لعل حالة
التضخم التي اصابت معظم دول العالم، وإن جاءت
بنسب مختلفة، عرّفت المواطن البسيط بأحد
المصطلحات الاقتصادية او الآفات الاقتصادية
التي تصيب معظم طبقات المستهلكين بالضرر، اذ
عرف المستهلكون ان التضخم يعني ارتفاع اسعار
السلع والخدمات في الاسواق وتآكل القوة
الشرائية لمدخولاتهم (اجور ورواتب). والتضخم
في الدول النامية يزيد الفقراء فقرا ويوسع
عددهم، ويثري الاغنياء غنى ويقلص عددهم. وعند
اقران حالة ارتفاع الاسعار بما يعرف (بمتوسط
الدخل الفردي) في اي بلد، فإن المتضررين هم
معظم المواطنين من ذوي الدخل المحدود في الدول
النامية، ويجدون انفسهم عاجزين، كما هو حال
حكومات الدول النامية، عن ايجاد حل او معالجة
آثار التضخم التي تعمق الهوة بين الناس
والنظام الاقتصادي بما في ذلك الكشف عن حقيقة
لم تكن معروفة وهي عجز الحكومات وقصورها عن
التحوط بآلية تدرء التبعات الخطيرة عن
مواطنيها.
فالحكومات في الدول النامية المؤمنة بفلسفة
نظام السوق الحر والمنافسة، او بمعنى أوضح
بالنظام الرأسمالي الذي اثبت تفوقه (سياسيا)
في معظم دول العالم، وقويت وسادت السياسات
الاقتصادية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي
ومن ثم منظمة التجارة العالمية (المتعثرة)،
فضلا عن المنتديات والمؤتمرات المساندة كمنتدى
دافوس ومجموعة السبع وغيرها، وذلك منذ عقد
تسعينات القرن العشرين، لم تتمكن حكومات الدول
النامية الا ان تسير مع تيار الرأسمالية
الجارف في تصاعد عولمة رأس المال وشرعية
الاستحواذ.
غير ان الفرق بين الدول النامية والدول
الرأسمالية الراسخة ذات الاقتصادات القوية
ونظمها المقومة بمؤسسات عريقة خبيرة في
التعامل مع المتغيرات الاقتصادية كبير جدا، اذ
تختلف فيهما القدرة في التعامل مع المستجدات
وآفات النظام الرأسمالي كالتضخم، ففي الدول
الرأسمالية المتقدمة نظم نقدية قوية وأنشطة
انتاجية توّلد قيمة مضافة وأسواقا محكومة
بقوانين المنافسة شبه الكاملة، ومتوسط الدخل
الفردي لمواطنيها قريب من عدالة توزيع الدخل
القومي.
اما حكومات الدول النامية، ومعظم اسواقها
تعتمد على تأمين حاجاتها الاستهلاكية المباشرة
او السلع الرأسمالية ا
والمواد الاولية المغذية لصناعاتها او تجارة
اعادة التصدير، من الاستيراد وبذلك يكون
التضخم المستورد من بين اهم اسباب ارتفاع
الاسعار في اسواقها المحدودة حجما او انها
محكومة بقوانين شبه احتكارية وان كانت واسعة
بمفهوم ضخامة الكتلة السكانية، فالتضخم في
اقتصادات الدول النامية آفة حقيقية، اذ لم
يسجل ان ارتفعت الاسعار في بلد نام وتراجعت
الى ما قبل الاصابة بالتضخم، وفي احسن الاحوال
في بعض الدول ذات الاقتصادات المستقرة المسندة
بعوائد متواترة ودخل قومي مصدره سلعة مهمة (كالنفط
مثلا)، فإنها يمكن ان تكون قادرة على احتواء
التضخم وايقاف ارتفاع الاسعار لتكون السنة
التي وصلت فيها نسب التضخم الى مستوى معين هي
سنة الاساس القياسية للسنوات المقبلة، اما
الدخل الفردي لمواطنيها (الدول النامية) فقد
تآكلت قوته الشرائية، وان التدابير والحلول
ذات التعامل النقدي سيكون علاجا مسكنا ليس الا.
