لئن كان يجوز وصف العولمة، كما وصفناها، بأنها
أعلى مراحل الاميريالية: وهو يجوز، ولئن كان
يخشى من سيئات ما تحمله في جوفها من حقائق
بالغة الخطر على كيان الدولة الوطنية وحقوق
المجتمعات والشعوب الصغيرة والفقيرة، بل حتى
الغني منها والكبير: وهي خشية مشروعة..، فان
العولمة وعلى ما كان لها من كبير فتوحات في
الاقتصاد والتقانه والسيطرة على مصائر البشرية
من بعيد لم تأت متناسبة النتائج مع المقدمات
والحصيلة مع الآمال والتوقعات على مثال ما حسب
حسابها من أمسكوا بأزقتها ومقاليدها من القوى
الكبرى، وانما حصل ان وقع التجافي والتناقض في
حساب الحقل والبيدر فما أتت الثمرات تبرر
توقعا أو تشبع رغبة أو تحقق أملا. ثم ان
آثارها سلبا وايجابا أتت - وان بدرجات متفاوتة
- على الجميع: من كان يدير فصولها ومؤسساتها
ومن كان يقع عليه فعلها.. على السواء.
العولمة، بهذا المقتضى الموضوعي والواقعي،
حمالة أوجه: هي كذلك لمن أرادها سلاحه وعليه،
وهي كذلك لمن تأباها وعليه، وان اختلفت
المقادير وتفاوتت فرص الربح والخسارة. ولسنا
نجد حال هذا المال حالا مناسبة للقول انما في
الامر ما يشبه انقلاب السحر على الساحر، وانما
هي حال تغرينا بالذهاب الى التشديد على فرضة
الطبيعة الجدلية الحاكمة لأية ظاهرة اجتماعية،
وعلى مساحة الاستقلالية التي تتمتع بها
الظاهرة تلك إزاء الفاعل الاجتماعي (والانساني)
الذي يديرها. ويسعنا، في هذا المعرض، أن نلقي
ضوء البيان على حقيقة ذلك التنوع الذي انطوت
عليه العولمة على صعيد الاتجاهات المتباينة
لنتائجها فتوزعت حصيلتها بين مكتسبات هنا
وخسارات هناك، وخسارات هنا ومكتسبات هناك.
وفرت العولمة لمجتمعات الغرب فرصا غير مسبوقة
لتعظيم الثروة واحتكار السلطة وتوسعة النفوذ
اذا تركنا جانبا الحروب البربرية التي خاضتها
أمريكا بمساعدة حلفائها الأطلسيين ضد العراق
وأفغانستان وصربيا لأطباق سيطرة الغرب على
منابع النفط في العراق والخليج العربي وبحر
قزوين واستئصال بقايا النفوذ الروسي في
البلقان، فان الغرب - عموما - لم تعد سيطرته
على العالم تكلفه في عهد العولمة ما كانت
تكلفه في الماضي: إبان الحرب الباردة أو في
الحقبة الكولونيالية باتت الوسائل والأدوات
الاقتصادية والتجارية والمالية، ثم التقانية
والاعلامية والثقافية، أفعل وأفتك وأضمن لأجزل
الفوائد والعائدات من وسائل وأدوات القوة
والعنف المعتمدة في الماضي. كانت الاطاحة
بالسيادة الوطنية ومصادرة قرار دولة واخضاع
نظام سياسي متمرد على الارادة الاستعمارية
تقتضي حربا: مباشرة أو بالوكالة. مع العولمة
أصبحت أحكام التجارة الدولية وسياسات «البنك
الدولي» و«صندوق النقد الدولي» تكفي لإنجاز
ذلك كله بأقل كلفة، بل من دون كلفة. وكان فرض
نموذج القيم الغربية على المجتمعات غير
الغربية واختراق نظمها الثقافية وتغيير
عاداتها ومعاييرها وأذواقها تقتضي غزوا
واحتلالا واقامة مديدة لفترة جيلين أو ثلاثة
أو أكثر، مثلما حصل في الحقبة الكولونيالية،
لكن الأمر اختلف في عهد العولمة: بات في وسع
الثورة الاعلامية والمعلوماتية أن تنهض بتحقيق
ذلك كله من بعيد وفي بحر مدة زمنية قصيرة.
