في الوقت الذي يسرع فيه عام 2009 نحو نهايته
ليستقر في ذاكرة التاريخ، بما شهده من تطورات
وتحديات فرضت نفسها، ولا تزال، على دول
المنطقة وشعوبها، فانه يبدو انه يأبى ان يغادر
الا اذا ترك بصمة ايجابية يمكنها، على الأقل،
ان تفتح مجالا او تتيح فرصة اكبر أمام تحسن
العلاقات بين الأشقاء، واتجاهها نحو مزيد من
التقارب فيما بينهم، وهو ما تتطلع اليه كل
الشعوب العربية
ومع الوضع في الاعتبار طبيعة وحساسية التحديات
التي تحيط بالمنطقة العربية على امتداد الآونة
الاخيرة، فانه من المؤكد ان اي تقارب، واي
خطوة ايجابية لترميم الشروخ في العلاقات
البينية العربية، واستعادة مناخ التضامن
والتقارب بين الأشقاء هي جهود طيبة لأنها تسهم
بدرجة او بأخرى في احتواء الحالة الراهنة التي
حملت معها سلبيات عديدة بالنسبة للأوضاع
وللقضايا العربية على اكثر من صعيد .
وفي هذا الاطار تأتي الزيارة الهامة، بل
والتاريخية التي قام بها رئيس الوزراء
اللبناني سعد الحريري إلى دمشق، ومباحثاته مع
الرئيس السوري بشار الأسد، لتضع العلاقات
اللبنانية السورية على اعتاب مرحلة جديدة،
يتطلع اليها بحق كل ابناء الشعبين السوري
واللبناني من ناحية، ولتضيف قوة ودعما
للعلاقات العربية وللتقارب على الصعيد العربي
الاوسع من ناحية ثانية .
واذا كانت العلاقات السورية اللبنانية قد
تأثرت كثيرا منذ فبراير 2005، وما اعقب اغتيال
رئيس الوزراء اللبناني الاسبق رفيق الحريري من
تداعيات، فان مباحثات رئيس الوزراء اللبناني
في العاصمة السورية، والتصريحات التي صدرت في
اعقاب الزيارة تبعث في الواقع على الأمل
والتفاؤل باعادة اللحمة اللبنانية السورية الى
طبيعتها عبر اعادة ارساء العلاقات بين
الدولتين والشعبين الشقيقين على الارضية
الصلبة لعلاقاتهما التي اتسمت دوما بقدر من
الخصوصية والتميز الذي لا يتعارض مع السعي
المشترك لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة
في كل المجالات، وبما يتجاوب ايضا مع تطلعات
الشعب والدولة اللبنانية في بناء افضل
العلاقات مع الشقيقة سوريا، خاصة وان سوريا قد
بذلت الكثير من اجل الحفاظ على وحدة واستقرار
لبنان، ودعم قدراته على مواجهة الاعتداءات
والتهديدات الاسرائيلية، وهو ما تقدره مختلف
الشرائح والقوى اللبنانية التي تدرك جميعها
اهمية وضرورة ان تكون العلاقات اللبنانية
السورية دوما في افضل حالاتها . ومن هنا فانه
يمكن القول ان اية محاولات لعرقلة تطور
العلاقات السورية اللبنانية، محكوم عليها
بالفشل، لأن دوافعها معروفة ومكشوفة كذلك .
من جانب آخر فان هناك اتصالات سورية عراقية،
صاحبتها تأكيدات سورية على ارفع المستويات،
تؤكد رغبة سوريا في بناء افضل العلاقات مع كل
اطياف وشرائح الشعب العراقي الشقيق دون
استثناء، وهو ما يعد ضرورة كذلك من اجل التغلب
على الكثير من جوانب ونقاط الجدل في العلاقات
بين بغداد ودمشق وازالة اي سوء فهم يمكن ان
يحدث نتيجة تطور او آخر .
جدير بالذكر ان الجولة التي يقوم بها الرئيس
محمد حسني مبارك رئيس جمهورية مصر العربية في
عدد من دول المنطقة من ناحية، والزيارة التي
قام بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي
للقاهرة ومباحثاته مع الرئيس مبارك من ناحية
ثانية، الى جانب الزيارة التي قام بها علي
لاريجاني رئيس مجلس الشورى للجمهورية
الاسلامية الايرانية الى القاهرة ومحادثاته
التي امتدت نحو ساعتين مع الرئيس المصري تشير
جميعها في الواقع الى ان المنطقة تقف على
اعتاب مخاض جديد، يمكن ان يدفع بها نحو مزيد
من التقارب بين دولها وشعوبها علي نحو اكبر،
خاصة وان جميعها تتوق الى السلام والأمن
والاستقرار، والى العمل لبناء حاضر ومستقبل
ابنائها على نحو افضل، بعد ان عانت الكثير
بسبب ما مرت به المنطقة وتعرضت له من عوامل
عدم استقرار متعددة .