الرئيسية الصفحة الأولى المحليات الاقتصادية الرياضية منوعات وصلات ومواقع للاتصال بنا

قضايا وآراء....

مراس
البيضة قبل الدجاجة أم ..
تكتبها اليوم: هدى الجهورية

لم يكن من السهل أن تجد البنت الكبرى أحداً ليستمع لما تكتب. أمها أمية لا تقرأ ولا تكتب، ووقتها يذهب في (المعصرات)، ووالدها البعيد لا يأتي إلا في أوقات متأخرة من الليل، وأختها الأصغر ترفض أن تستمع إلى (الخرابيط) كما تقول، ولأنه من المهم أن يستمع إليها أحد كانت تضع مصروف المدرسة في يد أختها الصغرى، وتشرع في قراءة (الخرابيط) لها.
ما أعرفه جيداً أن البنت الكبرى لم تكن تتضور جوعا في المدرسة. كانت تعيد قراءة ما تكتب مرة وثلاث إلى أن يرن جرس الفسحة.
لا أدري كيف تذكرت هذه الحكاية البعيدة جدا عن البنت التي تضع مصروفها في يد أختها مقابل أن تستمع لها، وإن كانت لن تصفق، أو تقول لها شيئا مفيدا إلا أنها كانت تشعر بارتياح هائل. ربما تذكرت هذه الحكاية البعيدة بسبب الأمسية الأخيرة التي دعتنا إليها جماعة الخليل للأدب في جامعة السلطان قابوس مع الكاتبين الرائعين عبدالله حبيب، وعبدالعزيز الفارسي، وشعرت كم أن الطلبة بحاجة إلى من يستمع إليهم بدلا من أن يكونوا مستمعين دائما. وربما أيضا لأن فعل القراءة والاستماع لم يتشكلا ضمن وعينا كعادة، فهنالك من يقول ما فائدة المكتبات إن لم يكن هنالك قارئ محرض لوجودها، وهنالك من يقول كيف سنتربى على القراءة إن لم تكن هنالك أصلا مكتبات حقيقية؟. نجد أنفسنا ونحن نسأل هذا السؤال: (من يأتي أولا المكتبة أم فعل القراءة) نتذكر ذلك السؤال القديم: (من جاء أولا البيضة أم الدجاجة). لأن القراءة التي نتكلم عنها الآن ليست تلك التي يمارسها الكتاب الذين ينتجون أعمالا موازية، ولكن تلك التي ينبغي أن تكون عادة بين الأوساط العامة من المتعلمين.
هنالك متغيرات علينا استيعابها جيدا، لنستطيع أن نربي أبناءنا. إذ لا يكفي أن ننجبهم ونتركهم للحظ أو الصدف، خصوصا وأننا ننتمي إلى بلد له تاريخه ونتاجه وأدبه وفنه وموسيقاه ما يستحق أن نلتفت إليه.
من الغريب حقا أن المثقف العماني لم يؤثر اجتماعيا، وذلك أمر يدعو للاستغراب. إذ يبدو أنه يعاني من انفصال بين شخصيتيه.. شخصيته وهو يكتب ويفكر ويعيد انتاج الأفكار الجديدة، وشخصيته الأخرى عندما يتعاطى مع المجتمع. اعتقد أنه من الضروري أن نفكر: إلى أي حد ساهم المثقف والفنان في تغيير صور نمطية كثيرة في مجتمعانا؟
أنا أرى أن دوره لا يزال قاصراً على حدود العمل الوظيفي أو الكتابي أو الفني دون أن يحاول إيصال صوت مغاير إلى المجتمع عبر قنوات أخرى عدا الوظيفة أو القلم إلا في حالات قليلة ونادرة ينصب أغلبها في محاولة تغيير الواقع المادي عبر الأعمال التطوعية. ونادرا ما نرى أن أحدنا منشغل بمحاولة التصدي للأفكار الصدئة في المجتمع التي أكل الزمان عليها وشرب. فنحن مثلا لم نحاول بجدية، وبجهد جماعي تغيير فكرة غلاء المهور التي استثمرها ولي الأمر والمرأة معاً لصالح المباهاة بدلا من أن يقولا كلمة (لا) عالياً لكي لا تقع امرأة أخرى في فخ العنوسة!
ماذا أيضا عمّا يحصل في حالة (العزاء)، ودفع ما أمام العائلة وما خلفها وكأنها تقيم حفلا لفقيدها الغائب، وللرجال والنساء محتلي البيت من أول الصباح حتى آخره!
أحد الزملاء كان متبرما من مصاريف العيد، وما يحصل من ذبح مبالغ فيه للثيران، وأكل اللحم إلى أن تمتلئ المستشفيات بالناس المصابة بعسر الهضم. الجميع يتبرمون ولكن لا يتخذون موقفا.
كما أن الخطابين الديني والإعلامي لم يُغيرا كثيرا في طرحهما المعني بالمسائل الحياتية اليومية (وإن حاولا) رغم كونهما الأكثر تأثيرا في أي مجتمع!
مثقفنا لا يراوح منطقة الكتابة إلى مناطق عميقة في المجتمع المحيط به، باستثناء قلة، وربما يقول البعض (ليس هذا الأمر من مهامه، فلديه مهمة الكتابة التي تهمه بدلا من التفكر في أمور المجتمع وتحولاته).
الحقيقة علينا أن نعوّل عليه أكثر من غيره مهمة إشاعة الوعي. إذ لا توجد إلى الآن دراسات عميقة ترصد تطور الإنسان العماني اجتماعيا، وثقافيا وسلوكيا منذ السبعينات، وإلى الآن لكي نستطيع بواسطتها أن نقيس واقعنا الاجتماعي الذي نعيش لنبرر أشياء كثيرة ومهمة. على سبيل المثال لا الحصر: لماذا الشاب العماني المتعلم لا يقرأ؟ لماذا لا يمتلك القدرة على التعبير؟ لماذا لا يمارس السلوكيات التي يقتنع بها بدلا من أن يجر نفسه وراء عادات بالية... الخ.

  رجوع