«ليس من المناسب أن يتسرع العرب في تشخيص
الموقف على أنه عودة إلى الحرب الباردة، ولكن
من المناسب أيضا أن يرصدوا تأثيره على مسار
العلاقات الدولية مستقبلا وفيما يتعلق
بقضاياهم المهمة وأبرزها قضية فلسطين. فروسيا
لن تتحول بعلاقاتها مع الغرب إلى المواجهة أو
القطيعة وإنما ستسعى إلى تصحيح الخلل الذي
أصاب دورها وتأكيد وضعيتها الدولية، وذلك تطور
مهم يمكن استثماره عربيًا بحكمة وليس باندفاع».
مرت حرب القوقاز وتداعياتها السياسية المباشرة
التي تمثلت في مواجهة سياسية صارخة من العيار
الثقيل بين روسيا وأمريكا دون رد فعل صريح
وبارز من المنطقة العربية سواء كان ذلك على
المستوى الشعبي أو الرسمي. وقد رأى بعض
المحللين أن عدم التفاعل العربي على هذا النحو
مع أزمة دولية بهذه القوة ليس في محله، حيث
كان من المتوقع أن يصبح حديث الساسة في كل
مكان. ولكن المسألة لها وجهها الآخر الذي يجسد
ــــ على غير ما هو ظاهر ــــ تعاملا عربيا
عاملا وواقعيا فيه من الحذر وقراءة تطورات
الأزمة بشكل بعيد عن الانفعال مما يشير إلى
وجود أسباب موضوعية وراء عدم الاستعجال العربي
في بناء ردود أفعال من الممكن أن تعود بخسائر
سياسية جسيمة على العرب فرادى وجماعات إذا ما
تصوروا أن المواجهة بين روسيا وأمريكا على
خلفية حرب القوقاز تعود بالعالم مرة أخرى إلى
الحرب الباردة.
من المفهوم سلفا أن المنطقة العربية تشعر بقلق
بالغ من مجريات العلاقات الدولية منذ أحداث
الحادي عشر من سبتمبر التي مر عليها سبع سنوات
حتى الآن حيث لم يعد لدى أبناء المنطقة ثقة في
تحركات الأطراف الدولية الرئيسية في هذا
الزمان في ظل السيولة التي حدثت في العلاقات
الدولية وتغير التحالفات بين وقت وآخر بين هذا
الطرف أو ذاك بما لا يمكن المنطقة من بناء
سياسات محددة للتعامل مع الأزمات الدولية في
مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. وقد
تعلم العرب كثيرًا من سقوط الشرعية الدولية
والتعامل بازدواجية المعايير خصوصا أن هذا
وذاك طال قضايا المنطقة أكثر من غيرها، أصبحت
الأولوية في الشعور العام العربي هي كيفية
الإفلات مما تفاجئهم به التطورات الدولية
المعاصرة وليس اتخاذ موقف منها تترتب عليه
التزامات في الأغلب ستؤثر سلبيا على مصالحهم
في حدها الأدنى. وكانت حرب العراق درسا بليغا
ترجم عدم صدقية العلاقات الدولية في الوقت
المعاصر وانعدام الثقة في القيم والمبادئ
الأخلاقية التي حكمت هذه العلاقات. واكتشف
أبناء المنطقة العربية أن أصدقاءهم في الأمس
البعيد تحولوا إلى الضفة الأخرى، فإما تحالفوا
سياسيا مع الولايات المتحدة وقبلوا بأن يكونوا
في الصف الثاني بعدها بوصفها القيادة العالمية
الواحدة أو انفتحوا على إسرائيل بشكل غير
مسبوق، وفي الحالتين لم يعد أصدقاء الأمس ـــ
خلال الحرب الباردة ـــ حلفاء للعرب إن لم
يتحولوا إلى قوة ضغط عليهم. كما اكتشف أبناء
المنطقة أن المصالح الاقتصادية لعبت دورًا
بارزًا في إنهاء كل خلافات الحرب الباردة
وحسمها لصالح الولايات المتحدة والغرب، وأن
أصدقاء الأمس هم أول من هرول جريًا وراء هذه
المصالح حتى لو كانت على حساب المصالح
الاقتصادية العربية. ولذلك ـــ على الصعيد
النفسي والشعور العام ـــ إذا ما انقلبت
الأطراف الدولية الرئيسية على بعضها اليوم،
فإن عراكهم السياسي والاقتصادي يخصهم هم
بالدرجة الأولى ولا يتعين على العرب الخوض فيه
أو الانفعال به وإعادة ترتيب أوراقهم للانضمام
إلى هذا الطرف أو ذاك.
