«لم تتمكن
الدولة العربية من إيجاد سلطة منظمة للمجتمع،
بل أنتجت سلطة متسلطة على المجتمع، فغاب
التفاعل الإيجابي السلمي بين الفئات الأهلية
ومختلف الطوائف والقوى الاجتماعية، لذلك بقي
المجتمع بحاجة للدولة، وخصوصاً في بعض بلدان
المنطقة. ويقابل هذا العجز اعتماد شديد على
الدولة في البلدان العربية، خصوصاً من طرف
الفئات الوسطى التي تنظر إلى الدولة بوصفها رب
العمل المفضل».
نشأت الدولة الحديثة في البداية على خلفية
الحاجة إلى دورها الإداري، من جهة القيام بجلب
وجباية الضرائب، ثم غدت دولة إقليمية تتمتع
بالسيادة والاستقلال، ثم تحولت شكل دولة قومية،
ورست إلى أنموذج دولة القانون الديمقراطية.
وخلال هذه التحولات تعرض مفهوم الدولة إلى
تغيرات عديدة بدأت منذ بداية القرن العشرين
المنصرم وتسارعت مع نهايته، حيث شهد هذا
المفهوم تغايراً عن ما تصوره الفيلسوف هيجل
ذات يوم، فلم تعد الدولة أعلى تجليات العقل
البشري حسبما اعتقده، من جهة أنها لم تعد
تعقلاً للخير العام، وصيانة لمصالح عموم الناس
الأساسية.
وكانت أول الهزات التي تعرض لها المفهوم
الهيجلي للدولة حملته الثورات الاشتراكية التي
اعتبر فلاسفتها ومنظروها الدولة مرهونة
بالطبقة التي تشيدها، بوصفها تمثل مصالح طبقية
معينة، وعليه تصوروا أن دولة العمال أو
الشغيلة يمكنها أن تحلّ محل الدولة
البورجوازية والارستقراطية. بالمقابل بقيت
الأفكار الليبرالية التقليدية تراهن على
حيادية الدولة لصالح نظام الأغلبية
الديمقراطية الحافظ للتوازن الاقتصادي
والاجتماعي، وصوناً لقيم العدالة والصالح
العام.
لكن الأزمات الكبرى التي تعرضت لها النظم
الرأسمالية جعلت الليبرالية التي اعتمدت على
حرية المبادرة الفردية تتعلم الدرس من عدوها
النظام الاشتراكي، فأقرت بوجوب التوازن
الاجتماعي، ونشأ على خلفية هذه الإفادة مفهوم
«دولة الرفاه» بعد أزمة عام .1928 لكن الدولة
التي بنتها الاشتراكيات البروليتارية تحولت
إلى نمط من الدولة الشمولية المهيمنة، فحلّ
القمع والجمود، الأمر الذي أجبرها على السير
في خطى حثيثة نحو تحرير السوق، وفتح باب
الحريات مع بداية ثمانينيات القرن العشرين
المنصرم. وتزامن ذلك مع بداية صعود أفكار
أصحاب «الطريق الثالث» على خلفية فلسفية
اجتماعية تأخذ بالحسبان التطور التاريخي لدور
الدولة، وتنهض على الموازنة بين نموذجي
الاقتصاد: الاقتصاد التحكمي التخطيطي أو
المقيد، والاقتصاد المنفلت من عقاله لصالح
السوق الحر. ثم عرف نموذج الدولة تحولاً
باتجاه تخلي الليبرالية عن فرديتها الجامحة
لصالح تدخل الدولة وفرضها ضوابط وقواعد تنظم
عمل السوق. وفي الوقت نفسه أعلن فلاسفة ما بعد
الحداثة بداية عالم النهايات، وخصوصاً نهاية
عالم المركزة والاستقطاب لصالح التبعثر
والاختلاف.
وجاء سقوط الاتحاد السوفييتي تتويجاً لنهاية
السرديات الكبرى والنظريات الغائية. فيما صورت
الليبرالية الجديدة ذلك السقوط انتصارا
لنموذجها المبشر بالعالم السعيد، الخالي من
الويلات والحروب، لكن الأمر كان بعكس ذلك،
نظراً لأنها تحمل نزوعاً يجنح إلى تخلي الدولة
عن مجمل أدوارها الحديثة التي تخص الصالح
العام.
