«هناك ضرورة لأن تدرك الجمعيات أنها تعمل داخل
دولة لها خصوصيتها وهويتها المستقلة ومن ثم
فإن أهدافها يتعين أن تدعم الأمن القومي لهذه
الدول في المقام الأول بعيدًا عن التوجهات
الطائفية والمذهبية التي تعد أخطر ما يواجه
الدول حاليًا».
على الرغم من حداثة مفهوم المجتمع المدني في
المنطقة العربية عمومًا، فضلاً عما يثيره من
جدل سواء من حيث علاقته بالحكومات أو طبيعة
دوره إذ ينُظر إلى مفهوم «مدني» في مواجهة «السلطة
الرسمية» بشكل متضاد فإن تلك المنظمات استطاعت
أن يكون لها دور فاعل تجاه العديد من القضايا
التي أضحت تميز عمل مؤسسات المجتمع المدني
عمومًا وبخاصة قضية حقوق الإنسان، وإذا كانت
هذه المنظمات قد ظهرت في كافة الدول العربية
فإن لها تميزها في منطقة الخليج التي قطعت
شوطًا طويلاً على صعيد التطوير السياسي عمومًا،
وثمة مؤشرات على تصاعد هذا الدور منها على
سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: تضم دول الخليج العربية المئات من
الجمعيات الأهلية والتي لديها برامج للمساعدات
سواء للإغاثة في الدول الإسلامية التي تتعرض
لنكبات طبيعية أو غيرها ولعل السبب الرئيسي
وراء انتشار تلك الجمعيات بكثافة يعود إلى
عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي
حيث استطاعت الدول الخليجية تحقيق وفرة مالية
من عوائد النفط رأت معها حكومات هذه الدول
ضرورة مساعدة الدول الفقيرة مما ترتب عليه
نتيجتان مهمتان أولها: إضفاء البعد الإنساني
على السياسات الخارجية لتلك الدول، وثانيها:
التواصل مع العالم الإسلامي الأوسع وهو هدف
للسياسات الخارجية لتلك الدول.
ثانيًا: يلاحظ أنه بالرغم من تعدد الجمعيات
الأهلية ومن ثم تعدد أهدافها في دول الخليج
فإن قضية حقوق الإنسان ظلت هدفًا يستحوذ على
جل عمل هذه الجمعيات التي أنشئت لهذا الغرض
ولعل هذا الهدف من شأنه أن ينعكس إيجابًا على
واقع تلك القضية في المجتمعات الخليجية عمومًا
انطلاقًا من أمرين أولهما: حرص هذه الجمعيات
على إصدار تقارير دورية بشكل سنوي عن واقع
حقوق الإنسان في هذه الدول ويلاحظ أن تلك
التقارير لا تتم في غرف مغلقة بمعزل عن الواقع
وإنما هي نتاج للجان تقصي الحقائق عن واقع
القضية. وثانيهما: تزامن ظهور هذه الجمعيات مع
صدور التقارير الدورية الأمريكية بشأن اتهامات
حول انتهاكات حقوق الإنسان في بعض الدول
الخليجية ومن ذلك تقرير الخارجية الأمريكية
السنوي حول الاتجار بالبشر بما يعني أن
التقارير الوطنية يمكن أن تكون سبيلا للرد على
تلك الانتقادات وتفنيدها بما لديها من وثائق
ومعلومات.
وعلى الرغم من هذا الدور المميز للجمعيات
الأهلية في دول الخليج فإن هناك عدة معوقات لا
تزال تواجهها على صعيد تفعيل هذا الدور منها
على سبيل المثال لا الحصر.
أولاً: الاتهامات الدولية لبعض الجمعيات
بدعمها للإرهاب ومن ذلك ما أثارته بعض الجهات
داخل الولايات المتحدة بشأن جمعية إحياء
التراث في الكويت ومن ثم فإن الحكومات
الخليجية تحتاج لصيغة من أجل التوفيق بين
الالتزامات الدولية وبين إتاحة الفرصة لهذه
الجمعيات لتمارس دورها باستقلالية كاملة
بعيدًا عن تلك الضغوط والملاحقات.
ثانيًا: الاتهامات المتبادلة بين الحكومات
وتلك الجمعيات، ففي الوقت الذي ترى فيه
الحكومات أن الجمعيات لم تلتزم بالمواثيق
المنظمة لعملها احيانا وهي قوانين النفع العام
عمومًا والتي ليس لها أهداف سياسية، تطالب
الجمعيات بالمزيد من حرية الحركة لعملها
بعيدًا عن الرقابة الحكومية، والواقع أن ثمة
صيغة توفيقية مطلوبة إذ أنه بالرغم من أهمية
تلك الجمعيات في التعبير عن القضايا
الجماهيرية، فضلاً عن دورها الإنساني المهم
إلا أنه يتعين الإدراك بأنها لا تعمل في فراغ
وإنما داخل دول لها قوانينها ودساتيرها.
ثالثًا: على الرغم من وجود أطر قانونية تنظم
عمل تلك الجمعيات فإن الواقع يشهد عرقلة عمل
تلك الجمعيات أحيانًا وبخاصة إذا ما أرادت
دراسة أوضاع بعض الفئات بما يعني الحد من
دورها.
فهل يعني ما سبق أن العلاقة بين الدولة
وجمعيات العمل الأهلي ستظل تأخذ حالات الشد
والجذب ضمن صيغة تضاد الذي يصل إلى حد العداء؟
والواقع أن هناك متطلبات لإيجاد إطار للعلاقة
بين الجانبين ومنها:
1- ضرورة إدراك الحكومات أن الجمعيات الأهلية
ليست ديكورًا وإنما هي وجدت لأداء أدوار
اقتصادية واجتماعية ومن ثم فإن دورها يعد
تكامليًا مع الدولة بل أن وجودها يعد دليلاً
على مدى التطور السياسي الذي شهدته الدول
حاليًا.
2- أهمية توفير الدعم المالي والقانوني اللازم
لعمل تلك الجمعيات حتى يمكنها أداء دورها بشكل
فاعل لتحقيق ما وضعته من أهداف مجتمعية.
3- ضرورة أن تدرك الجمعيات أنها تعمل داخل
دولة لها خصوصيتها وهويتها المستقلة ومن ثم
فإن أهدافها يتعين أن تدعم الأمن القومي لهذه
الدول في المقام الأول بعيدًا عن التوجهات
الطائفية والمذهبية التي تعد أخطر ما يواجه
الدول حاليًا.
وآخرًا وليس أخيرًا ضرورة دراسة تجارب الدول
الغربية للتعرف على واقع تلك المنظمات وآليات
عملها للاستفادة من خبرتها في هذا الشأن.