أتذكرون كيف
كان حال الدنيا في تلك الأيام الخوالي عندما
كان لدينا في الولايات المتحدة ما سميناه
بالاقتصاد الجديد؟ كان ذلك في تسعينيات القرن
الماضي، حيث كثرت الوظائف، وقلت أسعار النفط،
وأوشكت تكنولوجيا المعلومات أن تغير وجه
العالم بكل ما فيه.
وحدث لأن انفقأت فقاعة التكنولوجيا. وتبين أن
كثيرا من كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات
والاقتصاد الجديد كانت أكثر مهارة في تلميع
صورتها منها في اكتساب الأموال، وإن ثبت أن
بعض هذه الشركات قد ارتاد آفاقا مبتكرة في
التلاعب التمويلي. ثم تليت ذلك صدمة النفط،
فصدمة الغذاء، فكانا نذيرين لنا بأننا لا نزال
نعيش في عالم المادة.
نعم ، وماذا إذن عن الثورة الرقمية؟ ليس على
ما يرام من حيث السرعة. فالتنبؤات التي روج
لها منظرو التكنولوجيا في التسعينيات تتحقق
على نحو أبطأ مما توقع المتحمسون، وإن يكن
المستقبل الموعود لا يزال قائما.
في عام 1994 كانت لواحدة من أولئك المنظرين
وهي إيثر دايسون نبوءة صاعقة، حيث قالت إن
سهولة التعامل مع المحتوى الرقمي وسهولة نسخه
وتوزيعه سوف ترغم رجال الأعمال في نهاية
المطاف على بيع منتجات النشاط الإبداعي بأسعار
زهيدة، بل إنها قد ترغمهم على توزيعها
بالمجان. وسواء كان المنتج الإبداعي كتابا أم
برنامج حاسوب أم موسيقى أم فيلما، فإنه سوف
يتحتم إسقاط تكلفة الإبداع بصورة غير مباشرة،
إذ سيتحتم على رجال الأعمال «أن يوزعوا
الملكية الفكرية بالمجان من أجل بيع خدمات
وعلاقات».
ودللت على ذلك بسردها بعضا من شركات البرمجيات
التي وزعت منتجاتها بالمجان وحصلت على مكاسبها
من التركيب والخدمات المصاحبة للمنتجات. غير
أن أكثر أمثلتها إقناعا بإمكانية تحقيق المال
من خلال توزيع المنتج بالمجان هو المثل الذي
ضربته بفرقة جريتفل ديد الموسيقية (التي
اشتهرت في الستينيات بمزج موسيقى الروك مع
أشكال موسيقية أخرى) التي كانت تحث الناس على
أن يسجلوا حفلاتهم الموسيقية الحية وذلك لأن
«عددا كافيا ممن يستمعون إلى الحفلات
ويسجلونها هم الذين يدفعون من بعد ثمن القبعات
والقمصان وتذاكر حضور الحفلات. فهذا النوع من
الأسواق في الحقبة الجديدة هو السوق وليس
سواه».
الحق أن جريتفل ديد أثبتوا أنهم كانوا روادا
اقتصاديين، فقد نشرت رولنج ستون enotS gnilloR
مؤخرا مقالا بعنوان «أقتصاد الروك الجديد: كيف
تكسب مالا والاسطوانات لا تباع». فتنزيل
الموسيقى والأغنيات من شبكة الإنترنت قلل
كثيرا من مبيعات الأسطوانات، ولكن فرق الروك
الموسيقية اليوم تحقق الدخل من مصادر أخرى.
فحتى إذا كانت المبيعات قد قلت، فبوسع الفرق
أن تحول البث الإلكتروني الحي والبث من خلال
يوتيوب إلى نجاح مالي غير مباشر من خلال
«النشر والجولات ومنح التراخيص» حسب ما ذكرته
مقالة رولنج ستون.
