الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

لماذا رفض العرب ديمقراطية بوش؟
عبدالعظيم حماد
نائب رئيس تحرير الأهرام العربي


«ليس معنى ذلك أن كل القوميات الساعية إلى التحرر، لا بد وأن تؤجل التحول الديمقراطي، فقد فعلتها الهند، وليس معنى ذلك كما قلنا في البداية أن الشعوب العربية والإسلامية لا تتوق إلى الديمقراطية، ولكن هذا الحديث يقتصر فقط على محاولة فهم أسباب الرفض العربي الشعبي والرسمي لديمقراطية بوش، حتى من دون تبرير».
العرب هنا ليسوا هم النظم الحاكمة، وأصحاب المصلحة في بقائها على ما هي عليه فقط، ولكن أيضا الشعوب في معظمها، على الرغم من أنها تتوق إلى الديمقراطية، بدون أدنى شك.
وإذا كان مؤكدا أن الحكومات تعرف ما لا تعرفه الشعوب عن دوافع الرئيس جورج بوش إلى الضغط عليها من أجل الإصلاح الديمقراطي، فإن الشعوب تدرك بالحس، ومن سياق الأحداث، أن دوافع بوش وإدارته لفرض الديمقراطية في المنطقة، ليست صادقة، أو على الأقل ليست بريئة من المصالح المهيمنة ، وذلك منذ اللحظة الأولى لظهور نية غزو العراق في السياسة الأمريكية، حتى من قبل أن تبدأ الضغوط على بقية الحكومات العربية في الخروج إلى العلن، ومن قبل أن تتكشف فضائح جوانتانامو، وأبو غريب، وبلاك ووتر... الخ.
أما عندما بدأت الحملة الأمريكية لفرض الديمقراطية على الحكومات العربية في أواخر عام ،2004 وبدايات عام ،2005 فإن ما جعل العرب شعوبا وحكومات تتشكك في دوافعها، هي أنها جاءت في سياق الفشل الأمريكي الكبير في العراق، وفي سياق ضغوط سياسية محمومة على الدول العربية لإرسال قوات إلى العراق، تنوب عن الأمريكيين في المواجهات مع المقاومة، ولكي تنفذ الأجندة السياسية الأمريكية.. وبالتالي تغسل أيدي الرئيس ووجهه من آثار المستنقع العراقي، وتسوق للشعب الأمريكي نجاحا مصطنعا للمغامرة كلها.
وعلى الرغم من أن الدول العربية رفضت هذا المشروع من حيث المبدأ، فقد أعاد الأمريكيون طرحه أكثر من مرة، وبأكثر من صيغة.
مثلا عندما لم تستجب السعودية ، طفت إلى السطح فكرة أمريكية الأصل، وهي استقدام قوات عربية وإسلامية من الدول غير المجاورة للعراق، وذلك من أجل استبعاد تركيا التي يرفضها الأكراد، وهنا كان التركيز على مصر وباكستان والمغرب، ولم تكن جولات ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي المكوكية بين العواصم العربية المعنية، إلا لهذا الغرض وحده، ورغم أن هذه الزيارات كانت علنية، فإنها كانت تحاط بستار سميك من الصمت، من جانب الأمريكيين على غير عادتهم في التسريب الإعلامي، ومن جانب هذه العواصم بطبيعة الحال.
هذا هو سياق الأحداث الذي بدأت فيه حملة بوش وأركان إدارته من أجل الديمقراطية في العالم العربي، وهي الحملة التي بدأت برسائل واتصالات غير علنية مع الحكومات، ثم انفجرت في مظاهرة دبلوماسية وإعلامية صاخبة تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير في مؤتمر ميونيخ لسياسات الأمن الدولي في فبراير عام ،2004 وكأن الأمريكيين أرادوا استغلال هذا المحفل الدولي العتيد لإقناع الحكومات العربية بأن العالم - أو أوروبا كلها على الأقل - متضامنة معهم في الضغط على هذه الحكومات من أجل