الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
الهنقري والبيدار
يكتبها : سيف العبري

الهنقري في مفهوم المجتمع العماني هو الإنسان الميسور أو الغني بينما البيدارهو الشخص الأجير الذي يعمل في بستان الهنقري وله مقابل عمله أجرة معينة كانت في السابق تقاس بكمية من ثمار النخيل أو المحاصيل الموسمية الأخرى حيث إن الهنقري هو الذي يحدد قيمة الأجرة بينما انقلبت المعادلة الآن فالهنقري أوكل كل ما في البستان للبيدار له أن يتصرف في الزراعة والحصاد مقابل الاعتناء بالنخيل والأشجار كما قال المثل العماني (غرومه بجرومه) إلى درجة أن البيداراصبحت لديه بساتين عديدة في البلدة يتصرف فيها كيفما يشاء ما عدا البيع والشراء للأصل ومن ذلك بإمكانه ( قعد) أي بيع حصة ماء البستان لأشخاص آخرين خاصة في وقت الجفاف (المحل) لتصل إلى مبالغ وفيرة وهناك من «الهناقرة» الذين أوكلوا المهمة بالمناصفة أو مقابل أجر معين لقوى عاملة وافدة عوضا عن البيدارالعماني، كما جاءت موجة الجفاف بتفاصيل جديدة للعلاقة بين الغني والفقير حيث إن الحصول على ماء من ناقلة المياه «التنكر» بسعته المتفاوتة كانت رهن موافقة صاحب ناقلة المياه « التنكر» الباحث عن مصدر رزق ثمين سواء بتحديد سعر حمولة الناقلة «التنكر» أو الوقت الذي يمكن أن يلبي فيه طلب صاحب المنزل حتى لوكان ذلك الموعد سوف يتأجل لليوم الثاني أو لأكثر من يومين وكما قال أحد سائقي ناقلة المياه «التناكر» بأنه لم يكن في السابق يحظى بأي اهتمام من الناس كونه إنسانا من طبقة اجتماعية متوسطة ومن أسرة محدودة الدخل وعندما امتهن نقل مياه الشرب أصبح اسمه مطلوبا من الجميع وهاتفه يرن في كل لحظة حيث إن الطلبات تنهال عليه ليل نهار وبإمكانه العمل في أي وقت وإن شاء طلب السعر الذي يروق له ما دام أن جميع الناس تساوت حاجتهم من الماء ولم يعد الغني صاحب المال والبساتين قادرا على تلبية حاجة أسرته من مياه تفي بحاجتها من طهي وغسيل ولقضاء حاجة كل فرد يدخل دورة المياه ليستحم مرة واحدة فقط في اليوم بعد أن كان الاستحمام (أيام الخصب) أولا قبل الذهاب إلى العمل وعندما يعود وقبل أن ينام بالليل، أما الأطفال فقصتهم تختلف عندما غفلت الأسرة عن توعيتهم بأهمية ترشيد استهلاك المياه فإذا بهم يمكثون فترة أطول عند الاستحمام في (البانيوم) ليملأه الطفل ثانية بعد الغسيل بالصابون وثالثة عند وضع الشامبو في الرأس ولتنظيم باقي الجسم أيضا !!.
وعندما حلت موجة الجفاف هذه المرة جاءت بذكريات لم تغب عن ذاكرة الناس حيث إن انقطاع هطول الأمطار وجريان الأودية أصبحت سمة بارزة في السنوات الماضية إلا أن ما يجعلنا نتفكرأكثر في علاقة الناس بعضهم ببعض وانقلاب الموازين أحيانا حين يكون الماء منقطعا عن منازل في مخططات سكنية حديثة بنيت بأدوار ونقشت بزينات وغرست في أفنيتها أصنافا من أشجارالنخيل والحمضيات والزينة دون الأخذ في الاعتبار ضعف المخزون الجوفي في باطن الأرض الذي كثيرا ما يتأثر بما تجود به رحمة رب العالمين من أمطار في مواسم متباعدة وما هي بأشهر معدودة حتى تغور المياه في الأعماق لتجف معها الآبار وتنضب من الأفلاج لتجري بعض من مياهها على استحياء في سواق وقنوات مدت من أمهات وسواعد إلى باقي البساتين والمزارع، وهنا تكون المياه عصب الحياة ليست في الشرب فقط بل في زيادة الطلب على استخداماتها المنزلية دون أن تكون هناك مقارنة معتبرة بين ما كان عليه حياة الناس قديما وبينما هم عليه الآن حيث إن إناء فخاريا أو معدنيا (صفرية) كانت تكفي أفراد الأسرة للشرب والطهي وما يتعلق بالاستحمام فإن منابع الأفلاج والآبار السبيل الأفضل وهي سمة للحارات القديمة الواقعة على جانب البساتين الزراعية ومقربة من ساقية الفلج لينتفع ساكنوها من مياه وفيرة للشرب والطهي والغسيل وسائر الاستخدامات الأخرى، وهكذا فإن لتقلبات الحياة المتعاقبة حكما وغايات حيث إن عملية تبادل المنافع بين الناس أصبحت الآن تأخذ منحى آخر بحاجة الميسور حالا إلى الإنسان البسيط في وقت الشدة بعد أن ترفع الكثير من الناس عن العمل في مهن وأعمال متعددة وغاب عنهم مبدأ التكافل والتعاون معتقدين بأنهم في غنى عن مساواتهم بباقي الناس الآخرين وتكفيهم قدراتهم المالية في العيش برغد ونعيم بعيدا عن تلمس حاجة أفراد المجتمع الذين تربوا على الشدائد والصعوبات في الوصول إلى مبتغاهم من توفير الحياة المستقرة.

  رجوع