الدخل الفردي
لعل من بين أكثر المؤشرات الاقتصادية المضللة،
هو (مؤشر متوسط الدخل الفردي) الذي يعرف
باللغة الانجليزية Cper - Capita income
وذالمصطلح وتركيب مفرداته اخذتها الانجليزية
عن اللغة اللاتينية الوسيطة، ودخلت قواميسها
عام 1682م، ومعناها حصة الفرد من المجموع.
بمعنى ان متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي هو
ناتج قسمة الدخل القومي على عدد مواطني الدولة،
ويمكن تعديل التعريف بالقول (ان الدخل الفردي
هو ناتج قسمة صافي الدخل القومي على مجموع
سكان الدولة، بمعنى ان العاملين في اي دولة من
غير مواطنيها سينالون حصة من توزيع الدخل
القومي، دخلا لقاء عملهم وخدماتهم، وفي
الحالتين سيكون مؤشر متوسط الدخل الفردي مضللا
ولا يعكس حقيقة مدى رفاهية الغالبية من مواطني
تلك الدولة او هذه، اذ ان انشطة النظام
الاقتصادي، ملكية وادارة، يحدد اسلوب توزيع
الدخل القومي على سكان الدولة. ففي الدول
الرأسمالية الصناعية المتقدمة يعمل نظام
المنافسة شبه الكاملة وقوانينه على توزيع قريب
من العدالة سواء في الاجور او في فرص العمل او
في نظم الرعاية الصحية والاجتماعية، الامر
الذي يؤكد ان معظم مواطنيها هم من الطبقة
المتوسطة المرفهة، مع نسبة مقبولة من الباحثين
عن العمل مكفولة بنظام الضمان الاجتماعي
معيشة، وهنا تتضاءل آثار التضخم على معظم
مواطني تلك الدولة، اذ ان الدخل الفردي
لغالبيتهم يستوعب الزيادة المحددة لارتفاع
الأسعار والذي يتناقص هو الادخار، اي تلك
النسبة التي كان المواطن يدخرها من دخله، وبما
ان النظم النقدية في الدول الرأسمالية
المتقدمة تضع حدا ادنى للاجور، فإن ذلك الاجر
يكون معفى من الضرائب، بل ويدعم باعانات سلعية
وصحية واجتماعية.
مثال: تحسب تكاليف معيشة الفرد والاسرة ووفق
مؤشراتها يتم تحديد الحد الادنى للاجور، ففي
الولايات المتحدة الامريكية مثلا، ان الحد
الادنى للاجر هو 6 دولارات في الساعة، فإن
الدخل اليومي لا يقل عن 48 دولارا للعامل غير
الماهر، وان الراتب الشهري له لا يقل عن 1440
دولارا، وهو اجر معفى من الضرائب وان المواطن
الذي يعمل بهذا الاجر يحق له ان يطلب الاعانة،
رغم ان دخله يوفر معيشة مقبولة، وان نسبة عدد
المواطنين من ذوي الدخل المعفى من ضريبة الدخل
هي الاقل، وان معظم المواطنين الامريكيين على
جانب قويم من القدرة على الادخار، ولعل
الاعلام الامريكي الحر يركز على معاناة النسبة
الاقل من المواطنين الامريكيين، اذ يقوم بدور
(الاعلام الرقيب).
