استطلاع - عبدالله بن سيف
الخايفي
المتاحف ذاكرة الشعوب وحاضنة لجزء مهم من تاريخ الأمة، وفي
السلطنة تحكي المتاحف قصصا مشرقة من الحضارة العمانية على
مر العصور من خلال آلاف المقتنيات التاريخية والأثرية التي
تمثل أنماطا مختلفة من النشاط البشري السياسي والاجتماعي
والثقافي وتسلط الضوء عن قرب على مراحل هامة وحقب تاريخية
من الحضارة العمانية فضلا عن تقديم معروضات متنوعة من بيئة
الإنسان العماني، بل ان كثيرا من الحصون والقلاع العمانية
والبيوت التاريخية تعتبر بحق متاحف طبيعية وفي كل ركن من
اركانها وزاوية من زواياها قصص وحكايات.
وإلى جانب المهمة التاريخية للمتاحف ودورها التوثيقي فهي
اليوم أضحت جزءا مهما من المرافق السياحية ومستودعات تكتنز
بالمعارف ويضطلع المتحف بدور سياحي بارز في التعريف
بالبلاد وما تزخر به من مقومات سياحية ويساهم في انعاش
السياحة وجذب السياح.
في الموضوع التالي نتجول في عدد من المتاحف بمحافظة مسقط
ونستطلع إلى أي مدى تساهم متاحفنا في النهوض بالسياحة
وانعاشها وتنميتها وما مدى اقبال السائح عليها وإلى أي مدى
تمثل مصدرا لمعلوماته ومعارفه عن السلطنة، ثم ما هي
متطلبات متاحفنا خلال المرحلة المقبلة لتنشط دورها السياحي
فضلا عن دورها التوثيقي؟
رائحة الأرض والإنسان
في جولة بالمتحف العماني التابع لوزارة التراث والثقافة
يستثيرك عبق التاريخ القديم من خلال أركان قسم التاريخ
الذي يعرض بعض المصنوعات والمقتنيات وصور لنقوش صخرية
قديمة فيما تتنفس رائحة الأرض والإنسان والتضاريس العمانية
في القسم الثاني من الدور الأرضي حيث تتنوع في هذا القسم
من المتحف الصور الموضحة لطبيعة عمان بتنوع طبيعتها في
المناطق المختلفة.
بينما تعرض في الدور الأول المخطوطات والوثائق والفن
المعماري العماني ويخصص المتحف العماني قسما خاصا عن
الفنون والصناعات الحرفية العمانية .
وهناك قسم لأسلحة عمان التقليدية يحتوي على مجموعة من
السيوف العمانية القديمة والبنادق التقليدية التي ترمز إلى
البطولة عند العماني إلى جانب نماذج من أشهر الخناجر التي
تعرف في عمان وبعض من الأدوات والملابس الحربية التي تعود
إلى العصر الإسلامي.
الحياة التقليدية
وفي زيارتنا للمتحف الوطني والذي كان يعرف سابقا باسم متحف
بيت السيد نادر بن فيصل بن تركي وافتتح في عام 1978 دلفنا
إلى القاعة الرئيسية التي تعرض أنواعاً من الأساور
والقلائد والخواتم والأدوات النحاسية وبعض جوانب الحياة
التقليدية العمانية، فيما خصص ركن بالمتحف لعرض بعض
ممتلكات السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان، كما يوجد بهذا
المتحف جانب لعرض نماذج لبعض انواع السفن العمانية
التقليدية إضافة إلى بعض الوثائق والطوابع البريدية لبعض
السلاطين بزنجبار.
بيئات طبيعية
وتواصلا مع عدد آخر من متاحفنا العمانية اتجهنا لزيارة
متحف التاريخ الطبيعي الذي يقع بمجمع وزارة التراث
والثقافة بمنطقة الخوير الذي يظهر روعة التباين في معالم
البيئة العمانية من خلال عروض الحيوانات والنباتات
والمناظر الطبيعية الساحرة بالسلطنة، وعلى الرغم من صغر
مساحة المتحف إلا انه يزخر بكم هائل فضلا عن عرض من أنواع
الحيوانات لا مثيل لها في البراري كانت قد عاشت في البيئة
العمانية وماتت بصورة طبيعية. ويضم المتحف العديد من
القاعات حيث تحتوي كل قاعة بيئة مختلفة من البيئات
الطبيعية التي تزخر بها الطبيعة العمانية.
