الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

الملف السياسي ....

مقومات استنهاض التنمية
د. بوشـعـيب أوعبي
كلية الحقوق ــ مسقط


«إن إنشاء الجمعيات الأهلية وغيرها من الجمعيات غير الحكومية إذا اعتبر لدى البعض من ضمن سلة حقوق الأفراد والجماعات فإنه اليوم يعتبر من ضمن سلة الواجبات والالتزمات التي أضحت مفروضة على الجميع فرادى وجماعات في الظروف العادية وظروف الطوارئ والكوارث التي يمكن أن تحل بأي دولة من حين لآخر، وهذا بموجب كل من المواثيق الدولية والدساتير والقوانين العادية».
تعد الجمعيات الأهلية إحدى مكونات المجتمع المدني الحيوية كظاهرة مؤسسية فرضت نفسها وبرز دورها الطلائعي في المجال التنموي بجانب الحكومات في العقود القليلة الأخيرة من القرن العشرين بمختلف الدول الحديثة ، حيث تنظمها التشريعات الحديثة بما فيها تشريعات الدول النامية، إما اقتناعا بدورها التنموي وإما تظاهرا منها أمام الرأي العام الدولي على أنها تحترم الحريات العامة الفردية والجماعية.
وتسمح تشريعات الدول العربية بدورها بإنشاء الجمعيات الأهلية وغيرها من الجمعيات غير الحكومية بشكل من الأشكال دون تجاوز الحدود المرسومة لها من طرف بعض التشريعات، وهكذا منها ما يبيح بشكل واسع إنشاء الجمعيات السياسية والنقابية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وهو حال أنظمة المغرب العربي كالمغرب والجزائر، ومنها ما يحصر مجال نشاطها في المجالات التنموية الاجتماعية والثقافية والخيرية والرياضية فقط تحت اصطلاح الجمعيات الأهلية وهو ما نجده في أنظمة المشرق العربي وبلدان مجلس التعاون الخليجي.
ويفيد عمل الجمعيات الأهلية وجمعيات المجتمع المدني ككل ذاك العمل التطوعي التلقائي من طرف أشخاص مسكونين بالعمل الخيري والإنساني ومؤمنين بوجوب تقديم مختلف أوجه الدعم والمساعدة لذوي الحاجة من أفراد المجتمع، وهو عمل تؤمن به مجتمعاتنا العربية والإسلامية منذ فترة ما قبل الإسلام وما بعده في إطار ما جاءت به شريعتنا السمحة المؤكدة على سنن التكافل والتضامن والتآزر تقليصا للفوارق الطبقية وتسوية فيما بينها مكافحة للحاجة والفقر والعوز الذي يلم ببعض أفراد المجتمع الواحد.
وإن نظام الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني فرضته الضرورة في الظروف الراهنة بشكل أكثر إلحاحا ، إيمانا من الأنظمة الحديثة بأن مؤسسة الدولة تمر اليوم بظروف صعبة ولن تقوى على الالتزام بمفردها بإحقاق التنمية المنشودة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا في الآجال المحددة ووفقا للبرامج المتعهد بها ، وبالتالي باتت الحاجة ماسة وأكيدة إلى إسهام مختلف طبقات وشرائح المجتمع بدورها في ذلك من خلال انخراطها البناء والمسؤول في هذه التحدي التنموي وذلك بتجنيد كافة الطاقات المجتمعية والشعبية تحملا لمسؤولياتها الوطنية والقومية بجانب الدولة.
ولقد سارعت البلدان الديمقراطية وخاصة بعد ما أصابها من اختلال بنيوي من جراء مخلفات الحرب العالمية الثانية في تشجيع عملية إنشاء أكبر عدد ممكن من الجمعيات غير الحكومية في مختلف مجالات التنمية ، مما شجع المجتمع الدولي على إصدار العديد من الاتفاقيات الدولية يسمح فيها بهذا النوع من المؤسسات الجمعوية التطوعية كحق من حقوق الإنسان الجماعية في مجال التنمية ،مما دفع في الأخير بهذا العمل الجمعوي ذاته إلى التطور بشكل ملحوظ والتوسع مجاليا في العديد من القضايا الحيوية التي لم يكن مألوفا التطوع فيها وكذا إلى التوسع ترابيا بإنشاء جمعيات غير حكومية دولية وذات طابع عالمي لا تأبه إلى مسألة الحدود الإقليمية نظرا لطابع العالمية الذي يسبغ قضاياها التطوعية كما هو الشأن في قضايا: البيئة والهجرة والصحافة والوقاية من بعض الأمراض المعدية وقضايا حقوق الإنسان وغيرها.