لقد حدثت وقائع عديدة في حرب القوقاز كانت
كفيلة بالفعل بأن توقظ المنطقة العربية من هذه
الرؤية للواقع العالمي المعاصر، كلها كانت
تقول إن الحرب الباردة عائدة مرة أخرى. يكفي
الإشارة إلى ما صدر عن روسيا بعد أن انتصرت في
معركتها مع جورجيا، والذي حمل عبارة «أن
العالم تغير من الآن» وكانت العبارة موجهة إلى
الولايات المتحدة التي ساندت نظام جورجيا
وكانت تأمل انتصاره في حربه الطائشة مع روسيا
فيما بنى عليه بعض المراقبين مقولة إن الحرب
الباردة أصبحت مجددا على الأبواب. لم يكن
الانتصار الروسي في الحرب هو المؤشر الوحيد
على دخول العلاقة مع أمريكا وغرب أوروبا هذه
المرحلة الفارقة، بل كانت هناك شواهد
استراتيجية أخرى عززت هذا الاعتقاد، عندما
تضامنت أوكرانيا مع جورجيا وساندها حلف
الأطلنطي الذي عزز وجوده أيضًا في بولندا،
وعندما بدأت روسيا في مباشرة مظاهر لاستعراض
القوة في القطب الشمالي والحديث مجددًا عن
تنامى قوتها العسكرية التقليدية والنووية، كما
بدأت روسيا تفكر في تعزيز تعاونها العسكري مع
بعض أصدقائها في المنطقة العربية الذين سارعوا
بإفساح المجال لذلك أملا في أن الحرب الباردة
باتت قاب قوسين أو أدنى.
ولكن الحقائق الموضوعية لا تزال تؤكد أن ما
جرى لم يكن مشهدًا يبشر بعودة الحرب الباردة،
وإنما هو تعاظم مستقبلي للدور الروسي يتزامن
مع تعاظم مستقبلي أيضا للصين فيما يمكن أن
يشكل تحالفا سياسيا واقتصاديا وعسكريا أيضا
لمنع تطويق الغرب للصين ووقف الإهانات الغربية
التي لحقت بروسيا ورغبة هذه الأخيرة في
استعادة دورها كقوة عظمى مرة أخرى. وليس
بالضرورة أن يتحول هذا التحالف إلى صيغة مقننة
كما كان يجري الحال في فترات الحرب الباردة،
ولكنه سيشكل حائط صد من الصين وروسيا معا في
وجه الهيمنة الغربية على العالم.
لقد هددت روسيا وأقلقت الغرب فعلا في حرب
القوقاز، ولكنها اليوم لا تملك أيديولوجية
الحرب الباردة التي تجعلها تتخذ موقفا مضادا
عقائديا ضد الغرب، وتعلم جيدًا أن لها مصالح
اقتصادية مهمة مع الغرب من الصعب التفريط فيها
خصوصًا في مجال الغاز والنفط، كما تعلم جيدًا
أن قدراتها العسكرية لن تجعلها تحول الصراع
القائم إلى مواجهات صارخة مثلما كان الحال في
الحرب الباردة، ويكفي أنها فقدت أوكرانيا التي
كانت تمثل قوة عسكرية ونووية لا يستهان بها في
الاتحاد السوفييتي السابق، وأقصى ما تفعله هذه
القدرات هو الحفاظ على أمنها القومي المباشر
حيث الحفاظ على ما يندرج تحت سيطرتها الآن فقط
بعد تفكك الاتحاد السوفييتي.
ما جرى هو انتفاضة روسية ضد سلسلة الإهانات
الغربية التي توالت على الاتحاد السوفييتي
السابق منذ أواسط الثمانينيات من القرن الماضي
وقادت في النهاية إلى تفككه وتقزيم دور روسيا
أكبر وريثة لهذا الاتحاد. فقد باشر الغرب
ضغطًا اقتصاديًا مكثفا على الاتحاد السوفييتي
السابق بالعمل على خفض أسعار النفط إلى حد
كبير وضرب تجارته في أهم ثرواته الأخرى كالذهب
والألماس والأخشاب وصناعة السلاح حتى روسيا
مثلا غير قادرة ليس فقط على بناء اقتصاداتها
الداخلية وتوفير الحياة الكريمة لشعبها. وإنما
أيضا عدم القدرة على تمويل سلكها الدبلوماسي
في الخارج!. وتحت وطأة الانهيار الاقتصادي
الداخلي بفعل التدخلات الغربية تفكك الاتحاد
السوفييتي سياسيا ووجدت روسيا نفسها في موضع
الخضوع لشروط المؤسسات الدولية وضاعت قدراتها
العسكرية ومن ثم فقدت وضعيتها الدولية. ومن
جهة أخرى باشر الغرب سلسلة أخرى من الضغوط
العسكرية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي كانت
من أبرزها أن حلف الأطلنطي أصبح على أبواب
روسيا ذاتها بعد أن انهار حلف وارسو سريعا،
ووصلت هذه الضغوط ذروتها في عهد الإدارة
الأمريكية الحالية إلى الحد الذي جعل الروس
يشعرون بالمهانة، واضطر بوتين الذي فتح ذراعيه
للغرب إلى التساؤل تعليقًا على أحداث جورجيا:
ما الذي كانوا يتوقعونه منا.. هل كانوا يريدون
منا أن نذهب إلى المذبح؟! فكان تعبيرًا جامعًا
وكاشفا لحجم الغضب الذي حل بالروس أخيرًا وأنه
فاض بهم الكيل.
