ترجمة قاسم مكي
يحارب زعماء العالم الإرهاب في كل الأوقات
بلقاءات قممهم وتصريحاتهم ومبادراتهم الأمنية.
ولكنهم اجتهدوا في تجاهل أحد أكثر انواع
الإرهاب انتشارا وأشدها قسوة في عالم اليوم.
انه نوع من الإرهاب يستهدف في معظمه النساء
والفتيات الصغيرات خاصة في مناطق الحروب
والعنف المسلح. وهو لا ينطوى على استخدام
أسلحة الدمار الشامل بل تشمل اسلحته ببساطة
بنادق ايه كيه- 47 والسواطير والعصي الحادة.
انه الاغتصاب الجماعي. وسيتم وضعه ضمن الاجندة
الدولية هذا الاسبوع. غير انه يلزم القول إن
هذا الحجم من الاهتمام به يجيء متأخرا. وسيعقد
مجلس الأمن جلسة خاصة حول العنف الجنسي يوم
الخميس القادم حيث ستذهب وزيرة الخارجية
الامريكية كونداليزا رايس إلى مقر المجلس
لقيادة الحوار. هذه الجلسة التي ترعاها الامم
المتحدة ويدعمها قرار من مجلس الأمن يدعو إلى
اعداد تقارير متابعة قد تعين فقط على تحول
الاغتصاب الجماعي من مسكوت عنه إلى قضية جادة
من قضايا السياسة الخارجية. لقد انتبه العالم
لهذه الظاهرة في عام 1993 بعدما اكتشف قيام
القوات الصربية ببناء شبكة من «معسكرات
الاغتصاب» تم فيها استعباد نساء وفتيات صغيرات
اعمار بعضهن لا تتجاوز 12 عاما. ومنذ ذلك
التاريخ صرنا نشهد نماذج شبيهة من الاغتصاب
المنظم في عدة بلدان. واصبح واضحا ان الاغتصاب
الجماعي ليس هو فقط ناتج ثانوي للحرب (أحد
ويلاتها) ولكنه ايضا سلاح معتمد ومقصود في
ذاته. يقول ستيفن لويس، السفير الكندي السابق
والذي كان مبعوث الامم المتحدة لداء الايدز في
افريقيا: ان الاغتصاب يمارس في الحرب منذ عُرف
التاريخ. ولكنه أخذ بعدا جديدا مع استخدامه من
قبل قادة الجيوش كاستراتيجية حربية. هنالك
سببان لذلك. اولا ان الاغتصاب الجماعي فعّال
جدا عسكريا. فمن منظور قوات مليشيا منخرطة في
حرب ينطوي الدخول في قتال مع جماعة منافسة على
مخاطرة. لذلك يتم تفضيل ترويع وإرهاب المدنيين
المتعاطفين مع تلك الجماعة وطردهم بعيدا عن
منطقة النزاع. وذلك تكتيك يحرم المنافسين
ويجردهم من الدعم. ثانيا ان الاغتصاب الجماعي
يجتذب اهتماما دوليا اقل مما تستدعيه اكوام
الجثث وذلك لأن الموضوع ليس حساسا والضحايا
عادة ما يدفعهم الحياء إلى عدم التبليغ عمّا
ألمّ بهم. وهنا ثمة سؤال يطرح نفسه. اذ عندما
تقوم حكومات بدعم دولة تجري فيها حرب أهلية
ويتم فيها ممارسة الاغتصاب الجماعي كسلاح هل
يعني ذلك حقا ان هذه الحكومات تتبنى سياسة
خارجية مناصرة للاغتصاب؟ الموطن الحق للاغتصاب
في العالم هو اقليم شرق الكونغو حيث حدث في
بعض اجزائه اغتصاب ثلاثة ارباع النساء تقريبا.
وتتم احيانا عملية الاغتصاب باستخدام عصي حادة
تجعل الضحايا يعانين بسبب اصابتهن بتقرحات
داخلية. ويعلق باتريك كاميارت وهو قائد عسكري
سابق لقوات الامم المتحدة في الكونغو قائلا:
ان تكون امرأة - هناك - لهو أخطر من ان تكون
جنديا. تلك ليست مشكلتنا. هذا هو تقريبا رد
المجتمع الدولي حتى الآن على قضية الاغتصاب
الجماعي. ورغما عن هذا فإن مثل هذه الاغتصابات
من شأنها تعقيد عملية اعادة الامور إلى نصابها
في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع حيث يستمر
العنف الجنسي حتى بعد استعادة واستتباب السلام.
ففي ليبيريا انتهت الحرب الاهلية ولكن لا يزال
الاغتصاب متفشيا، ونصف الحالات المبلغ عنها
ضحاياها صغيرات تقل اعمارهن عن 14 عاما. ويبدو
ان الامم المتحدة والدول الاعضاء بها بدأوا
يقرون بعد تثاقل وجرجرة اقدام مؤلمين بحقيقة
ان الاغتصاب الجماعي المنظم مذمة ونقيصة دولية
مماثلة لقرصنة تسجيلات الاقراص المدمجة
مثلا.رغما عن ذلك فإن الصين وروسيا تقاومان
اعتماد أية آلية جديدة للتبليغ عن حالات العنف
الجنسي. حيث تنظران إلى مثل هذه الاغتصابات
كممارسات مأساوية ولكن ايضا وببساطة كمسألة
محض جنائية. وعلى العكس من ذلك فإن المحاكم
الدولية وجدت ان الاغتصاب الجماعي يمثل جريمة
ضد الانسانية وان السبب في ازدهاره كممارسة
يعود جزئيا إلى عدم إيلائه اهتماما من قبل
العالم. يمكن للأمم المتحدة ان تفعل الكثير
والكثير جدا بغرض تقديم الرعاية الصحية لضحايا
الاغتصاب الجماعي والاصرار على ان تحاول قوات
حفظ السلام (في مناطق النزاعات المسلحة) وضع
حد له على الأقل. في الكونغو يقوم أطباء من
منظمتي (هيل افريكا هوسبيتال) و(بانزى
هوسبيتال) بترميم التهتكات الداخلية التي
تتعرض لها ضحايا الاغتصاب مازجين بين مهاراتهم
العلاجية واحاسيس التضامن الانساني. ولكن اكثر
ما يلتصق في ذاكرتي عند آخر زيارة قمت بها إلى
هناك في العام الماضى هو ما حدث اثناء مقابلة
اجريتها مع امرأة شابة وقع عليها اغتصاب جماعي.
ابتعدت عنها جانبا كي أحفظ لها خصوصيتها. ولكن
مجموعة كبيرة من النساء اقتربت. حاولت ابعادهن.
ولكنهن حينها أوضحن انهن كلهن تعرضن للاغتصاب
الجماعي وانهن قررن رغم الوصمة التي لحقت بهن
ان يروين ما وقع عليهن حتى ولو تعرضن للانتقام.
اذن دعونا نأمل ان يكف زعماء العالم
ودبلوماسيوه عن تقديم الاعذار عن عدم القدرة
على فعل شيء. وأن يشرعوا في التأسي بشجاعة
وفصاحة هؤلاء النساء الكونغوليات.
قسم الترجمة- عُمان