هل ينبغي على أحدنا أن يترك بيته الكائن في
العامرات ، ويستأجر شقة بعيدة إلى أن ينتهي
فصل الشتاء بسلام؟ هكذا تساءلت إحدى زميلاتي ،
ولم استطع أن أجد جوابا شافيا لسؤالها. كما أنّ
زميلا آخر قال بما يشبه المزحة: "هل يعقل أن
أجدادنا نحن العمانيون الذين خططوا بمنتهى
الدقة والعناية لشق الأفلاج ، وأدهشوا
المهندسين المعماريين بدقتهم في بناء القلاع
والحصون ، لم يعد أبناؤهم قادرون على وضع خطة
جيدة لشوارعنا في زمن يتوفر فيه كل شيء بتوفر
المادة ؟"، وأيضا لم أجد تعليقا ملائما لهذا
الكلام!
الحقيقة لم أتوقع أن أعاود الكتابة مجددا عن
العامرات ، بعد مفاجآت الحمير والمطر، والكلاب
التي نسيت أن أعرج عليها في المقال السابق إلا
أني اضطررت لذلك نظرا للمستجدات.. إذ يبدو
واضحا ان الشوارع تم إنشاؤها بدون حساب لأي
طارئ، مع أن الصغير والكبير يعرف جيدا بأنها
ولاية محاطة بالأودية.. إلا أننا في كل مرة
نكتشف وقوعنا في وقت صعب نغرق فيه في شبر ماء!
ولاية العامرات التابعة لـ مسقط تبدو بمعزل
غريب عن أشكال خدمية كثيرة ، ومهمة فهي واحدة
من أكبر ولايات محافظة مسقط ، ولا يوجد بها
إلى الآن مستشفى مرجعي واحد ، بالرغم من ان
اختناقا مروريا بسيطا تحت زخات مطر عادية قد
تؤدي إلى حالات لا تحسب عقباها! وكما ذكرت
سابقا لا شوارع داخلية في المناطق السكنية
بينما الغريب أن نجدها مرصوفة في أجزاء أخرى
من الولاية غير مأهولة بالسكان!
ورغم أن البلدية كانت تحاول أن تقلل من سرعة
المياه الجارفة التي لا تجد منفذا لها لكي
تعبر السيارات إلا أن هذا الجهد يبقى مجانيا ،
ولحظيا.. فما أن عُدلت الأوضاع في المرة
السابقة ، حتى لم يمض أسبوع واحد فقط حتى جاءت
السماء بما لم يحسب حسابه ، بالرغم من أن
الأرصاد الجوية كانت واضحة في هذا الشأن!
أمطار بسيطة زجت بالكثير من الأرواح إلى
الهلاك ، بالرغم من أن الشرطة بذلت جهدا في
المنخفض الثاني إذ أغلقوا الطريق تحسبا لأي
طارئ إلا أن ذلك أيضا حلا مؤقتا لا يسمن ولا
يغني من جوع!
والسؤال الآن بعد أن أوضح مركز التنبؤات
الجوية التابع لدائرة الطيران المدني والأرصاد
الجوية أن السلطنة تتأثر في هذه الفترة
بمنخفضات جوية قادمة يمكن أن تمتدّ إلى شهر
مارس ، من كل سنة بمعدل يصل بين 4 إلى 5
منخفضات في كل شهر.. هل يعني هذا أن نبقى في
بيوتنا ، وأن نقتطع الإجازات التي يفرح بها
البعض ويستاء لها البعض الآخر نظرا لزحمة
الأعمال التي تتراكم عليه فيما بعد ، وهو معلق
لعدة ساعات في زحام لا مبرر له..
وإن كنّا نعيش في بلد معظم أشهره مشمسة إلا أن
هذا لا يمنعنا من أن نتحسب للأيام الممطرة
فشوارعنا بدون تصريف حقيقي للمياه ، فما أن
يتجمع القليل منها حتى تحدث زحاما وحوادث نحن
في غنى عنها.
هل ما تقوله الأرصاد الجوية يعني: أن نقوم
بالاقتراح الذي قالته زميلتي أعني أن «نستأجر
الشقق» في شهر مارس!! بدلا من أن تتعطل حياتنا
كاملة بسبب زخة من المطر العابرة ، أم علينا
الانتظار مجددا! المسألة لا تقف عند العامرات
فحسب بل ان المسألة تمتد إلى اختناقات مرورية
مزعجة في مجمل مسقط لدرجة أن أحدنا يفضل أن
يحبس نفسه في البيت على أن يخرج ويستمتع
بالأجواء المنعشة خوفا من مفاجآت الشوارع ،
وبالرغم من أني أشعر أننا جميعا مدينون بالشكر
إلى رجال الشرطة الذين يقفون تحت المطر أو
حرارة الشمس لينظموا السير، وبالرغم من
الاشتغال المتواصل لجعل الأمور آمنة بعض الشيء
إلا أنه يجب أن نتحدث حول مسألة تخطيط
العامرات وشوارعها بصوت مرتفع ، وأهم ما يجب
أن نفكر به الآن: من المسؤول عن المنازل التي
ما تزال تبنى إلى الآن في الأودية؟ بالرغم مما
حدث مؤخرا في دولة من دول الجوار والخسائر
الفادحة في الأرواح والأملاك!!
بصدق لا أدري لماذا أعادت تلك الأمطار البسيطة
ذكريات "جونو" إلى عقول الناس ، فوجدت من حولي
من الجيران يسردون حكاياتهم، ومواقفهم التي
كابدوها ، بينما أفكر أنا بصوت منخفض: يبدو
أننا لم نتعلم الدرس جيدا!