وإن إنشاء الجمعيات الأهلية وغيرها من الجمعيات غير الحكومية إذا اعتبر لدى البعض من ضمن سلة حقوق الأفراد والجماعات فإنه اليوم يعتبر من ضمن سلة الواجبات والالتزمات التي أضحت مفروضة على الجميع فرادى وجماعات في الظروف العادية وظروف الطوارئ والكوارث التي يمكن أن تحل بأي دولة من حين لآخر،وهذا بموجب كل من المواثيق الدولية والدساتير والقوانين العادية، حيث لم يعد مسموحا للمواطنين أمام الظروف التي تمر بها معظم البلدان التقاعس عن أداء الواجب الوطني في الانخراط الجماعي الواعي والمسؤول من أجل التنمية المستدامة، فلقد انتهى عهد نظرية التواكل والاعتماد على أن الدولة هي التي تقوم بمفردها بعملية التنمية بمعزل عن المواطنين الذين هم موضوع وهدف التنمية المستدامة أساسا، ومن هذا المنطلق فإن العديد من الدول المتقدمة تصنف مواطنيها وغيرهم من الوافدين إلى فئتين: مواطنين نشطاء كفاعلين إيجابيين، ومواطنين متقاعسين سلبيين، وتأخذ العديد من الدول هذا التصنيف بعين الاعتبار وتوظفه في العديد من المجالات الحيوية تمييزا للمواطنين ذوي الخبرة في العمل الجماعي التطوعي دون غيرهم.
إن المنتديات الدولية المعنية بالعمل التطوعي توصلت إلى تحديد حوالي 80 هدفا رئيسا ضمن الأهداف التنموية للألفية الثالثة ، تتجلى أهمها في محاربة الفقر والجوع وفي النهوض بالتعليم الأساسي ومحاربة الأمية وخفض وفيات الأطفال وفي الصحة الإنجابية ومحاربة الإيدز والملاريا وغيرها من الأمراض وفي البيئة وإقرار المساواة بين الذكور والإناث وحقوق الإنسان وغيرها ... وذلك في إطار ما يعرف بـ: «إقامة شراكة عالمية من أجل التنمية» بين مكونات المجتمع المدني، وهي مجالات تتطلب فعلا تجميع الجهود والطاقات والإمكانات من أجل النهوض بها وخاصة في البلدان ضعيفة النمو بإفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية بشكل أساسي ،وهو عمل يعلن المجتمع الدولي بمختلف منظماته الحكومية وغير الحكومية وكذا بعض حكومات الدول المتقدمة استعداده من أجل مؤازرة هذه الجمعيات المحلية الإقليمية المناضلة على واجهة التنمية المستدامة.
وإن ما ينبغي التأكيد عليه من أجل إنجاح مهمة هذه الجمعيات الأهلية والجمعيات غير الحكومية وتكون فاعلة وناجحة في عملها الميداني هو ما يأتي:
ـــ انبثاقها التلقائي والعفوي من بين الشرائح الاجتماعية المهتمة دون أن تكون هناك تعليمات عليا في إنشائها وتكوينها.
ـــ انبثاقها من طرف مواطنين لهم قناعة مبدئية بالعمل في المجال التنموي وذوي غيرة شديدة في المجال ذاته.
ـــ استعداد المؤمنين بتلك القناعات الوطنية لمواجهة الصعوبات الممكن مصادفتها في مسيرتهم التطوعية، وتوافرهم على النفس الطويل من أجل الاستجابة لذلك العمل التنموي بالتضحية بالوقت وبالمجهود المادي والمالي والمعنوي دون كلل أو ملل.
ـــ إخضاع عملية تكوين وتشكيل أجهزة الجمعية وفروعها ومختلف لجانها عن طريق الاحتكام إلى الديموقراطية، وما تفرزه عمليات التصويت باختيار الإنسان المناسب في المركز المناسب وبإصدار قرارات من صلب أغلبية المنخرطين ، حيث أبانت التجارب أن الأجهزة المعينة أو المفروضة على المنخرطين من جهة خارجية لا يكتب لها النجاح والدوام ،وأبانت التجربة أيضا أن عملية انتخاب الأعضاء الممثلين والمسيرين تسمح بتجديد الدماء في شرايين الجمعية وبالتناوب على تسيير دواليبها وبالمنافسة بشأن أفضل عطاء وأحسن مردودية.