لكن فتوحات العولمة في عالم الغرب ورصيد
مكاسبها الهائل ما كانت وحدها الحقيقة التي
تكرست وسادت وفرضت أحكامها، وانما اقترنت بها
ظواهر وحقائق أخرى مجافية أتت في ركاب العولمة
عينها وكانت في جملة نتائجها المرة ومضاعفاتها
السلبية، ولعل الأزمة المالية الكبرى وأزمة
الغذاء العالمية اللتين هزتا العالم - وأفقدتا
العولمة بريقها الانتصاري - مثال طري وخطير
لتداعياتها السلبية التي بدأت تلج طورها
الانفجاري منذ العام 2008. ان الزلازل العنيفة
التي ضربت أسواق المال والعقارات والبنوك
والمصارف والصناعات الكبرى فأطاحت ببورصات
كبرى وقيم الأسهم في مجالات الانتاج والخدمات،
وقادت الى اعلان الافلاس الرسمي لمئات من أضخم
المؤسسات الرأسمالية العالمية: من بنوك وشركات
تأمين وشركات تصنيع للسيارات والحواسب
والالكترونيات، ؟؟؟ خراب للسياحة العالمية
وسوق العقار، وتصريح لملايين من اليد العاملة
في البلدان الراسمالية الكبرى، والى غلاء فاحش
في المواد الغذائية وانهيار مروع للطاقة
الشرائية، وتدهور خطير لأوضاع الطبقة الوسطى،
وتزايد مطرد لنسبة الباحثون عن عمل من
الكفاءات اليدوية والفكرية..، أتت - في أشهر
معدودات - بمعاول الهدم على مكاسب العولمة
كافة فحولتها سريعا، في الميترويول الرأسمالي،
من نعمة الى نقمة.
وبمثل ما كانت نتائج العولمة مزدوجة ومتباينة
في المركز الرأسمالي، كذلك كانت في الهوامش
والاطراف من بلدان الجنوب. ان ذيولها فادحة
الاثر على هذه البلدان واقتصاداتها واستقلالها
واستقرارها. فإلى انها بدت غزوا كاسحا ومدمرا
استباح الحدود الوطنية، وأطاح بالسيادات وألحق
اقتصادات بلدان العالم الثالث بالمركز
الرأسمالي - الحاق تبعية لا الحاق شراكة -
ودمر الصناعات الوطنية الناشئة وقطاع الزراعة
بمقتضى أحكام التجارة الحرة والمستويات العليا
الجديدة للتبادل اللامتكافئ بين المركز
والاطراف، فقد بدت مقاومتها اقتصاديا سياسة
تقارب العبث أمام حال الانكشاف، بل لقد بدا ان
المقاومة الوحيدة التي من شأنها التخفيف من
الأضرار والخسارات هي الانخراط في العولمة
وركوب مركبها. وبالجملة، تلقت بلدان الجنوب
ضربات قاصفة في بناها الاقتصادية والاجتماعية
ليست تقبل المقارنة مع الخسارات التي تلقتها
مجتمعات الغرب الرأسمالي.
غير أن الوجه الآخر - الايجابي منها - لم يكن
في محصلته قليل الشأن. لقد أمكن لبعض مراكز
الجنوب أن تنهض نهضة عظيمة الشأن. وتلك حال
الصين بدرجة أساس، كما حال الهند والبرازيل
وتركيا واندونيسيا وماليزيا.. الخ. وعلى
المثال نفسه أتاحت ثورة الاتصال الحديثة (الاعلام
والمعلومات) فرصا مثالية لحيازة عدد هائل من
بلدان الجنوب وسائل فعالة للتطوير الاقتصادي
وقدرة على المنافسة الاعلامية والثقافية أعلى
من ذي قبل، مثلها أتاحت حيازة وسائط الاتصال
الحديثة فرصا أوفر لاندماج مجتمعات الجنوب -
ومنها المجتمعات العربية - في العصر وتبادل
قيمه ونشر المعارف في أوساط جمهور عريض لم تتح
له فرص التمدرس. حتى الدعوات الممانعة،
والأكثر انكفاء، للعولمة وجدت في ثوررة
الاعلام والاتصال موردا قويا لتجديد طاقة
الاعتراض وتأليف جمهور ناقم على العولمة
وقواها الغربية المهيمنة.من الواضح، اذن، ان
هذه الجدلية الحاكمة للعولمة ولنظام اشتغالها
لا تكشف فقط عند انفعال الظاهرة عن إرادة
التحكم فيها، وانفصال الفعالية عن ارادة
الفاعل، واستقلال قوانينها الموضوعية عن الذات،
وانما تفرض أيضا - وأساسا - الانتقال من
مقاربة اخلاقية، ومعيارية، مبسطة للعولمة تدور
في مدار ثنائية الخير والشر الى مقاربة سياسية
ترى الى الظاهرة في تناقضاتها وتفاعل قواها
ونتائجها.