وإن كان النموذج الاشتراكي قد دخل باب
المنافسة الشديدة للنموذج الرأسمالي، خصوصاً
بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه دفع
الرأسمالية إلى الأخذ بنموذج دولة الرفاه
والحريات، لكن انهيار النموذج الاشتراكي جعلها
تتخلى عن مفهوم وتحققات العدالة الاجتماعية،
وبالتالي تمّ التراجع عن الكثير من المكاسب
التي حققتها نضالات العمال والفئات الوسطى،
ولم تَعُدْ الدولة الليبرالية الجديدة تولي
أية أهمية لحفظ التوازن الاجتماعي، ولا لضمان
الحاجات الأساسية أو مكافحة الفقر ومشكلة
الباحثين عن العمل، في مقابل تركيزها على
الحرية التي أضحت سمة تسم نظماً ادعت تشكيلها
لما عُرف بـ«العالم الحر« الذي تزعمته
الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع وصول المحافظين الجدد إلى قيادة «العالم
الحر» أو «العالم السعيد» حسب تعبير جاك دريدا
الساخر، فإن نموذج الدولة تعرض لتغاير خطير،
حيث اعتمد هؤلاء المتشددون على رؤية تصغر
أدوار الدولة وتمثيلاتها، كونهم ينظرون إلى
دولة الرعاية على أنها مجرد جمعية خيرية، إذ
لا ضرورة أبداً للإنفاق على الصالح العام، ولا
ضرورة كذلك لتعديل الاختلال الاجتماعي أو
الاقتصادي الحاصل في المجتمعات الرأسمالية.
أما فيما يخص الأقلمة العربية لمفهوم الدولة
فقد عجزت النخب الحاكمة عن تحقيق تعينات
الدولة الحديثة، أي عجزت عن أن تكون الدولة
دولة مجموع مواطنيها، إضافة إلى فشلها في
التنمية التي رفعت شعارات طانة بخصوصها.
بالمقابل فقد استولت النخب الحاكمة على
الدولة، وتحولت إلى سلطات لم تأخذ من أدوار
الدولة سوى الجانب الأمني دون أي اعتبار
للمفاهيم المترابطة مع مفهوم الدولة كالمواطنة
والديمقراطية والتنمية والتطور الاقتصادي أو
الاجتماعي. وإن أخذها للمفهوم كان مرتبطاً
بمصالح حزب أو فئة أو جماعة أو مجموعة عرقية
أو مذهبية تريد أن تركّب مفهوم تحقيق الأمن من
أجل ضبط حركة المجتمع، وتأكيد سيطرتها على
التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن
لا تحقق هدف هذه المجموعة أو هذا الحزب
المتمثل بالبقاء في السلطة إلى الأبد.
إذاً، لم تتمكن الدولة العربية من إيجاد سلطة
منظمة للمجتمع، بل أنتجت سلطة متسلطة على
المجتمع، فغاب التفاعل الإيجابي السلمي بين
الفئات الأهلية ومختلف الطوائف والقوى
الاجتماعية، لذلك بقي المجتمع بحاجة للدولة،
وخصوصاً في بعض بلدان المنطقة .
ويقابل هذا العجز اعتماد شديد على الدولة في
البلدان العربية، خصوصاً من طرف الفئات الوسطى
التي تنظر إلى الدولة بوصفها رب العمل المفضل.
ومع أن البلدان العربية انقسمت في اعتماد
نموذج معين للدولة، بين الرأسمالي والاشتراكي،
إلا أن معظم السلطات العربية تعلقت بالاقتصاد
المركزي الذي استفادت منه مافيات النظم
العربية المتعايشة معه وعليه في ثنايا الفساد
والإفساد السلطوي الممنهج، في حين أن الطبقات
الوسطى العربية بقيت تتعايش على الراتب
الحكومي كضمانة ضد الفقر، لكن الانهيار الذي
طاول الطبقة الوسطى نتيجة الاستقطاب الحاد
عالمياً واقليمياً ومحلياً، ازاح قسماً منها
إلى الفئات المهمشة التي شكلت ذخراً للسلطوية
الشمولية ولأصوليات دينية متطرفة. فيما تبقى
معالم الطريق إلى الدولة -عربياً- تمرّ عبر
مندرجات العقد الاجتماعي التي تجد أساسها في
الديمقراطية التعاقدية، والنظام الأصلح، الذي
يحفظ التوازن الوطني وكفاءة المؤسسات وتكاملها
وتعاونها، ويوفر فاعلية السلطات وتناوب السلطة
وتجديد البنى السياسية. وهنالك معيقات عديدة
للعبور إلى هذه المندرجات، تجسدها الدولة
الريعية، والثقافة السياسية السائدة
والإيديولوجيا القومية وغيرها، وهي معوقات
باتت تشكل أكثر من إعاقات بناء الدولة
الديمقراطية، كونها تحولت إلى عناصر مدمرة في
عملية انحلال مجتمعي.