وثائق ومراسلات
في زيارتنا للمتحف العماني الفرنسي الذي يقع في مدينة مسقط
شاهدنا مجموعة من التحف الأثرية ونماذج للحرف التقليدية
ومواد ثقافية تتعلق بالروابط التاريخية بين السلطنة
وجمهورية فرنسا.
ويعرض هذا المتحف مختلف المعروضات التي تحكي عن هذه
العلاقة بدءاً من الوثائق والمراسلات التي تمت بين
الرسميين الفرنسيين والسلطات العمانية خلال فترة هذه
العلاقة، إضافة إلى عرضه للمعروضات الأخرى التي تعبر عن
الفترة الماضية التي سادت فيها هذه العلاقات بين البلدين
كمجسمات لأنواع السفن العمانية والفرنسية في ذلك الوقت
إضافة إلى بعض المعروضات الحرفية لكلا البلدين وبعض أنواع
الأسلحة التقليدية المستعملة في ذلك الوقت.
وعي الطفل
رافقت جولتنا في متحف الطفل مجموعات من الزوار من الاطفال
الذين كان المعرض بالنسبة لهم وسيلة حية لتبسيط العلوم
والتكنولوجيا واستعراض مراحل تطورها وتطبيقاتها في
المجالات المختلفة بالإضافة إلى عرض الاختراعات والوسائل
الحديثة ويتيح المتحف بما يحتويه من مرافق مختلفه ووسائل
علمية متنوعة فرصة استيعاب وفهم الدور الحيوي الذي يلعبه
العلم في حياة الانسان وتناسب معروضات المتحف جميع الأعمار
لكنه يعطي اهتماما خاصا للأطفال جيل المستقبل وذلك بتوصيل
المعلومة العلمية إليهم بطريقة مبسطة وسهلة تهيئه للقرن
القادم واستيعاب إنجازاته المتوقعة.
الحياة المسقطية
يشكل بيت البرندة بولاية مطرح معلما ثقافيا وتربويا
وسياحيا فهو يقدم للعمانيين وزوار مسقط والمُقيمين فيها
تاريخ المدينة الطبيعي والبشري بأسلوب تعليمي تفاعلي حديث
حيث قامت بلدية مسقط بتأهيله وتطويره ليكون متحفا يحتضن
تفاصيل الحياة المسقطية.
وقد اختارت بلدية مـسـقـط مبنى بيت البرندة ليكون جزءاً من
منظومة المعالم التي تحافظ عـلى ذاكرة مدينة مـسـقـط من
خـلال التعـريف بتاريخ المدينة والمساهمـة في تنشـيط
الحركة الثـقافية فيها.
تحف عمانية
يمكنك عزيزي الزائر لبيت الزبير مشاهدة مجموعة متكاملة من
التحف العمانية الأصيلة من مختلف أنحاء السلطنة وتعتبر
واحدة من أفضل المقتنيات وأكثرها شمولية فهي تضم الأسلحة
العمانية التقليدية، والمجوهرات والملابس، والأدوات
المنزلية، ونماذج جسدت البيئة العمانية الريفية والحضرية.
عملات نقدية
هذا المتحف الذي يقع ضمن مبنى البنك المركزي العماني يقدم
نوعا مختلفا من المعرفة والاطلاع فهو يعرض تسلسل تداول
النقد في السلطنة سواء كانت من العملات الورقية أو
المعدنية وقد اشتمل المتحف على الكثير من العملات النقدية
القديمة والجديدة.
وخلال جولتنا في ردهات وزوايا المتاحف العمانية في محافظة
مسقط رصدت (عمان) اقبالا جيدا من السياح لزيارة هذه
المتاحف واستنطاق الذاكرة العمانية وملامسة جزء هام من
تاريخ الامة العمانية والتعرف عن قرب لانماط مختلفة
ومتنوعة من بيئة الإنسان العماني بينما تبقى الأعداد
محدودة من المواطنين والمقيمين باستثناء قوافل طلاب
المدارس.
يقول ديفيد فرنانديز من المملكة المتحدة: ان المتاحف هي
ذاكرة الشعوب وما تحتويه المتاحف العمانية من مقتنيات يدعو
إلى الدهشة والاعجاب بماضي السلطنة وعلاقاتها الحضارية
الضاربة في التاريخ ويضيف البيئة العمانية أكثر من رائعة
وكثير من المعروضات تقدم مصادر جيدة للمعلومات ودعا إلى
تفعيل دور المتاحف في خدمة السياحة باعتبارها تمثل مصدرا
مهما للمعلومات والمعارف.