التضخم وحكومات الدول النامية
تعاني حكومات الدول النامية من العجز عن
احتواء ارتفاع الاسعار بنسب تصاعدية، ولعل
أفضل ما تتمكن ان تقوم به هو الحد من تفاقم
التضخم واتخاذ تدابير مؤقتة للتخفيف من آثار
التضخم على مواطنيها، ولعل اسوأ تلك التدابير،
وان جاءت ملبية لمطالب المواطنين، هو زيادة
الاجور والرواتب بنسب ضئيلة سرعان ما تدفع
الاسواق الى موجة تضخمية مضافة ترتفع خلالها
الاسعار فتأتي على تلك الزيادة الطارئة
المحدودة في الاجور والرواتب للمواطنين
العاملين في مؤسساتها، وإن لم يتحرك القطاع
الخاص فيها لرفع الرواتب فستكون آثار التضخم
أكثر ضررا على نسبة كبيرة من العاملين في
القطاع الخاص.
ويمكن إرجاع أسباب محدودية تحرك مكونات الدول
النامية لاحتواء التضخم الى ما يلي:
1- عدم وجود سوق منافسة يصحح الاسعار في
الأسواق ويجعل من نسب التضخم مقبولة في اطار
عوامل لا بد منها تصاحب نظم السوق، كارتفاع
الطلب بفعل الزيادة السكانية الوطنية أو
ارتفاعها بسبب استقدام القوى العاملة الوافدة،
بمعنى ان معظم أسواق الدول النامية محكومة
بسوق شبه احتكارية توريدا وتوزيعا وانتاجا،
لتكون الأسعار محكومة بالميل الى مراكمة رأس
المال أو الربح الاضافي على حساب المستهلكين
من قبل شركات ومصالح القطاع الخاص.
2- معظم الدول النامية تعاني من التضخم
المستورد، أي ان أسواقها تجهز بالسلع
المستوردة بنسبة عالية جدا، كما ان خدماتها من
ماء وكهرباء ومصناع ومواد أولية تعتمد على
الاستيراد في ديمومتها على اداء الخدمة أو
الانتاج، وعندما ترتفع أسعار السلع
الاستهلاكية والسلع الرأسمالية المستوردة من
مناشئ تصديرها، فان الشركات والمصالح التي
تستوردها لن تكتفي بزيادة أسعار تلك السلع
المستوردة أو المنتجات المصنعة محليا بنسبة
ارتفاع سعرها من مناشئها.
وإنما ترفع اسعارها بنسب أعلى فترتفع أرباحها،
ليأخذ التضخم مداه في الجموح وعندئذ تصعب
السيطرة عليه. وتسوغ إدارات الشركات رفع أسعار
سلعها ومنتجاتها بنسب أعلى من نسب ارتفاعها من
مناشئ تصديرها هو التحوط من تضاؤل القوة
الشرائية للعملة التي يقاس بها حجم أرباحها،
إذ ان استمرارها في تقديم الخدمة التجارية أو
الانتاج مرهون بالربح، الأمر الذي يصعب التدخل
في شؤونها.
3- ان معظم الدول النامية لا تتمتع بنظم
ضريبية فاعلة ولا نظم نقدية قادرة على التحكم
بحجم السيولة المتداولة التي تتصاعد في حالات
النمو الاقتصادي وتصاعد الانفاق العام.
إذ ان النظام الضريبي يمكنه الحد من تباعد
الهوة بين طبقات السكان، برفع الضرائب أو
بتقليصها حسب الحاجة الى إعادة توزيع جانب من
الدخل القومي الذي يأخذ شكل الدعم الحكومي
للسلع والخدمات أو ربط الأجور بنسب التضخم
بآلية بعيدة عن الاعلام.
كذلك فان النظام النقدي أو الادارة المالية
للعملة من مسؤولية البنوك المركزية التي تتولى
التعامل مع ظاهرة التضخم من خلال زيادة أو
تقليص حجم السيولة المتداولة، وذلك أما بخفض
سعر الفائدة أو برفعها حسب الحاجة الى السيطرة
على المتداول النقدي. فيتأثر الطلب الكلي في
الأسواق بنسب طردية مع حجم السيولة، وتكون
السيطرة على التضخم ممكنة، وفي معظم الدول
النامية لا نجد لسعر الفائدة من اثر فاعل على
تقليص أو زيادة كمية السيولة النقدية
المتداولة في الأسواق، بسبب ضآلة حجم أسواقها
وأنشطتها الاقتصادية عند مقارنتها مع أسواق
وأنشطة الدول الصناعية المتقدمة.