الإصلاح والديمقراطية، أو على الأقل إحراجها أمام شعوبها وأمام بقية العالم، ما لم تستجب لمطلب إرسال القوات الى العراق، ويبدو أن اختيار مؤتمر ميونيخ لإطلاق هذه الحملة كان يعود إلى أن دورة عام 2003 من هذا المؤتمر، شهدت الانقسام الشهير بين أوروبا القديمة ممثلة في يوشكافيشر وزير خارجية المانيا، والولايات المتحدة ممثلة في دونالد رامسفيلد وزير دفاعها السابق حول غزو العراق، والمعنى الذي أراد الأمريكيون إبلاغه للدول العربية هو أنه إذا كانت أوروبا قد اختلفت معنا هنا حول غزو العراق، فهي متفقة معنا - وفي المكان نفسه - على حتمية فرض الإصلاح الديمقراطي على الحكومات العربية في إطار الشرق الأوسط الكبير، من أجل وقف تفريخ الإرهاب.
السبب الثاني لرفض الشعوب العربية لديمقراطية بوش، هو الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل، ليس فقط دفاعا عن أمنها وبقائها، ولكن أيضا دفاعا عن عدوانها، وتوسعها، ومروقها الصارخ على الشرعية الدولية.
السبب الثالث هو أن الشغل الشاغل للشعوب العربية الإسلامية كان، ولا يزال هو التحرر من السيطرة الاستعمارية الأجنبية، وهذه قضية مستمرة منذ قرنين أو أكثر من الزمان، وهي تشكل جوهر الفارق بين نجاح الأجندة الديمقراطية الأمريكية في ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وبين فشل أو تعثر الحملة الأمريكية للديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.
بالمصطلحات الشائعة المقيدة هنا، فإن القومية اليابانية، والقومية الألمانية كانتا في الاربعينيات من القرن الماضي قوميتين، عدوانيتين، أو قوميتين مضطهدتين بكسر الهاء، في حين أن الحركات الوطنية والقومية عند العرب والمسلمين كانت، ومازالت حركات تحرر، وبالتالي كانت الأجندة الأمريكية هي طوق التحاق للشعبين الألماني والياباني من الهزيمة، والتقسيم، أثر حرب بدأها هذان الشعبان، أو حكومتاهما، هي الحرب الأقسى، والأوسع، والأطول في تاريخ البشرية، وبالتالي لم يكن لدى الألمان، أو اليابانيين الأذون التي تقاوم الأجندة الأمريكية، حتى إن كانوا يريدون ذلك.
أما في الحالة العربية والإسلامية، فإن الدولة الوطنية لم تسمعه، وحتى عندما سحقت الدولة العراقية، فإن الشكوك في النوايا المهيمنة للمحرر الأمريكي المزعوم، ثبت أنها في محلها، بدليل ما تريد واشنطن إملاءه على العراق في مشروع المعاهدة الأمنية طويلة الأجل، من قيود غاية في الاجحاف، مثل حق الجيش الأمريكي في اعتقال مواطنين عراقيين، ومحاكمتهم، دون أن يكون للسلطات العراقية حق محاكمة واعتقال الجنود الأمريكيين الذين يرتكبون جرائم ضد عراقيين على الأرض العراقية، ومثل تحقيق شركات الأمن الخاصة العاملة لحساب الولايات المتحدة أمام السلطات العراقية، ناهيك عن القيود النفطية، والمالية، والدبلوماسية، والسياسية.
ليس معنى ذلك أن كل القوميات الساعية إلى التحرر، لا بد وأن تؤجل التحول الديمقراطي، فقد فعلتها الهند، وليس معنى ذلك كما قلنا في البداية أن الشعوب العربية والإسلامية لا تتوق إلى الديمقراطية، ولكن هذا الحديث يقتصر فقط على محاولة فهم أسباب الرفض العربي الشعبي والرسمي لديمقراطية بوش، حتى من دون تبرير.

  رجوع