ما الأنشطة الإبداعية الأخرى التي ستتحول إلى
وسائل لترويج مهن جانبية؟ ماذا عن الكتب ومهنة
الكتابة؟
بحسب تقرير نشرته صحيفة التايمز، فإن الإقبال
هذا العام في معرض أمريكا بوكس إكسبو للكتاب
كان منصبا على الكتاب الإلكتروني. فالكتب
الإلكترونية هي القادمة، ولكنها بطريقة أو
بأخرى لم تصل بعد، ونحن ننتظر منذ فترة.
ونتذكر الطرفة البرازيلية التي تقول إن
«البرازيل هي بلد المستقبل وسوف تظل كذلك إلى
الأبد» وهذا حال الكتب الإلكترونية. ولكن ربما
نكون وصلنا أخيرا إلى نقطة توشك عندها الكتب
الإلكترونية على الوصول والتحول إلى بديل واسع
النطاق للكتب الورقية .
وذلك يقينا هو الانطباع الذي خرجت به من تجربة
شهرين مع الجهاز الجديد الذي تسبب في كل هذا
الرواج للكتاب الإلكتروني وهو جهاز آمازون
كيندل .eldniK nozamA فخفة هذا الجهاز ومظهره
الرصين يجعلان من التعامل معه مضاهيا للتعامل
مع الكتاب الورقي. وهكذا يصبح الخيار متروكا
للقارئ ويصبح له أن يقيم عامل الملاءمة: فجهاز
أمازون كيندل قادر على تخزين نصوص العديد من
الكتب، وقادر على أن يضع حرفيا بين يديك
الكتاب الذي تريده بعد دقيقتين من طلبك له.
ويبدو لي من الجيد أخيرا أن تشيع تجربة
القراءة الإلكترونية وأن تصبح معتادة بمثل
اعتيادنا للقراءة التقليدية.
ولكن كيف لذلك أن يؤثر على صناعة النشر؟ في
الوقت الراهن يكسب الناشرون من تنزيل الكتب
الإلكترونية إلى كيندل بمقدار ما يكسبون من
بيع الكتاب الورقي. ولكن تجربة صناعة الموسيقى
تؤكد أن ذلك الأمر لن يدوم أو يطول كثيرا،
فبمجرد أن يصبح تنزيل الكتب أمر اعتياديا،
سيستحيل على الناشرين الحصول او المطالبة
بأسعار كتبهم العادية
الحقيقة أنه يوم تصبح الكتب الإلكترونية هي
الأساس فقد تختفي تماما صناعة النشر كما
نعرفها الآن. بل لقد ينتهي الأمر بالكتب إلى
أن تصبح مجرد أدوات ترويجية لأنشطة أخرى يقوم
بها الكتاب، كالأمسيات مدفوعة الأجر. ولو كان
هذا خبر جيد لتشارلز ديكنز (الذي مات ولا رجاء
له في الانتفاع من أية أنشطة مصاحبة لكتبه)
فهو جيد بالنسبة لي أنا الآخر.
والآن، فإن استراتيجية التخلي عن الملكية
الفكرية ترويجا لأنشطة أخرى لن تنجح مع جميع
الأشياء بنفس القدر.ولنا في المؤسسات الصحفية
الإخبارية مثالا واضحا ومؤلما، فقد أنفقت هذه
المؤسسات ــ ومن بينها هذه المؤسسة ــ الكثير
من أجل تحويل وسيطها الإلكتروني إلى مصدر دخل
مكافئ للوسيط المطبوع بدون تحقيق نجاح يذكر.
ولكن سيتحتم على مثل هذه المؤسسات أن تجد
وسيلة ما. وقليلا قليلا، وشئنا أم أبينا، تتم
عملية التحويل الى الرقمية لكل ما هو قابل
للتحويل اليها - أي للدجتلة- وهو ما سيجعل
الممتلكات الفكرية أسهل في النسخ، اصعب في
البيع، وسيكون لزاما علينا أن نجد نماذج
اقتصادية وتجارية تحسن التعامل مع هذا الواقع.
وإذا كان الوعد بعيدا، إلا أنه مؤكد، سنتحول
جميعا إلى جريتفل ديد.
بول كروجمان
نيويورك تايمز
ترجمة قاسم مكي
قسم الترجمة- عمان