ترجمة قاسم مكي
حصار غزة الذي امتد على مدى عام قد ينتهي
قريبا مع وقف اطلاق نار جديد. وهو حدث يؤشر
على كسوف سياسة أخرى من السياسات الاسرائيلية
المدعومة أمريكيا والتي أنتجت أثرا عكسيا
بتقوية المتطرفين في غزة المشبعة أجواؤها
بالأبخرة. وهي أبخرة كبريتية ناتجة عن حرق
دهون الطبخ وقودا للسيارات. لماذا ؟ لان
الحصار أوجد ندرة في البنزين. ان العام الذي
انقضى (عام الحصار) لم يكن يبدو في مجمله فقط
عاما للافلاس الاخلاقي ( اذ كان عاما للعقاب
الجماعي) ولكنه ايضا خلّف نتيجة هي عكس ما كان
مرغوبا. وهذه الهدنة الجديدة الهشة بين حماس
واسرائيل قد تتيح بالكاد فرصة جديدة لتثبيت
أوضاع تتسم بالاستقرار في الاراضي الفلسطينية.
ولكن ذلك سيحدث فقط اذا اعتبرنا بما حدث من
أخطاء. خذوا مثال ادهم شريف فهو يبلغ من العمر
26 عاما وله طفلة وحيدة اسمها زينب لم تزل في
المهد. وليدة ادهم تعاني من وجود ثقب صغير في
قلبها وتحتاج الى عملية جراحية ولكن مستشفيات
غزة لم تكن لديها القدرة على اجراء مثل هذه
العملية. غير أن اطباءها ذكروا له ان الجراحين
في اسرائيل او الدول المجاورة يمكنهم انقاذ
حياتها. نظريا هنالك استثناء للحصار يُسمح
بموجبه للناس بالخروج من غزة في الحالات
الصحية الطارئة. ولكن شريف لم يتمكن من الحصول
على اذن لاخراج مريم وماتت الطفلة في نوفمبر.
قال لي ابوها «يصعب ان ترى طفلتك تموت ولا
تستطيع انقاذها.» هل سيلوم شريف حماس لانها
تسببت في الحصار الذي كلف ابنته حياتها؟ «بالطبع
لا» يرد شريف.
ويضيف قائلا: انا ألوم اولئك الذين اغلقوا
الحدود اسرائيل وامريكا حليفتها والآن عندما
يسمع شريف ان المتطرفين يطلقون الصواريخ على
مدن جنوبي اسرائيل مثل اشدروت فان ذلك يثلج
صدره. وحين فازت حماس بالانتخابات الديمقراطية
في غزة ثم استولت على كامل السلطة هناك قبل
عام لم تكن تتوافر وقتها خيارات جيدة لاسرائيل
وامريكا. فحماس تضم فيما تضم اسلاميين ومنظري
عقائد. كما انها طورت روابط مع ايران. ان
ادارة حماس لشؤون الحكم محترمة وفقا لمعايير
حسن الاداء الحكومي (المخففة) في المنطقة.
فحماس ليست فاسدة على نحو مخصوص. انها تقدم
الخدمات الاجتماعية بكفاءة واقتدار. كما أن
الشوارع آمنة للسالكين. ولكنها تدير دولة
بوليسية وتثير قلق كل جيرانها. ومن بين كل
الخيارات السيئة المتاحة لها ربما تكون
اسرائيل قد اختارت أسوأها. فمعاقبة كل شخص في
غزة نتج عنها اغضاب السكان وتحويلهم الى
راديكالي. كما ادى العقاب الجماعي الى وضع
حماس في موضع الضحية وأهدى لمسؤوليها عذرا
يردّون الى فشلهم في اداء مهامهم، وقوّض موقف
المعتدلين الذين يشكلون افضل امل لاسرائيل
والعالم العربي. وفى الواقع اذا افترضنا ان
الولايات المتحدة واسرائيل كانتا قد قامتا
بتشكيل لجنة لدعم حماس وتعزيز النفوذ الايراني
ما كانت تلك اللجنة لتستطيع ان تقوم بتلك
المهمة بأفضل مما (فعل الحصار). فواقعة الحصار
هي أحدث دليل على ان المتشددين في اسرائيل
وفلسطين وامريكا يعزز كل منهم وضع الآخر.
