على مدى الأيام
الأخيرة تعرضت الساحة اللبنانية إلى تطورات
وتفاعلات لا بد وان تثير القلق بالنسبة لما
يمكن ان تؤول اليه الأوضاع في لبنان الشقيق.
صحيح انه تم تطويق الاشتباكات التي جرت بين
عدد من أنصار الأكثرية والمعارضة في شمال
لبنان، بعد وقوع قتلى وجرحى للأسف، ولكن
الصحيح أيضا ان نقطة الخطر تكمن في تكرار تلك
الاشتباكات بين الأكثرية والمعارضة، سواء في
بيروت كما حدث، أو في طرابلس وصيدا أو الجبل
وغيرها من المناطق اللبنانية. وينبع الخطر من
ان تكرار الاشتباكات، حتى ولو كانت محدودة أو
تم تطويقها، من شأنه ان يغذي الاستقطاب بين
الأكثرية والمعارضة، كما انه يدفع بتكراره إلى
ان تسعى الأطراف المباشرة ، وربما غيرها، إلى
الاستعداد لاحتمال المشاركة في تلك المواجهات.
وهو ما يعني ببساطة دفع لبنان تدريجيا نجو
التجييش والاستعداد ونشر الأسلحة والتهيئة
للمواجهات الأوسع. يضاف إلى ذلك ان تكرار
الاشتباكات قد يجعلها اكثر اعتيادية لدى اعداد
متزايدة من اللبنانيين، وهي مسألة لا يمكن ان
تكون في صالح حاضر لبنان ومستقبله.
في ضوء هذه الأسباب فإنه من المهم والضروري ان
تبذل كل القوى والأطراف اللبنانية جهودها
الصادقة والمتواصلة من أجل الحيلولة دون حدوث
اشتباكات بين أنصارها. وهو ما يتطلب ضرورة
التوقف وبشكل سريع عن عمليات الشحن والتصعيد
الإعلامي المتبادل بين الفرقاء اللبنانيين،
أكثرية ومعارضة.
وإذا كان الحفاظ على الاستقرار ولو النسبي على
امتداد الساحة اللبنانية ومسارعة الجيش
اللبناني إلى التدخل لاحتواء أية احتقانات قد
أسهمت في تجاوز احتكاكات ومن ثم مخاطر عديدة
ومتكررة، فإنه من المأمول ان يكون اللقاء
الروحي امس بين الطوائف اللبنانية، والذي دعا
إليه الرئيس ميشال سليمان، خطوة نحو تقريب
المواقف وتجاوز العراقيل المرتبطة بالخلافات
حول توزيع حقائب الحكومة اللبنانية القادمة.
جدير بالذكر ان الفترة الماضية، ومنذ التوقيع
على اتفاق الدوحة قبل شهر تقريبا، شهدت العديد
من الاتصالات والمشاورات التي قام بها رئيس
الوزراء اللبناني المكلف فؤاد السنيورة من أجل
تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي ينتظرها كل
اللبنانيين، غير انه يبدو ان هناك قرارات ما
بعدم فتح الطريق امام تشكيل حكومة السنيورة
لأسباب تتبادل كل من الأكثرية والمعارضة إلقاء
الاتهامات بشأنها على الطرف الآخر. ومن ثم
فإنه من غير المفيد ولا الحكيم اتخاذ جانب هذا
الطرف أو ذاك لأن ذلك يدفع فقط نحو مزيد من
تعقيد الأوضاع اللبنانية.
وفي ضوء ذلك فإنه إذا كانت كل الأطراف
اللبنانية والإقليمية والدولية قد أيدت حقا
اتفاقات الدوحة، كما اعلنت جميعها قبل ذلك،
فإنه من المهم والمفيد للبنان الآن ان تتاح له
الفرصة لتجاوز خلافات تشكيل الحكومة بدون تدخل
خارجي من جانب أي طرف. لأنه من المعروف ان
تدخل طرف يؤدي إلى تدخل طرف أو أطراف آخرين
على الجانب الآخر. ولكن السؤال هو هل يمكن
للقيادات اللبنانية ان تحل مشكلاتها وحدها
وبدون مساندة ما من القوى الأخرى؟ الاجابة هي
ان ذلك ممكن ولكن إذا لم تتدخل الأطراف الأخرى
التي تعمل من أجل مصالحها وحساباتها الخاصة.
على أية حال فإن الأمر في النهاية يعود إلى
مواقف القيادات اللبنانية سياسية واجتماعية
وروحية لأنها هي التي تسمح لهذا الطرف أو ذاك
ان يؤثر أو يتلاعب. وإذا استمرت هذه الأوضاع
وإذا تكررت الاشتباكات واستمرت التدخلات
الخارجية وما يصاحبها من حملات اعلامية تتصاعد
بوضوح فإن القلق بشأن لبنان وما يتعرض له من
مخاطر يصبح أكبر وأعمق لأن عرقلة تطبيق اتفاق
الدوحة يمكن ان يعيد خلط الأوراق مرة أخرى.