ـــ يتعين أن تبقى وصاية الجهات الحكومية ورقابتها للجمعيات بعيدة بالقدر اللازم الذي لن تعرقل فيه مسيرة هذه الأخيرة ،حيث يتعين أن تكون ثمة مرونة في تسليم تراخيص إنشاء الجمعيات وفي الاعتراف بها وبقوانينها الداخلية وبأجهزتها التمثيلية المنتخبة كلما تمت في إطار القانون المنظم للجمعيات وللقوانين المنظمة لها، وفي حالة ما إذا كان من الضروري من وصاية حكومية فإنها تكون على المستوى المالي تفاديا لكل انحراف بهذا الشأن وكذا على المستوى القضائي في إطار متابعة الأعضاء المتلاعبين بالعمل الجمعي خلافا لما تنص عليه مواثيق الجمعية وقوانين البلاد وقيمها وأنظمتها.
ـــ استعداد الجمعية لأن تكون مؤسسة ذات قوة اقتراحية مهمة على المستويين الفكري والمبدئي وذلك بابتكار الأفكار الخلاقة التي من شأنها أن تكون قادرة على حلول مجدية وبناءة للمشاكل المطروحة.
ـــ استعداد الجمعيات للبحث عن المناهج العملية المناسبة التي من شأنها جذب أكبر عدد ممكن من الأعضاء المقتنعين بمبادئ الجمعية وأفكارها وقيمها الوطنية النبيلة، حيث أن القوة العددية تسمح بتجنيد أكبر عدد ممكن من الطاقات الفاعلة ميدانيا وتطبيق برامج الجمعية على الأرض بشكل أسهل.
ـــ استعداد الجمعيات لجذب الدعم المالي اللازم والمناسب من أجل تنفيذ برامجها والنزول إلى الميدان العملي ، حيث أن أكبر عائق في مسيرة الجمعيات هو الدعم المالي والمساهمات التي ليس من السهل جمعها ، تمكينا من اقتناء الإمكانيات اللوجستيكية الضرورية لعمل الجمعيات.
ـــ استعداد الجمعيات للعمل على ابتكار آليات الإعلام والاتصال والتواصل اللازمة من أجل تبليغ رسالتها ومنجزاتها إلى الرأي العام بشكل تصبح معه الجمعيات معروفة لدى الخاص والعام.
ـــ اشتغال الجمعيات بشكل دؤوب وفعال ومراكمة حصيلة ميدانية إيجابية مقنعة ومتميزة بشكل ملفت للاهتمام على المستوى التنموي، تسمح لها في الأخير بأن تطالب بأحقيتها في أن تكون جمعية ذات نفع عام، بحيث تجعلها الدولة من بين الجمعيات الناجحة والفعالة ميدانيا وتنمويا ويكون بالتالي من حقها على الدولة أن تمدها بدعم مالي محدد قانونا بشكل سنوي من الموازنة العامة للدولة.
إن العمل الجمعوي أضحى اليوم ضرورة ملحة في مختلف المجالات ، من منطلق أن العصر هو عصر تكتلات وعصر عمل جماعي في ظروف تتزايد صعوبة يوما بعد آخر حتى في أواسط الشرائح الاجتماعية الميسورة مثل الجمعيات الأهلية التي تنشأ فيما بين المحامين والأطباء والأساتذة الجامعيين والمهندسين وغيرهم من الفئات الاجتماعية الميسورة ،وهو أمر يكون في مصلحة الدولة وذلك بتكوين خطاب واحد موحد لدى هذه الجمعيات، بل إن العمل الجمعوي بدأ يأخذ اليوم أبعادا أخرى لم يكن متصورا فيما قبل كإحداث جمعيات من أجل حماية المال العام وجمعيات مقاومة الفساد وجمعيات حماية القيم والأخلاق العامة، والجمعيات الدولية المنسق معها في مجال حقوق الإنسان وجمعيات مراقبة الانتخابات وغيرها.

  رجوع