الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

تَحدّ إيراني محسوب
جوزيف كشيشيان *
ترجمة قاسم مكي


(يبدو ان إسرائيل وإيران سيضعان اتفاقا جديدا لتوازن القوى للشرق الأوسط يطرح اشكالات وجودية لمجمل العالم العربي. ان إسرائيل (وذلك يحسب لها) تفهم ان إيران لم تعد قابلة للتخويف من السطوة العسكرية للآخرين وانها (أي إسرائيل) يلزمها أن تتفاهم مع جارتها النووية البازغة. لذلك يمكن ان تكون هنالك وجاهة في المحاججة بان إيران لن تنحني أمام تهديدها بمزيد من العقوبات، وأنها تُبدى عنادا محسوبا).
بالصوت العالي أعلنت الحكومة الإيرانية ـ التي لا تحبذ عادة جذب الانتباه ـ انها خططت لبناء عشر منشآت نووية إضافية لتخصيب اليورانيوم. وليست هنالك حاجة للقول ان ذلك يمثل توسيعا دراميا لبرنامج إيران النووي. وستنزعج عدة بلدان في المنطقة وحول العالم من كون أن إيران على وشك عبور العتبة النووية ، وإن قرارها الأخير ألقى المزيد من الحطب على نار مشتعلة اصلا. في مثل هذه الظروف هل يمكن اطلاق صفة التحرك الحصيف او الحكيم على هذا الإعلان الذي جرى توقيته كرد واضح على التقريع الرسمي الذي صدر عن الوكالة الدولية للطاقة النووية لإيران (لانتهاكها إلتزاماتها) - من وجهة نظر الوكالة الدولية - بموجب مواثيق الأمم المتحدة ؟ لقد بدأت إيران مشروعاتها النووية طويلة الأمد في عام 1962 عندما سعت إدارة جون كنيدي (الأمريكية) في أعقاب أزمة الصواريخ الكوبية مع الاتحاد السوفييتي إلى الاستثمار في حلفاء مستقبليين.
ومنذ عام 1979 استمر إرث العداوة بين واشنطن وطهران لان الرهائن الأمريكيين لم يطلق سراحهم إلا بعد 444 يوما وفى اشد الظروف إذلالا.
ولكيلا نصرف النظر عن الصلة الموجودة بين الخيارات السياسية في الماضي وفي الحاضر يلزمنا أن نتذكر أن واضعي السياسة الخارجية يحتفظون بذكريات دائمة في محاولتهم تصحيح أخطاء عهد ولّى وانصرم. انه لمن النادر أن تجد صانع قرار يطوي صفحة مفتوحة. ورغم الدعوات التي تحث على التفاهم مع إيران إلا أن إدارة أوباما لا تبدو مختلفة عن الإدارات التي سبقتها. ترتيبا على ذلك يبدو الآن ان المنطقة قد تكون متجهة إلى مرحلة أكثر صدامية.
وقد تكون منطوية على مخاطر اذا كان لدى إيران قضية مشروعة تتعلق باستيفائها لاحتياجاتها الضخمة من الطاقة. ان الشق الاشد تعقيدا من المسألة بالنسبة لطهران يتصل بتوسعها النووي الماثل الذي من شأنه ان يتيح لها الحصول على مقادير كبيرة جدا من الوقود.
هي بالتأكيد كافية لصنع عدد قليل من القنابل. في الحقيقة أن عدد أجهزة الطرد المركزية المتوافرة حاليا لدى طهران لتخصيب اليورانيوم وهو حوالي 8745 جهازا (رغم ان نصفها فقط قد يكون جاريا تشغيله الآن في ناتانز) سيصل إلى رقم فلكي هو نصف مليون جهاز وذلك بمجرد شروعها في تنفيذ المنشآت المخططة. وبحسب المنطق فان مثل هذا الحجم من القدرات سيحول إيران إلى قوة نووية في وقت أقرب مما هو متوقع.