4- ومن العوامل التي تحد من قدرة حكومات الدول
النامية على احتواء التضخم هو الانفاق العام،
أي ما تنفقه الحكومات على تطوير واستكمال
البنى الاساسية لاقتصادها فكلما اتسعت
المصروفات الحكومية زادت السيولة النقدية
المتداولة، فيرتفع الطلب ، فترتفع الأسعار،
لذلك فان مقولة (ان التضخم رديف النمو
الاقتصادي) مقولة صحيحة. إلا ان الحكومات تجد
ان من واجبها العمل على تواتر النمو الاقتصادي
واستكمال البنى الاساسية لمجتمعاتها والا فقدت
شرعيتها، ولعدم وجود المؤسسات الكفيلة
بالتعامل مع التضخم ولعدم تحقق سوق المنافسة
فيها، فان الانفاق العام يدفع بنسب أعلى
للتضخم وتقف الحكومات في الدول النامية موقفا
ضعيفا في صراعها مع ارتفاع الأسعار.
5- ظهرت مؤخرا في عدد غير قليل من دول العالم
مشكلة تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي الى نسب
لم تشهدها أسواق صرف العملات من قبل. إذ فقد
الدولار الأمريكي قوة صرفه أمام سلة العملات
القياسية كاليورو والين الياباني والباوند
الاسترليني بنسبة تصل الى 25٪ عما كان عليه
عام 2000م. وبما ان هناك العشرات من دول
العالم النامية التي ربطت عملاتها بسعر صرف
محدد ثابت، وبسبب أزمة الدولار الأمريكي وجدت
تضاؤل قيمة عملاتها وكذلك أصولها المقومة
بالدولار. الأمر الذي اعطى الأسواق العالمية
حافز رفع أسعار السلع الاستهلاكية والرأسمالية
التي يدفع مشتروها بالدولار. هكذا أضيف لزخم
التضخم في الاقتصاد العالمي عاملا جديدا وهو
التراجع الحاد للدولار الأمريكي الذي تقيّم
بموجب سعر صرفه 70٪ من تجارة العالم.
إلا ان ذلك الحال لم يكن مبرهنا على أرض
الواقع، رغم ان عددا غير قليل من الاقتصاديين
في الدول النامية طالبوا بالتخلي عن ربط
العملات الوطنية عن الدولار الأمريكي. فدولة
الكويت التي قررت التخلي عن الدولار، وبعد نصف
عام من ذلك القرار تواصلت نسب التضخم
بالارتفاع في اقتصادها، فإذن تكون العلاقة بين
نسب التضخم وربط العملة بدولار ضعيف الصرف
ليست ذات شأن وان عواقب التخلي عن الربط التي
يمكن ان تلحق بأصول الدول النامية ستكون
سلبية.
6- ويرتفع الطلب في الأسواق عادة، في حلول
مواسم التسوق كالأعياد والمناسبات الدينية
والاجتماعية وعند عدم توفر المعروض الموازي
للطلب في تلك المواسم فإن التضخم سيأخذ مداه
ويرتفع ويعطي الحجة لمنافذ التسويق ان ترفع
الأسعار كما شاءت لمسوغ أو من غيره، ولغياب
آلية التعامل مع سوق شبه احتكارية تضعف قدرة
الحكومات على احتواء التضخم وقت المناسبات.
وخلاصة القول ان التضخم في اقصاديات الدول
النامية يصعب احتواءه، وان المتضرر الأكبر به
هو الدخل الفردي المحدود.