كتب
- محمد الحضرمي
أكثر ما لفت اهتمام المستمعين للأمسية الثانية من مهرجان
الشعر الشعبي هو صوت الراوية الصغيرة بلقيس بنت سالم بن
سعيد الحكمانية، حيث ألقت مقطعا من فن الميدان والمسبع،
الراوية الصغيرة شاعرة بصوتها، وبألق حضورها، شاعرة بطريقة
إلقائها، فقد استطاعت أن تشد انتباه المستمعين للشعر
الشعبي الذين غص بهم مسرح كلية الحقوق بالوطية، تحت رعاية
صاحب السمو السيد فاتك بن فهر آل سعيد المشرف العام على
المجلس، قدم الأمسية الشاعر سالم بن سلطان السعدي، وشاركت
في الأمسية مجموعة من الشعراء، تفاوتت أعمارهم مثلما
اختلفت أنماطهم الشعرية، لكن كان الشعر الشعبي هو نشيدهم
الأول.
حضور الشعر الشعبي لافت جدا، قياسا بفعاليات أدبية، إذ أول
ما دخلت المسرح شعرت وكأني مع جمهور مسرحي كبير، الحضور
امتلأ به المسرح، والكل صامت ومتفاعل من أناشيد الشعراء
وأغانيهم الشعبية، وكأنهم لحمة واحدة، والأجمل من ذلك أنهم
يحفظون لبعض، ويتواصلون معه في إكمال بيته الشعري قبل أن
يكمله الشاعر، شعرت وأنا مع هذا الجمع الكبير أن الشعر
الشعبي يكتسح الساحة، ومجلة وهج متوهجة دائما بتقديمها
للشعراء والشاعرات، ومجلس الشعر الشعبي يخدم الشعراء بما
يرغبون فيه، ويهيئ لهم المناخ المناسب، من أجل إبداع أفضل،
ولذلك نجد أكثر الشعراء المشاركين يهدون قصائدهم لسمو
السيد فاتك بن فهر المشرف العام على المجلس، وفاء منهم له،
وعرفانا بما يقدمه من رعاية أدبية، يستحقونها جميعا.
في أمسية البارحة اجتمع شعراء على بساط الشعر الشعبي،
فنثروا ما كتبوه من نصوص مدقعة في محليتها، وصادقة في
تصويرها، وتلقائية في إلقائها، وبسيطة في إسقاطاتها، نصوص
مليئة بإحساس مرهف، بلغة لا يفهمها إلا من يعشق الشعر
الشعبي.
قلت للراوية الصغيرة بلقيس: هل تحفظين شيئا من الشعر
الفصيح، فجاءت إجابتها بالنفي، لأنها لا تشعر بانتماء لمثل
هذا النوع، وببساطة أجابت: لا أحب الشعر الفصيح، ومدرساتي
يطلبن مني أن أحفظ الشعر الفصيح لكني لا أستسيغه، فيما
أستسيغ الشعر الشعبي منذ أن كنت في عمر تسع سنوات.
ومنذ لحظة بداية الأمسية شعرت بالحضور وهم في حالة إنصات،
وانتظار لشاعر آخر سوف يسعدهم، ويبهجهم بقصائد ميدانية أو
بمسبع ينتمي إليهم، ويعبر عنهم، فالميدان فن عماني صرف كما
يقول مقدم الأمسية سالم السعدي، مليء بالاسقاطات
والإيحاءات اللطيفة، ومشحون برسائل يجيد سبكها شعراء
الميدان، شعر مشحون بالتورية في كل بيت من أبياته، يحمل
التقاطات الشاعر وإحساسه بالجمال والألم.
يكتب الشاعر قصيدة في عيون حبيبته، مثلما يكتبها في مباراة
لكرة قدم، أو في ابتسامة عابرة وضحكة مجلجلة، وفي حدث شعبي
كبير، يمدح، يهجي، يفخر، يرثي، كلها أغراض يجيدها شاعر
الميدان، والمبهر في هذا الفن هو بساطة اللغة فيه وغموض
الصورة، هو فن يجمع بين أكثر من طرف، ومتناقضات لا تقبل
النقض.
وفي أمسية البارحة شارك كل من محمد بن سالم الحوسني، وسالم
بن خميس العريمي، وصالح بن يوسف السناني، وسعيد بن عامر
الطالعي، وحسين بن سالمين المرزوقي، وتنوعت فنون الشعر
الشعبي بين الميدان والمسبع والقصافي والتنجيلة.
الجدير بالذكر أن منتجع شاطئ السوادي سيشهد اليوم الحفل
الختامي للمهرجان، حيث ستعلن فيه القصائد العشر التي فازت
في مسابقة المهرجان، وذلك تحت رعاية سمو السيد منصور بن
ماجد آل سعيد، وتشارك فيه الشاعرتان أصيلة السهيلية وسماح
البلوشية، إلى جانب قراءة نصوص الخمسة الأوائل.