وحقا فان خطط التوسع الجديدة هذه تندرج ضمن الحقوق السيادية لإيران. وفي حين انها نادرا ما تتعب من تكرار إعلان أن برامجها تخدم أغراضا مدنية إلا انه ينطرح سؤال هاهنا، وهو: ما الذي تريده طهران حقا؟ في إيجاز إن إيران ترغب في الحصول على وضع (قوة إقليمية) متميز ومعترف به بما ذلك في العالم الإسلامي. غير ان ذلك على أية حال يشكل سيفا ذا حدّين. لماذا؟ لان إيران بمجرد حصولها على قدرة نووية ستنضم في هدوء إلى القوى النووية الأخرى التي لا تستطيع استخدام إمكاناتها باهظة التكلفة خوفا من أن تُزال (بهجوم نووي) من الوجود. إن إيران ليست بمثل تلك الخطورة التي كثيرا ما ينسبها لها المحللون.
ذلك في حين ينحو الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى ممارسة لعبة حافة الهاوية السياسية لأسباب تتعلق بتوازنات داخلية. وفي الحقيقة فإن الأغلبية الساحقة من مواطنيه يعتقدون ان على إيران الحصول على الأسلحة النووية لان إسرائيل تمتلكها كذلك. والأهم من ذلك لانهم يعلمون ان إيران لا تشكل تهديدا لإسرائيل. وقد يبدو هذا أمرا غريبا.
ولكن الإيرانيين براجماتيون او ذرائعيون على نحو جلي وواضح. فقد ظلوا على علاقات وطيدة مع إسرائيل طوال العقود القليلة التي مضت رغم أن الشخصيات الحالية على كلا الجانبين تبدع في التعابير البيانية البليغة.
وقد يحاجج محلل ساخر بان إيران قد تستمر في تخصيب اليورانيوم وفي صنع أكبر عدد ممكن من الرؤوس النووية لردع إسرائيل ، وبدون معارضة منها. ان الإيرانيين يذكّرون المجتمع الدولي بان إسرائيل بالفعل تقوض الاستقرار في الشرق الأوسط ولها قدرة جوهرية على ان تكون مصدرا دائما للصراع وذلك كما استبان في تدمير منشأة تموز النووية في العراق في 7 يونيو 1981. ان إيران لن تتطوع من تلقائها بتقديم تفاصيل عن قيامها هي نفسها بالهجوم على نفس المنشأة في 30 سبتمبر 1980 خلال الحرب الإيرانية العراقية.
واليوم فإن كلا من إسرائيل وإيران منخرطتان في رقصة مرسومة بعناية تضع المنطقة بكاملها على اطراف أصابعها.
على الجانب الإسرائيلي فإن المناورات العسكرية الواسعة النطاق تبين عمليا عن توافر قدرات على القيام بضربات طويلة المدى (ففي تمرين أجري في يونيو 2008 تم اشراك أكثر من 100 طائرة مقاتلة اف 16 واف 15 أثناء مناورات فوق شرقي البحر المتوسط واليونان).
اما على الجانب الإيراني فيشتد الإنكار في الوقت الذي توجد فيه برامج تسعى لبناء ترسانة نووية بأسرع ما يمكن. وبحسب البرامج الحالية يبدو ان إسرائيل وإيران سيضعان اتفاقا جديدا لتوازن القوى للشرق الأوسط يطرح إشكالات وجودية لمجمل العالم العربي.
ان إسرائيل (وذلك يحسب لها) تفهم ان إيران لم تعد قابلة للتخويف من السطوة العسكرية للآخرين وانها (أي إسرائيل) يلزمها ان تتفاهم مع جارتها النووية البازغة. لذلك يمكن أن تكون هنالك وجاهة في المحاججة بان إيران لن تنحني أمام تهديدها بمزيد من العقوبات ، وأنها تُبدى عنادا محسوبا.
إلى ذلك فعلى الرغم من ان الرئيس أحمدي نجاد قد لا يكون الأكثر شعبية في إيران إلا انه يكشف عن فهم حاذق للشؤون الداخلية. ان رسالته المتحدية بان إيران لا تحب معاملتها كطفل من قبل المجتمع الدولي تجد استحسانا في طول وعرض بلاده. وهي تستوجب من قادة المنطقة والعالم ألا يسيؤوا قراءة تحركاته المحسوبة.

* كاتب أمريكي متخصص في الشؤون الخليجية

  رجوع