يتحدث العديد
من الكتاب والباحثين العرب بين الفينة والأخرى
عن أهمية وضرورة الاندماج مع النظم الليبرالية
الجديدة المطبقة، بدون محاذير أو توجسات أو
النظر أحكام متوقعة سلبية أو غيرها لما ستسفر
عن هذا التوجه الذي سيصب حتماً في نجاح
اقتصادنا ومشاريعنا التجارية ودخولنا إلى عالم
المعرفة التكنولوجية من أوسع الأبواب.
والواقع أن هذا الكلام ينم عن توقعات وأحلام
وردية تنظر إلى الفكرة نظرة غير مخططة في
مسألة الاندماج الكامل في كل النظرات
الاقتصادية الرأسمالية، لان هذا الدمج لا
يستطيع رأسا أن يحل أزمات قائمة في بعض
السياسات الاقتصادية، أو ينقلها مباشرة إلى ما
هو أفضل بدون تعثرات أو هزات كما هو معتاد في
هكذا قضايا كبيرة ومهمة. إنما الأمر يخضع لأسس
وتطورات وتحولات مليئة بكل التوقعات وربما
يكون الأمر انتكاسة كاملة وليس عافية اقتصادية
شافية، لان القضية أكبر من هذه الرؤية
الاختزالية السريعة لمفاهيم وفلسفات معقدة في
التطبيق العملي، فالاقتصاد يعتبر امتدادا
للفكرة الثقافية وتراكم الممارسة الفعلية
ويخضع للبيئة والظروف والتركيبة الفكرية وهوية
المجتمع، كما أن تبيئة الأفكار والنظم من خارج
السياق الفكري والثقافي يحتاج إلى فرز وانتقاء
وعملية نهوض مصاحبة لهذا التوجه، فطريق النهوض
الحضاري كما يقول د. محمود سفر « الذي ترتجيه
الأمة يفرض عليها شروطاً لابد من تحقيقها
ويحدد مسارات لابد من السير فيها، لإكمال
المشوار المبتغى. فإن كان التسابق الاستهلاكي
واللهث خلف عالم الأشياء ، هو الطريق المرتجى،
فإنه يقود بلا شك إلى إخلاء الأفراد إلى ترف،
من شأنه أن يعيق عملية النهوض ذاتها ولا يساعد
على قيام قوة إنتاجية محلية ، تعتمد على
الإحلال المتصل والإبدال المستمر للطاقة
البشرية المستقدم بطاقة بشرية وطنية. فالترف
بطبعه يثبط الهمم عن التعلم والتدرب ، ويهبط
الاستعداد الوطني في هذه المجالات إلى أسفل
الدرجات.
وإن كان الطريق المؤمن لنهضة شاملة وحقيقية هو
ترسيخ الاعتماد على الذات ، والمزاحمة على
عالم الغد بكل ما يحمله ذلك العالم من مفاجآت
وتحديات فإنه يفرض علينا الدعوة إلى تنمية
تقنية نوعية ترتكز على إعداد وتدريب وتأهيل
الطاقة البشرية؛ لأن أي اتجاه للنهوض والتطور
لا يركز على الإنسان سوف يجد نفسه في دائرة
مغلقة يظل المجتمع بإنسانه داخلها دائماً أسير
عالم الأشياء الذي يتجدد دوماً وتجدد معه
الحاجة إلى طاقة بشرية قادمة معه.
فالأمر أبعد مما نتوقعه نحن وتبسيطه في
العقلية الراهنة فالليبرالية الغربية الحالية
لم تأت هكذا دفعة وإنما خضعت لتحولات وتطورات
وصراعات وتكونت في الغرب ليبراليات كثيرة عبر
مسيرة للاقتصاد الرأسمالي فهناك الليبرالية
المطلقة والليبرالية المنظمة والليبرالية
الطائشة التي مهدت لليبرالية الجديدة التي
جاءت بعد الكساد الكبير والتضخم في الولايات
وبعض الدول الغربية وإدخال نظم جديدة تحد من
النظم الليبرالية المنفتحة فالحرية الاقتصادية
المنفلتة من القيود والضوابط لها الكثير من
السلبيات والتحديات.