ولا شك أن نمو الصين سياسيا واقتصاديا ساعد
روسيا على أن تستجمع قواها وتتنفس في وجه
الغرب على النحو الذي تابعه المراقبون طوال
أيام حرب القوقاز، فالعلاقات بينهما في تزايد
مستمر على الصعيد الاقتصادي تحديدًا، ومن
المتوقع أن الناتج القومي الصيني سيفوق الناتج
القومي الأمريكي عام 2035م بما يجعل الصين
أكبر اقتصاد في العالم، وعلى الصعيد العسكري
هناك إنتاج صيني متقدم رخيص الثمن في
المقاتلات وغيرها من المعدات العسكرية يتم
بالتعاون مع باكستان. ويتحسب الغرب جيدا لنمو
الصين على هذا النحو وسيعمل بكل تأكيد على
تطويق هذا النمو حفاظًا على مصالحه وأمنه
القومي بالمعنى الشامل. وروسيا بدورها صاعدة
اقتصاديا وعسكريا، وتجد في التحالف مع الصين
فرصة تاريخية لتصحيح الخلل الذي حدث في
العلاقات الدولية بعد انهيار الاتحاد
السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة! ومن الأفضل
لهما أن يعملا سويا خصوصا في ظل اقتصاد عالمي
يمر بمرحلة طويلة من الغموض والارتباك ويخفي
المستقبل الكثير من المفاجآت التي تقلب موازين
القوى من جانب الغرب.
مثل هذه التحولات المنتظرة لا تعني أن العالم
مقبل على حرب باردة لأن أيا من الأطراف
الرئيسية بما فيها الصين وروسيا وأمريكا ودول
غرب أوروبا، لا يملك اليقين من السيطرة بشكل
مريح بالنسبة له على مقاليد الاقتصاد العالمي
ولا على الإنتاج العسكري بمختلف أنواعه. وبما
أن هناك فرصًا لخلخلة الوضع الدولي الذي تحكمت
فيه الولايات المتحدة طوال السنوات العشرين
الماضية، فإن كلا من روسيا والصين ستعملان
بالقوة على الاستفادة منها. وكانت حرب القوقاز
فرصة سهلة للغاية أمام روسيا لاعتلاء منصة
القيادة الدولية والتأثير فيها بقوة. وقد
اعترفت أوروبا مبكرا بالخطأ الجسيم الذي وقع
فيه رئيس جورجيا المغامر عندما استفز روسيا
عسكريا في وقت وصلت فيه المشاعر الروسية إلى
قمة الغضب من الضغوط الغربية، ونجحت روسيا في
استغلال الفرصة ليس فقط لحماية أمنها القومي
والحفاظ على أصدقائها وحلفائها وإنما في توصيل
رسالة إلى الغرب بأن روسيا اليوم لم تعد روسيا
الأمس القريب وأنها قادرة على تغيير الأوضاع
البائسة في علاقاتها مع الغرب.
في هذا الإطار ليس من المناسب أن يتسرع العرب
في تشخيص الموقف على أنه عودة إلى الحرب
الباردة، ولكن من المناسب أيضا أن يرصدوا
تأثيره على مسار العلاقات الدولية مستقبلا
وفيما يتعلق بقضاياهم المهمة وأبرزها قضية
فلسطين. فروسيا لن تتحول بعلاقاتها مع الغرب
إلى المواجهة أو القطيعة وإنما ستسعى إلى
تصحيح الخلل الذي أصاب دورها وتأكيد وضعيتها
الدولية، وذلك تطور مهم يمكن استثماره عربيًا
بحكمة وليس باندفاع. إننا في عصر تحولات دولية
غير واضحة المعالم تماما ومن ثم يجب التعامل
مع المستجدات بقدر ما تتيحه من مكاسب أو تنذر
به من خسائر على صعيد المصالح العربية.