس عالم متعدد الاقطاب، لكنه يعيش
مناخ اللاقطبية الاحادية ما يفتح المجال واسعا
امام ما بات يعرف بالقوى الفاعلة من خارج
مجموعة النادي الدولي التقليدي .
وكما يقول ريتشارد هيرس في مقاله الاخير في
الـ «فورين افيرز» ان على امريكا ان تعرف بان
ثمة ما يسميه بـ « قوى فاعلة غير حكومية »
باتت لاعبة اساسية في عملية صياغة العالم
الجديد ومن بين اهمها حزب الله اللبناني وحماس
و... الخ، فإن الايرانيين الذين هم على تماس
فاعل وحيوي مع هذه القوى باتوا ربما هم
المستفيد الاكبر ان لم يكن الوحيد في المنطقة
منها في معركة اعادة تنظيم المسرح الدولي الذي
بدأت ترتسم ملامحه منذ ان فتحت طهران معركة
»توطين« تكنولوجيا الطاقة النووية او بتعبير
آخر بمعركة الكفاح من اجل نيل الاعتراف !
لم يكن قولا جزافا اذن ان يتطرق احمدي نجاد
الى ما سماه انتقال الدور الايراني من معركة
الداخل الى »معركة ادارة العالم« مع كل ما
يحمله هذا التعبير من طوباوية ظاهرة ، وما
حمله من انتقادات لاذعة من خصومه المحليين او
الاقليميين او الدوليين .
ليس الآن هو الوقت المناسب للحكم على اداء
احمدي نجاد الخارجي، تماما كما ليس هو الآن
ئالوقت المناسب لاصدار الحكم النهائي على
ادارة بوش العالمية ، لكن حتى مجرد اسم الرئيس
الامريكي القادم وبالطبع الاداء الحكومي
الامريكي المقبل والذي سيكون مختلفا بالتأكيد
عن اداء الادارة الامريكية الحالية سيسلط
الاضواء على ما يجري حاليا في الاروقة الخلفية
من المسرح الدولي من مفاوضات علنية او سرية
على حساب الاحادية الامريكية المتكسرة على
سندان القوى غير الحكومية الفاعلة!
من جهة أخرى فانه لم يعد احد في طهران يتوقع
مواجهة شاملة في الافق ما دام الفريق الحربي
الامريكي ووكيله الاسرائيلي في طريقهما الى
الرحيل من المسرح السياسي الدولي قريبا .
هل يعني هذا ان معركة «تأميم» الطاقة النووية
او بتعبير آخر «الكفاح من اجل الاعتراف»
بالدور الايراني والموقع الذي تعتقد طهران
انها تستحقه في المعادلة الدولية قد انتهى؟!
بالتأكيد الجواب كلا ، لكن القدر المتيقن من
الانجاز هو ان طهران استطاعت ان تجبر اصحاب
نظرية الحروب الاستباقية الذين اختطفوا
المجتمع الدولي على مدى الثماني السنوات
السابقة ومعهم المتهورون الاقليميون من عتاة
الارهاب ومرتكبي جرائم الدولة المنظمة على
ترحيل سيناريوهات المجابهة الشاملة في الاقليم
الى خلفائهم حاملين معهم وهم يغادرون المسرح
الدولي حسرة تكرار السيناريو العراقي مع
طهران!
قد يرى بعض المتتبعين لهذا الملف، ان في وجهة
النظر الآنفة الذكر الكثير من المبالغة في
تقييم الاداء الايراني والكثير من التفاؤل غير
المبرر في انتفاء سيناريو الحرب فيما تبقى من
عهد المحافظين الجدد وفريق عمل العسكريتاريا
الامريكية - الاسرائيلية ، لكن الاشهر القليلة
المتبقية ستثبت لنا جميعا كم كان هذا البعض
مسكونا بماكينة الدعاية والحرب النفسية التي
صرف عليها الفريق الحربي الآنف الذكر عشرات
الملايين ان لم يكن مئات الملايين من
البترودولار الدولي والاقليمي!
ليس الآن هو الوقت المناسب لاصدار الحكم
النهائي على اي من الفريقين كان على الصواب،
لكن اتفاق الدوحة اللبناني رغم تعثراته
الظاهرة وسيناريوهات محاولة اعطائه صفة «مع
وقف التنفيذ«! كان ولا يزال الملمح المهم في
رسم الصورة المتاحة لعالم ما بعد المتهورين
الدوليين والاقليميين والمحليين في كل قطر من
اقطار ماحلمت به كونداليزا رايس من شرق اوسط
جديد!
لقد سقطت نظرية » سطوةالقوة الغاشمة » او
المفرطة، والتي ظن الكثيرون ان باستطاعتها
تطويع كل الارادات المحلية في العالمين العربي
والاسلامي في اطار ما كان ينظر له من نظرية
الدومينو على خلفية غزوة تورا بورا و حرب
التضليل والخديعة الكبرى ضد بلاد الرافدين!
فقد صمدت دمشق رغم كل ما اصابها من اعراض
الصدمة الاولى، وتصدت بيروت لكل سيناريوهات
الفتن المتنقلة والفوضى البناءة والتي كان
يهيئ لها كبديل للخيار العراقي المتهافت،
وتجاوزت فلسطين وغزة الحصار وهاهي طهران تعبر
آخر عنق زجاجة للحصار وسيناريوهات الحرب
الشاملة رغم كل التسخين والتهديد والوعيد
بتكرار السيناريو العراقي!
هذا فيما يستعد الرئيس الامريكى ورفيقه
الاقليمي في مغادرة المسرح الدولي بزيارات
وداعية للرفاق من «اوروبا العجوز» وغيرهم،
مربتين على اكتاف حلفائهم بانهم لايزالون عند
وعودهم رغم «اتفاق الدوحة التسووي» كما قالت
الكوندرايس في جولتها التوديعية للبنان .
العارفون ببعض خبايا التنافس الخفي بين
«اوروبا العجوز» - حسب وصف كولن باول طبعا -
ورواد الحروب الاستباقية من المغامرين الجدد،
لطالما حملوا الرسائل الخفية الى العواصم
الاقليمية المعنية وفي مقدمتها طهران والتي
مفادها ان اشتروا الوقت بقدر ما تستطيعون ،
فان اوروبا هي الاخرى بحاجة الى هذا الوقت
الذهبي حتى تمر العاصفة باقل الخسائر الممكنة
!
والآن ثمة من يرى في الافق نوعا ما من انواع
«معادلة ربح ربح» في المفاوضات الجديدة التي
بدأت بين اوروبا وايران انطلاقا من زيارة
سولانا الاخيرة لطهران على خلفية «الرزمة
الايرانية» مقابل «الرزمة الاوروبية» وذلك على
حساب معادلة «ربح خسارة» التي سعت امريكا في
فرضها على اجواء المفاوضات طوال السنوات
المنصرمة لكنها اخفقت حتى في اقناع الحليف
الاوروبي على تبنيها الكامل ناهيك في اخضاع
طهران لها!