وجذور الليبرالية الغريبة سواء كانت سياسية أو
اقتصادية كما يقول د. فهمي جدعان في كتابه: (
الخلاص النهائي) قديمة هي ذات أشكال مختلفة،
فليبرالية (ماديسون) ليست هي ليبرالية (هايك)،
وليبرالية (بتنام) ليست هي ليبرالية (توكفيل).
والحدود بين الليبراليات تصطدم مثلما يقول
ميكائيل جارندو بحقل دلالي تتكدس فيه أكثر
المعاني تباينا وتتردد فيه المسألة في الآن
نفسه بين «الاعتقاد» والفلسفة والممارسة
السياسية. وهذا الخلط الذي يجعل اليوم من
الديمقراطية والرأسمالية مرادفين لليبرالية
يصب بكل تأكيد في مصلحة بعض المقاصد السياسية
التي تأذن بالتساؤل عما إذا كانت هذه المقاصد
نفسها ليبرالية. وهكذا فإن من مصلحة التطورات
الحديثة لليبرالية الاقتصادية التي يبدو أنها
برغم مناداتها بعدد من الحقوق الطبيعية وثيقة
الصلة بقانون الأقوى، ان تقدم نفسها بما هي
المتابع لتقليد لم ينقطع. ما هو، مع ذلك،
الشيء المشترك مع ليبرالية قانونية تنسب نفسها
إلى (تيار) الديمقراطية الاجتماعية)eitarcomed
laicos( وبهذا المعنى يمكن القول أن أية
محاولة للجمع في مركب واحد بين الممثلين
الكبار لليبرالية تنطوي على «مغامرة» صريحة.
فحقيقة الأمر ان الليبرالية ليست مذهبا موحدا
وانها كما يقول بيبر روزنفالون في الآن نفسه
«ثقافة» و «تقنية» في الحكم . إنها خطاب
يستجيب لمتطلبات اللحظة التي فرضها ما تم
الاتفاق على تسميته «المجتمع المدني» بما
اشتمل عليه من ثروات وأشخاص.
وهذا ما يجب أن تتداركه النخب العربية التي
يجب أن تدرس عملية الانضمام الى منظمة التجارة
العالمية والاندماج في اقتصاديات السوق
الدولية من خلال برامج وخطط منهجية علمية
مدروسة للاستفادة من وسائل وتقنيات الجديد في
عالم التبادلات التجارية وبما لا يجعل دخولنا
في هذه المنظمات خطوة إيجابية لا مجرد رقم
مستهلك فقط أو تابع يفرض عليه ما تمليه الدول
الأكثر تقدما في عالم الاقتصاد والتكنولوجيا.
الواقع أن قضية استنبات الليبرالية من خلال
العولمة بتلك الصورة السريعة غير المستوفية
الشروط والاستحقاقات المقننة في جانبها العلمي
والعملي يوجد الكثير من الإشكالات والسلبيات
على صعيد الممارسة الجدية لمقولاتها، ذلك أن
الليبرالية كما أشرنا ليبراليات عديدة وكل
واحدة تنطلق من مفاهيم فلسفية مغايرة للأخرى
وان اتفقت في مضامين الحرية الاقتصادية في
مجملها، إلا انها تتنافر في استلهام المضامين
الفكرية لنشاطها السياسي تبعاً لفكرة الفيلسوف
الاقتصادي الذي وضع رؤية انطلاقها السياسي
والاقتصادي.
ولذلك فإن الغرب الآن لا تحكمه نظرية اقتصادية
واحدة متكاملة، بل هناك نظريات وتباينات في
المفهوم الاقتصادي الغربي يقترب بعضها من بعض
إلى حد التقاطع ومن هنا نجد أن تطبيقات
العولمة في الغرب وهي البنت الشرعية لليبرالية
لها الكثير من المحاذير والتوجسات في تلك
القارة. بل وحتى الرفض وبخاصة بعض الدول
الأوروبية ومنها فرنسا التي ترفض الانفتاح على
السلع الأمريكية الاستهلاكية. وهناك الكثير من
الملاحظات والمناقشات على اشتراطات التجارة
الحرة حتى في الغرب نفسه أيضا وهو المتقدم
تكنولوجياً والمتقارب فكرياً فما بالك بظروفنا
نحن الذين نقع في السلم الأخير في النشاط
الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي.