«منجزات ليفني الحقيقية تتمثل في قدرتها
العظيمة على تصوير إسرائيل في صورة الضحية،
ووصف الإدانات بالظلم، والإصرار على الكلام
باسم معاييرها الديمقراطية. وتلك جميعا مظاهر
للجرأة السافرة، وفيها تفسير لتعذر قبول العرب
بإسرائيل».
حينما حضرت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي
ليفني المنتدى الثامن للديمقراطية والتنمية
والتجارة الحرة في قطر قبل عدة ايام، دعت
الدول العربية إلى الترحيب بإسرائيل بينها كما
دعت إلى تغيير نظرتها للدولة اليهودية. ثم
عادت إلى الدوحة كرئيس للوزراء في اسرائيل في
ابريل من عام 2018 - على سبيل الافتراض -
لحضور الدورة الثامنة عشرة من المنتدى نفسه
والمطالبة بالطلب نفسه. فقد مر عقد من البحث
عن الاعتراف بلا طائل، فما السبب في خيبة مسعى
ليفني؟
في منتدى ابريل من عام ،2008 أعلنت ليفني أن
وجودها في قطر يأتي «لمد يد إسرائيل بالسلام
إلى كل الدول العربية» مصورة الحوار
الإسرائيلي القطري بوصفه نموذجا لما ينبغي أن
يحدث. وكلمت جمهورها الدولي عن صناع السلام
السابقين، مؤكدة أن «السلام (تطلب) تنازلات من
كلا الجانبين، ولم تغفل ليفني تذكيرهم بمساندة
الزعماء الفلسطينيين لكي يتسنى لهم أن يتخذوا
القرارات السليمة». ويقال إن الفلسطينيين
بحاجة إلى مثل هذا التشجيع، لعدم وجود تعاطف
كاف من الزعماء العرب، والرأي العام العربي.
واجترأت ليفني فالتمست من المشاركين أن «يغيروا
النظرة إلى إسرائيل، وليس ذلك لصالح إسرائيل،
بل لصالح الشعب الفلسطيني». وذلك أجرأ ما قيل
منذ قبول العرب بالوجود الفعلي لإسرائيل. وما
بقوا يتحدونه هو الاعتراف بشرعية هذا الوجود.
فذلك كان يقتضي اعترافا إسرائيليا بحق
الفلسطينيين في أن تكون لهم دولة مستقلة ذات
سيادة والأهم أن تكون دولة آمنة، ذات حدود
واضحة محددة معترف بها. وحتى إن صدق المرء
ليفني في أن إسرائيل ترغب في التعايش السلمي
مع جيرانها فسوف تبقى مشكلة بسيطة وإن تكن
مزعجة، وهي مشكلة التفوق العسكري الطاغي على
القوى الإقليمية مجتمعة.
فلقد كان دفعها الدول العربية إلى إقامة
علاقات منفردة مع إسرائيل دفعا غير أمين تماما
بعدما رفضت إسرائيل خطة السلام التي أعلنتها
الدول العربية في قمة بيروت لعام ،2002 وبعدما
استغلت ليفني مؤتمر الدوحة لتقليب العرب على
الإيرانيين.
في عام ،2008 أصرت ليفني على أن إيران دولة »كانت
تمثل تهديدا للمنطقة برمتها«. وبوصفها رئيسة
للوزراء في عام ،2018 تفادت ليفني المسألة
كلها خاصة بعد انضمام إيران إلى النادي النووي
قبل سنوات قليلة، وإن أخبرت الصحفيين في
الدوحة بأن جهودها السابقة لخلق هوة بين العرب
والإيرانيين لم تنجح.
