في الوقت الذي يمر فيه عام على العدوان
الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة المحتل، وهو
العدوان الذي أكد عدم قدرة إسرائيل على تحقيق
أهدافها حتى ولو لجأت إلى أسوأ أساليب التدمير
الواسع والقتل المنهجي للمدنيين الفلسطينيين،
فإنه يبدو أن المفاوضات غير المباشرة بين
سوريا وإسرائيل، التي كانت تتم بوساطة تركية
وتوقفت بسبب العدوان البشع على غزة، تتهيأ لها
الظروف لإمكانية استئنافها مرة أخرى بين سوريا
وإسرائيل.
ولعل ما يعزز ذلك أن التحركات والتطورات
الجارية في المنطقة الآن من شأنها أن تساعد في
إيجاد مناخ أكثر مناسبة لاستئناف المفاوضات
غير المباشرة بين دمشق وتل أبيب. ففي حين
تتطور العلاقات السورية ـ الأمريكية بشكل
إيجابي، ملموس ومتواصل، وهو ما يعزز الانفراج
الكبير في العلاقات السورية ـ اللبنانية في
أعقاب زيارة رئيس الوزراء اللبناني سعد
الحريري ومحادثاته مع الرئيس السوري بشار
الأسد في دمشق قبل أيام، فإن كلاً من دمشق وتل
أبيب أبدتا استعداداً لاستئناف المفاوضات غير
المباشرة بينهما، عبر الوسيط التركي، وكذلك
عبر الوسيط الفرنسي، خاصة بعد أن أعربت باريس
عن استعدادها للوساطة لإعادة سوريا وإسرائيل
إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى، سواء بالتنسيق
مع الوسيط التركي أو بدون ذلك.
جدير بالذكر أنه إذا كانت الشهور الماضية قد
شهدت خلافات تركية ـ إسرائيلية على خلفية
العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة
والانتقاد التركي الحاد للممارسات الإسرائيلية،
فإن كلاً من أنقرة وتل أبيب استطاعتا خلال
الفترة الماضية التغلب على تلك الخلافات إلى
حد كبير، خاصة وأن كلاً منهما لا تريد تصعيد
الخلافات أو التأثير سلبا على العلاقات
الإسرائيلية ـ التركية التي يرى فيها الطرفان
أهمية ليس فقط لكل منهما، ولكن أيضا بالنسبة
للمستقبل ولعملية السلام كذلك.
ومع قبول الرئيس التركي عبدالله جول الدعوة
لزيارة إسرائيل، فإن الاعتراض الإسرائيلي
السابق ـ خلال فترة الخلافات ـ على استمرار
الوساطة التركية لم يعد له ما يبرره. ومن ثم
يضاف عنصر آخر لعناصر تهيئة المناخ بشكل أفضل
لاستئناف المفاوضات غير المباشرة بين سوريا
وإسرائيل.
وفي ظل الحقيقة المعروفة، والمتمثلة في أن كلاً
من تركيا وفرنسا تتمتع بثقة الطرفين، السوري
والإسرائيلي، وكذلك بثقة مختلف دول المنطقة،
وكذلك الأطراف الأخرى المعنية بعملية السلام
في الشرق الأوسط، فإنه يمكن القول إن فرصة
ملائمة تتبلور الآن لإمكان استئناف المفاوضات
السورية ـ الإسرائيلية، بوساطة تركية، أو
فرنسية، أو بجهود مشتركة تركية ـ فرنسية،
حسبما تتمخص عنه الاتصالات والتحركات المبذولة
في هذا المجال.
من جانب آخر فإن التحرك الروسي الملحوظ في
المنطقة، وما أعربت عنه موسكو من استعداد
للإسهام في بذل مزيد من الجهود لدفع عملية
السلام في الشرق الأوسط، من شأنه أن يدعم
بدوره الجهود المبذولة، سواء على صعيد تحرك
المسار السوري ـ الإسرائيلي، أو الفلسطيني ـ
الإسرائيلي، خاصة وأنه من المعروف ان تجميد
عملية السلام في المنطقة والافتقار إلى أفق
إيجابي، خاصة بالنسبة للشعب الفلسطيني
ومستقبله وما يتطلع إليه من إنشاء دولة
فلسطينية مستقلة يمكن ان يؤثر سلباً على
الأوضاع في المنطقة.
وإذا وضعنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة
الأمريكية تؤيد بدورها استئناف المفاوضات
السورية ـ الإسرائيلية فإن مناخا مواتيا
يتبلور في أفق المنطقة، ولعل الأطراف المعنية
تتحرك من أجل السير بشكل عملي وجاد نحو تحقيق
خطوات عملية في اتجاه السلام الذي تتطلع إليه
كل شعوب المنطقة.