سارة فرنانديز بدورها تشارك ديفيد الحديث مؤكدة على أهمية
ان يتم توظيف المزيد من التقنية المتطورة في اسلوب العرض
في المتاحف، مشيرة باعجاب إلى ان كثيرا من القلاع والحصون
العمانية هي في حد ذاتها متاحف جاهزة بحاجة إلى لمسات
التقنية لاضفاء المعاصرة عليها مؤكدة على اهمية ان تكون
المتاحف أحد المحاور الأساسية في جذب السياح وتطوير
السياحة، مشيرة إلى ان القلاع والحصون والافلاج العمانية
هي متاحف ومواقع سياحية واثرية في الوقت نفسه وينبغي النظر
اليها من هذا الجانب .
المتحف مرفق سياحي
وفي ركن آخر ببيت البرندة قال سايمون: التجوال في المتاحف
متعة كبيرة فالمتحف يختصر للسائح الكثير من الوقت والجهد
في البحث ويضيف: ربما لا يغنيك عن الزيارة على أرض الواقع
ولكن يساعد السائح على التزود بالمعلومات ويقدم نماذج حية
للمقتنيات التقليدية قد لا تتوفر كثيرا في كل وقت.وأشار
إلى ان المتاحف العمانية متميزة بمقتنياتها وثرية
بالمعلومات خاصة وان عمان لها صيتها وتارخها وعلاقاتها
الضاربة في التاريخ. وأكد على أهمية تطوير دور المتحف
ليكون مرفقا سياحيا ووجهة مطلوبة ليس للباحثين عن السياحة
العلمية والتراث والتاريخ فحسب بل لمختلف فئات السياح.
وفي متحف بيت الطفل كانت التكنولوجيا حاضرة من خلال
الوسائل العلميةالمتنوعة التي تقدم فهما مبسطا للأطفال حيث
أكد سعيد بن ناصرالعلوي الذي زار المعرض مصطحبا أطفاله على
أهمية دور متحف الطفل في تفتيح مدارك الأطفال وناشد بضرورة
ان تواكب المتاحف العمانية التطوير التقني في وسائل العرض
المتطورة. وقال الطفل خالد بن سعيد انه سعيد بزيارة المتحف
والتعرف على الكثير من الأشياء التي لم يكن يعرفها مثل
جهاز قياس الماء في جسم الانسان، وقال: ان المتحف يوفر
عددا جيدا من الألعاب والوسائل العلمية المفيدة.
وفي ركن آخر قالت الطفلة سوسن الحجرية انها تزور المتحف كل
عام وفي كل مرة تجد إضافات جديدة وتتمنى المزيد من التنويع
والتجديد والابتكار في الوسائل وان يقدم المتحف بعض
التجارب العلمية التي تساعد الطفل على الاستيعاب وتطلعه
على المستجدات.
صورة جامدة
وفي زاوية أخرى بالمتحف العماني يقول ميشيل أكرم من لبنان:
ان المتحف في منطقتنا العربية لا يزال ذهنيا مرتبطا
بالصورة الجامدة بينما في الحقيقة المتحف متجدد وحيوي
والوسائل السمعية والبصرية التي ادخلت على المتاحف في طرق
العرض جعلت الحياة تدب في الجماد الموجود بالمتحف وهذا ما
ينقص الكثير من متاحفنا حتى اليوم واضاف المقدرة على جعل
المتحف ينطق بالحياة هو التحدي وعندما يحدث ذلك فهو النجاح
في جعل المتحف مرفقا سياحيا تعمه الحركة واقبال السياح.
وفي ردهة أخرى بمتحف بيت الزبير قال مصطفى السعيد: للأسف
الشديد متاحفنا لا تساهم كثيرا في النهوض بالسياحة
وانعاشها وتنميتها. واضاف:اقبال السائح الاجنبي عليها أكبر
من السائح المواطن أو المقيم وهي لا تزال بحاجة إلى الكثير
من المتطلبات خلال المرحلة المقبلة لتنشط من دورها السياحي
فضلا عن دورها التوثيقي، وقال: يجب الاستفادة من خبرات
الدول المتقدمة في هذا المجال. وأضاف: السلطنة لديها مبان
تاريخية هي في حد ذاتها متاحف ينبغي استثمارها سياحيا
واضافة لمسة عصرية لها فضلا عن أهمية الترويج للمتاحف
وجعلها في روزنامة المواقع السياحية الجديرة بالزيارة.