فالعنف (العربي) أدى الى ظهور الصقور (الاسرائيليين)
والى شن غزوتين على لبنان. وكان أول غزو
اسرائيلي قد أعان على ولادة حزب الله. ثم
ساعدت الهجمات الاسرائيلية على الشرطة
الفلسطينية في تعزيز حماس. وهكذا ففي حين يدين
الاسرائيليون حزب الله وحماس فانهم في الواقع
قد ساهموا في ايجادهما. وفي حين يدين
الفلسطينيون جدار الفصل فان تفجيراتهم
الانتحارية هي التي قامت ببنائه. يلاحظ اياد
السرّاج وهو طبيب نفساني مرموق في غزة ان
المتشددين في حاجة الى بعضهم البعض. وهو يلقي
باللائمة على حصار غزة في تشويه سمعة الاصوات
المناصرة للولايات المتحدة. ويقول: كل من لا
يذهب مذهب الولايات المتحدة فهو بطل حتى
المجانين لقد كرست الولايات المتحدة واسرائيل
طاقاتهما لمعاقبة حماس. ولم تعملا لانجاح جهود
من نفضل التخاطب معهم. لذلك فان المعتدلين
امثال الرئيس الفلسطيني محمود عباس يأتوننا
كطرف. في حين تخرج حماس (من الحصار) كطرف
منتصر. يجب علينا ان نتحدث الى حماس. ليس لان
المفاوضات ستقود بالضرورة الى شيء ما ولكن لان
الفشل في التفاوض سيفضي بالضرورة الى لا شيء.
ان قرار اسرائيل بمنع ابناء غزة من الدراسة في
الخارج لهو قرار قصير النظر. فتعليم اهل غزة
قد يعين على بناء كتيبة من المعتدلين. ولكن
اسرائيل تواصل الحيلولة دون مغادرة ثلاثة من
الحائزين على منحة فولبرايت التعليمية لغزة
والسفر الى الولايات المتحدة . يقول زهير ابو
شيبان وهو احد الطلبة الحاصلين على المنحة
التعليمية على اسرائيل ان ترغب في حصول
جيرانها على تعليم افضل كي تؤمن لنفسها
مستقبلا افضل. حماس حتى الآن تتفوق في (مناوراتها)
على اسرائيل والولايات المتحدة. وتشير
استبيانات الرأي العام هذا العام ان حماس تفوق
الجميع في الضفة الغربية وقطاع غزة. ونحن
عندما نساعد حماس فاننا دون قصد ندعم مؤيدتها
ايران. وربما ان اكثر ما يثير الاحساس بالكآبة
ان اغلبيات فلسطينية كبيرة (اكبر مما مضى)
تفضل الان الهجمات الارهابية. وقد اخبرتني
رجاء بطريخي وهي طالبة جامعية عمرها 20 عاما
انها عانت كثيرا من الحصار الى حد انها تجد
متعة في الهجمات الصاروخية التي تنطلق من غزة
على المدن الاسرائيلية. تقول رجاء في تحد:
اعتقد اننا نحسن صنعا عندما نضربهم بالصواريخ.
ان صواريخنا لا شيء مقارنة بالصواريخ التي
يضربوننا بها. ولكنهم على الأقل يشعرون بالخوف
الذي نشعر به كل يوم. انه لمما يحسب لاسرائيل
انها كانت ترغب في التفاوض غير المباشر مع
حماس: ومع مجيء الهدنة فاننا لدينا الفرصة
الآن لوضع حد لهذا الانحدار الى أسفل.
قسم الترجمة- عمان