المفارقة، أن الرئيس الإيراني محمود أحمدي
نجاد كان يحظى بشعبية في العالم العربي عام
2008 تفوق العديد من الزعماء العرب أنفسهم،
وأن أغلبية العرب كانوا يؤمنون بأن برنامج
طهران للتسلح النووي كان سيمنح المنطقة مزيدا
من الأمن. ومع ذلك بقيت ليفني مصرة على أن
إيران كانت تقوض الأنظمة العربية بدعمها
لتيارات محددة من المتطرفين في العراق ولبنان،
ومساتدتها لحماس وهي »المنظمة الإرهابية«
المنتخبة التي لم تترك غزة للحظة واحدة. ولقد
وضعت ليفني إسرائيل في مصاف الدول العربية
المعتدلة في مقابل المتطرفين وذلك لأن إسرائيل
وهذه الدول يقاتلون الإرهاب. ومع حصرها في
معسكر الداعمين للإرهاب، إلا أن الزعم بأنها
تمثل تهديدا للأمن العربي لم يلق قبولا لدى
زعماء دول مجلس التعاون الخليجي الذين دعوا
الرئيس الايراني أحمدي نجاد إلى حضور قمتهم
السنوية في عام .2007
ومن جانبه، أصر وزير الخارجية القطري الشيخ
حمد بن جاسم بن جابر آل ثاني على أن «إيران
دولة جارة» وأن الاستقرار الإقليمي أمر مهم
وحساس بالنسبة لكل دول المنطقة. ورأى أن
النزاع قابل للحل سلميا، لا سيما مع إيران،
وأن دول مجلس التعاون الخليجي لا تتوق إلى
معاداتها معاداة دائمة.
والواقع أن العقد الفاصل بين زيارتي ليفني
للدوحة قد شهدا تأكيدا من دول مجلس التعاون
الخليجي على الحلول السلمية للنزاعات العديدة.
حينما تحدثت ليفني للمرة الأولى في الدوحة، لم
تشر من قريب أو بعيد إلى قدرات إسرائيل
النووية الطاغية، أو التهديد الوجودي الذي
يشكله بلدها على جيرانه. بل ولم يخطر لها قط
أن تتساءل عن تهديد القوي للضعيف. وعلى العكس
من ذلك، استطاعت إسرائيل طوال الوقت أن تظهر
نفسها في صورة البلد الهش حتى وإن كانت قوتها
العسكرية تفوق قوى معظم الدول باستثناء
الولايات المتحدة.
الأهم من ذلك أن ليفني لم تتساءل قط عن هامشية
دعمها لممثلي الفلسطينيين في فتح والسلطة
الفلسطينية ولا هي اعترفت باحتلال بلدها الذي
دام عقودا للضفة الغربية وقطاع غزة. ولم تشر
كلمتها إلى العقاب الذي تفرضه على ملايين
الأفراد، وهو العقاب الذي يماثل سلوك النازي
المهين. وبدلا من ذلك، أطلقت ليفني مقترحا
جديدا بتبني «معايير ديمقراطية» كان الهدف
منها عزل المتطرفين عن الجماهير المحبة للسلام.
ومع أن قليلا من المشاركين في منتدى الدوحة
2008 هم الذين ذكروا الوزيرة ليفني بأن
إسرائيل بلد يمارس الاحتلال، فقد سمعت ليفني
ملاحظات أعنف في عام ،2018 وذلك لأن ما تغير
على الأرض عبر عقد من الزمن لم يكن إلا أقل
القليل. فقد تم تذكير الوزيرة بأن الاعتقالات
الجماعية التي يمارسها النظام الإسرائيلي
العنصري باتت أكثر فداحة، وهو ما يلحق العار
بـ «معايير الديمقراطية» التي تتبناها اسرائيل.
ومع أن المدعوين الغربيين إلى مؤتمر الدوحة
كانوا على علم بصدق هذه الأقوال، إلا أنهم
أبوا أن يدينوها. والحقيقة أن منجزات ليفني
الحقيقية تتمثل في قدرتها العظيمة على تصوير
إسرائيل في صورة الضحية، ووصف الإدانات بالظلم،
والإصرار على الكلام باسم معاييرها
الديمقراطية. وتلك جميعا مظاهر للجرأة السافرة،
وفيها تفسير لتعذر قبول العرب بإسرائيل.